رواية القضارف المحروسة - الادارة العامة لأراضي القضارف
القضارف المحروسة كانت القضارف المحروسة في ذلك الصباح تشبه رجلاً خرج من حريق طويل ثم وقف أمام مرآة مكسورة يبحث في شظاياها عن وجهه القديم، وكانت المدينة قد كبرت دون أن تشعر، تمددت أحياؤها فوق الحقول، وارتفعت أسوارها حول المساحات التي كانت يوماً ميادين للعب ومراعي للصغار وممرات للماء، بينما كان المهندس المنتصر نصر الدين علي موسى الأنصاري، مدير الإدارة العامة للأراضي، يفتح خرائط الولاية في مكتبه ويقول إن المدينة لا تحترق بالنار وحدها، فقد تحترق حين تفقد ترتيبها، وحين يصبح بيت الإنسان أغلى من ذاكرته، وحين تصبح الأرض سلعة لا مكاناً للحياة، وحين تنسى الإدارة أن وراء كل رقم قطعة إنساناً ينتظر أن يجد لنفسه موضعاً ثابتاً في هذا العالم. وكان أول ما ورثه المنتصر عن المدينة أن الأرض لا تسلم أسرارها بسهولة؛ فهي تبدو ساكنة تحت القدمين، لكنها تحفظ أسماء الذين زرعوها والذين باعوها والذين ورثوها والذين اقتلعوا منها، وتحفظ كذلك أول خط رسمه المسّاح، وأول جدار أقيم فوقها، وأول خلاف بين شقيقين على حدود حقل، ولذلك كان كل ملف عقاري يصل إلى مكتبه يبدو له مثل رواية ناقصة، فالوثيقة تبدأ من تاريخ محدد، أما ا...