استيف أوستن
كان الغواصون يقولون إن البحر لا يمنح اللؤلؤ إلا لمن ينسى اسمه عند أول موجة، ولذلك ألقى الجيلي النور اسمه في الماء كما تُلقى حفنة ملح في قدر قديم، وما إن لامست الحروف القاع حتى انشقَّت صدفة ضخمة خرجت منها الجنية الحميرية «صباح الخير» بثوب من زَبَدٍ أخضر، تحمل في كفها ساعة لا تشير إلى الوقت بل إلى العصور. ابتسمت وقالت إن الزمن لا يمضي إلى الأمام، وإنما يختبئ داخل المحار حتى يوقظه شاعر يعرف لغة المرجان. ومنذ تلك الليلة أخذت السفن الخشبية تعود من رحلاتها وهي محمّلة بمدنٍ كاملة بدل اللؤلؤ، فمرةً تعود بعدن القديمة، ومرةً تحمل سوق عكاظ فوق ألواحها، ومرةً تُرسي على الشاطئ ميناءً لم يولد بعد. ولم يجرؤ أحد على سؤال البحارة عن حقيقة ما رأوه، لأن وجوههم كانت تشبه خرائطٍ رُسمت بماء البحر، ولأن عيونهم كانت تلمع كأنها تنظر إلى قرون لم تصل بعد إلى العالم. كان مرج البحرين يتنفس كل فجر كما يتنفس كائن أسطوري نائم، فإذا اختلط الماء العذب بالملح ظهرت مكتبة من الضباب لا يراها إلا الجيلي النور والجنية صباح الخير. هناك كانت الكتب مكتوبة على أجنحة النوارس، وكلما حلقت إحداها تبدلت صفحات التاريخ، فيستيقظ ملك حم...