سفلال ابو الديب
للل لذي خرج معه. كان يحمل الباب الحديدي في رأسه، وصوت المزلاج يمشي خلفه في الأزقة، حتى إذا دخل سوق القضارف سمعه في صرير عربات الخضار، وفي ضحكات الباعة، وفي أكياس الذرة المكدسة كأنها جثث صغيرة تنتظر أسماءها. قال لنفسه إن المدينة خانته قبل أن يخونها، وإن جريمته الأولى لم تكن إحراق محلج أولاد الشبلي في قرية وادي الحوري، بل تصديقُه أن المجتمع يمكن أن يكون له وجه واحد. لم يكن هو الذي أشعل النار، أو هكذا ظل يقول، لكنه كان يعرف الرجال الذين يعرفون الرجال الذين يعرفون الذين أشعلوا النار في تلك الليلة التي هبطت على القلابات الغربية مثل طائر أسود، وكان يعرف أن الغرباء الذين قيل إنهم جاءوا من فولتا العليا لم يكونوا غرباء تماماً، وأن الطريق الذي حملهم إلى القضارف مرّ بأبواب كثيرة، وأن بعض أصحاب تلك الأبواب كانوا يبتسمون الآن في النهار ويصلّون في الصفوف الأولى بعد مقتل حبيب النجار داخل خلوة القوني منصور بحي البرنو. عندها فهم سفلال أن الخيانة ليست فعلاً واحداً، بل سلسلة من الأفعال الصغيرة التي يتناوب الناس على ارتكابها ثم يرمون السلسلة كلها في عنق رجل واحد. وح...
