المساعي - رجل من أقصى المدينة
على في صباح الحادي والعشرين من أبريل عام 1985، حين انفتح باب الطائرة القادمة من مسقط على مدرج مطار الخرطوم الدولي، بدا الأمر وكأنّ عائلة الأستاذ والمربي الجليل مطر التجاني سلام التلمساني لم تعد إلى البلاد وحدها، بل عادت معها سبع سنوات كاملة من رائحة اللبان العُماني، وخرائط المدارس الرملية، ودفاتر التلاميذ الذين كانوا يكتبون أسماءهم على ضوء المصابيح النفطية في قرى الباطنة وصلالة. كانت الخرطوم يومها تشبه امرأة خارجة لتوّها من حمّى طويلة؛ المدينة متعبة، لكنّها تضحك. النيلان يمران كأنهما شاهدان عجوزان على سقوط زمن وصعود زمن آخر. أما مطر التلمساني، فقد نزل من الطائرة وهو يحمل حقيبة جلدية بنية، لا تحتوي على الملابس بقدر ما تحتوي على فكرة غامضة عن النهضة، فكرة تشبه طائراً إفريقياً مهاجراً يرفض أن يموت في القفص. في حيّ الكلاكلة، كانت الجدران تستمع. المقاهي تستمع. حتى أشجار النيم كانت تميل بأغصانها نحو الرجال العائدين من الخليج وهم يتحدثون عن التعليم، والري، والاتصالات، والمشاريع الزراعية، وعن ضرورة أن يصبح السودان قلب إفريقيا النابض لا هامشها المنسي. هناك بدأ الجزء الأول من ...
