1

وصلتُ غرناطةَ متأخرًا بخمسة قرونٍ كاملة،
وكانت كلوديا تضحكُ من ارتباك الخرائط في جيبي،
كأنها تعرفُ أن المدن القديمة لا تُعثر عليها بالسؤال،
بل بالندوب التي تتركها في الروح.
عند سفح الحمراء رأيتُ ظلَّ حصانٍ عربيٍّ
يخرج من جدارٍ أعمى،
ويجري نحو نهرٍ لم يعد موجودًا إلا في كتب المؤرخين.
قالت كلوديا:
هنا تبدأ الأسطورة عندما ينتهي التاريخ.

2

كانت غرناطة تشبه امرأةً تتذكر أسماءها بصعوبة،
كل نافذةٍ فيها مرآة،
وكل مرآةٍ بابٌ إلى زمنٍ آخر.
كلوديا تمشي أمامي،
فيختلط شعرها الأسود بأشجار السرو،
وأكاد أرى في ملامحها
بقايا وجوهٍ موريسكية نجت من المحاكم،
وتسللت سرًا إلى القرن الحادي والعشرين.

3

في ساحةٍ ضيقةٍ قرب الحمراء،
سمعتُ زرياب يعزف على عودٍ من الضوء،
وكانت النوتات تتحول إلى أسراب حمام،
ثم إلى مخطوطاتٍ محترقة،
ثم إلى قوارب صغيرة تعبر المتوسط.
قالت كلوديا:
الموسيقى هي الشيء الوحيد
الذي هزم النسيان ولم يعلن انتصاره.

4

كلما اقتربنا من القصر
ابتعدتْ الحقيقة.
الجدران لا تُبنى بالحجر وحده،
بل بالأحلام المؤجلة أيضًا.
كانت الأقواس تتنفس،
والنوافير تكتب قصائد مائية،
والرمان المعلق في الحدائق
يشبه قلوبًا صغيرة تحفظ سرَّ المدينة.

5

سألتُ كلوديا:
هل سقطت الأندلس فعلًا؟
فأشارت إلى سرب طيورٍ مهاجرة
كان يدور فوق الأسوار.
قالت:
الأشياء العظيمة لا تسقط،
إنها فقط تغير شكل غيابها.
ومنذ تلك اللحظة
بدأتُ أشكُّ في جميع كتب التاريخ.

6

في الليل
تحولت غرناطة إلى سفينة.
الشوارع أنهار،
والبيوت أشرعة،
والقمر قبطانٌ أندلسي عجوز
يحفظ أسماء البحارة المنفيين.
أما أنا
فكنتُ أبحث بين النجوم
عن بيتٍ ضائعٍ من قصيدة لابن زيدون.

7

كلوديا لم تكن امرأةً فقط،
كانت أرشيفًا كاملًا للموريسكيين.
في عينيها مدنٌ مطرودة،
وفي صوتها لغاتٌ نجت من المحو.
وحين كانت تنطق العربية بلكنةٍ إسبانية،
كنتُ أسمع قرطبة كلها
تحاول العودة من منفًى طويل.

8

مررنا بتمثالٍ لسيرفانتس،
فخيّل إليَّ أن دون كيخوته
لم يكن يحارب طواحين الهواء،
بل كان يقاتل النسيان.
وكان حصانه الهزيل
يحمل فوق ظهره خرائط الأندلس الممزقة،
ويبحث عن مدينةٍ
تؤمن بالخيال أكثر من إيمانها بالقوة.

9

في أحد المقاهي القديمة
شربنا قهوةً بطعم البرتقال.
وكان البحر المتوسط جالسًا قربنا
متنكرًا في هيئة شيخٍ أعمى.
سمعته يروي حكايات السفن،
وحكايات اللاجئين،
وحكايات الأطفال الذين ضاعوا بين الشاطئين.
ثم اختفى فجأةً
كأنه لم يكن سوى استعارة.

10

عندما لامستُ جدار الحمراء
ارتجفت يدي.
شعرتُ أن الحجر يتذكر أكثر مما يتكلم.
ورأيتُ المدن المفقودة كلها
تخرج من شقوقه:
غرناطة،
وفلسطين،
والخرطوم،
وكل العواصم التي تعلمت معنى الفقد.
أما كلوديا
فكانت تنظر إليَّ كأنها تعرف نهاية القصيدة قبل أن تُكتب.

 

 

11

في الطريق إلى قرطبة
كانت كلوديا تقرأ أسماء القرى بصوتٍ خافت،
وكأنها تستدعي أرواحًا قديمة من نومها الطويل.
كل اسمٍ نافذة،
وكل نافذةٍ نهر،
وكل نهرٍ يقود إلى بحرٍ منسيٍّ
كانت تسبح فيه لغاتٌ انقرضت ولم تمت.

12

عند الجسر الروماني
رأيتُ الزمن واقفًا على ساقٍ واحدة.
لم يكن ماضيًا ولا حاضرًا،
بل طائرًا عجوزًا يبدّل ريشه فوق الماء.
سألتُ كلوديا:
هل تتقدم الحضارات إلى الأمام؟
فضحكت،
وقالت إن الخراب أحيانًا أسرع من التقدم.

13

في المسجد الجامع بقرطبة
كانت الأعمدة غابةً من التأمل.
كل عمودٍ ناسك،
وكل قوسٍ دعاءٌ متجمد في الهواء.
شعرتُ أن الحجر يفكر،
وأن الضوء يشرح نفسه ببطء،
كأستاذ فلسفةٍ فقد تلاميذه وبقيت حكمته.

14

هناك،
بين الأحمر والأبيض في الأقواس،
رأيتُ العلماء يمشون من جديد:
الفلاسفة،
والأطباء،
والفلكيين،
والنحاة الذين كانوا يقيسون الكون
بموازين اللغة والنجوم معًا.

15

قالت كلوديا:
كل حضارةٍ تعتقد أنها أبدية.
ثم أشارت إلى سقفٍ قديم
نجا من الحروب والزلازل.
قالت:
هذا الخشب أكثر حكمةً من الملوك،
لأنه عرف كيف يبقى
دون أن يحكم أحدًا.

16

في المساء
سمعتُ ابن رشد يتجادل مع الريح.
كانت الريح تدافع عن الخيال،
وكان هو يدافع عن العقل،
أما الأشجار
فكانت تنصت إلى الطرفين
كقضاةٍ يعرفون أن الحقيقة أوسع منهما.

17

كلوديا لم تكن تشرح التاريخ،
بل كانت تعيد اختراعه.
تحول ولادة بنت المستكفي إلى شرفة،
وابن زيدون إلى حمامة،
وقرطبة إلى قصيدة حب طويلة
كُتبت بالحبر والدموع معًا،
ثم ضاعت منها الصفحة الأخيرة.

18

في أحد الأزقة
اشترينا رمانتين.
وحين انشقّت الثمرة بين أيدينا
تساقطت منها مدنٌ صغيرة:
إشبيلية،
ومالقة،
وغرناطة،
ومدن أخرى لم أجدها في أي خريطة،
لكنني وجدتها في قلبي فورًا.

19

كان البرتقال الأندلسي
أكثر حزنًا مما توقعت.
الثمار تتدلى كفوانيس من ذاكرة بعيدة،
والعطر المنتشر في الهواء
يشبه رسالةً قديمة
وصلت متأخرة خمسة قرون،
وما زالت تبحث عن صاحبها.

20

قبل أن نغادر قرطبة
وقفت كلوديا عند النهر طويلًا.
بدا لي أنها لا تنظر إلى الماء،
بل إلى شيء أعمق منه.
وحين سألتها عمّا ترى،
قالت:
أرى مدينةً لم تمت،
لكنها غير قادرة على العودة،
وأرى شاعرًا سودانيًا
يحاول أن يعيد بناءها بالكلمات.

21

حين دخلنا إشبيلية
لم أدخل مدينةً
بل دخلتُ أغنيةً قديمةً نسيت اسم مؤلفها.
كانت الشرفات تتدلى من الهواء
كأنها مقاطع موشحة لم تكتمل،
وكان النهر يمشي بمحاذاة البيوت
مثل عازف عودٍ يبحث عن نغمة ضائعة
من ليلٍ أندلسي لا يريد الانقضاء.

22

قالت كلوديا:
هنا كان الجمال أكثر هشاشةً من الورود.
ثم أشارت إلى برجٍ قديم
ينام فوق كتفيه غبار القرون.
رأيتُ في الحجر وجوهًا كثيرة:
ملوكًا،
وشعراء،
وعشاقًا،
ولم أستطع التمييز بينهم.

23

في الساحة الكبرى
سمعتُ زرياب يعبر من جديد.
لم يكن رجلًا هذه المرة،
بل سرب سنونواتٍ سوداء
تخرج من أوتار العود.
كل نغمةٍ كانت تتحول إلى نافذة،
وكل نافذةٍ إلى ذاكرة،
وكل ذاكرةٍ إلى منفى
يعبر البحر في صمت.

24

جلست كلوديا قرب نافورة.
كان الماء يلتف حول أصابعها
كما يلتف الشعر حول المعنى.
وفجأةً
أدركت أن غرناطة لم تتركها أبدًا،
وأن الأندلس كلها
تختبئ في تلك اليدين
اللّتين تحملان حزنًا أقدم من العمر.

25

في الليل
تحولت المدينة إلى موشحة.
القمر قافية،
والنجوم حروف متناثرة،
والشوارع أوزان موسيقية
تمشي فوقها خطوات العابرين.
أما أنا
فكنت أسمع القصيدة قبل كتابتها،
وأفشل في الإمساك بها.

26

كان البرتقال يضيء الأشجار
كأنه مصابيح معلقة في ذاكرة العالم.
كل ثمرةٍ شمس صغيرة،
وكل شمس تحمل داخلها
صوت امرأة موريسكية
تغني لطفلها الأخير
قبل الرحيل الكبير.

27

سألتُ كلوديا:
هل ورثتِ شيئًا من أولئك المنفيين؟
ابتسمت.
وقالت:
ورثتُ خوفهم من النسيان.
ثم سكتت طويلًا،
حتى بدا الصمت نفسه
وكأنه سلالة عائلية
انتقلت عبر القرون.

28

في أحد الأزقة
مرّت بنا امرأة عجوز.
كانت تبيع المراوح الورقية.
لكنني رأيت خلفها
جيشًا كاملًا من الجدات الموريسكيات،
يحملن مفاتيح البيوت القديمة
وأسماء القرى المفقودة
وأغنيات الحصاد.

29

كل مدينةٍ جميلة
تحمل داخلها كارثةً مؤجلة.
هكذا فكرتُ
وأنا أنظر إلى إشبيلية.
فالأنهار لا تخبرنا عن الفيضانات القادمة،
والحدائق لا تعترف بموت الفصول،
والحضارات لا تكتب نهايتها
إلا بعد فوات الأوان.

30

في تلك الليلة
رأيتُ دون كيخوته يمتطي حصانًا من ضباب.
كان يعبر الساحة الكبرى
خلف زرياب مباشرةً.
الأول يحمل رمح الخيال،
والثاني يحمل عود الذاكرة،
وبينهما كانت الأندلس
تمشي كطفلةٍ ضائعة
تبحث عن اسمها الحقيقي.

31

استيقظتُ على أصوات أجراس بعيدة.
لكن الأجراس لم تكن أجراسًا،
بل أصداء مخطوطاتٍ تحترق.
كل صفحةٍ تتحول إلى طائر،
وكل طائرٍ إلى رماد،
وكل رمادٍ إلى سحابة
تمطر فوق رؤوس المؤرخين
الذين تأخروا عن إنقاذ الحكاية.

32

قالت كلوديا:
التاريخ كاذبٌ أحيانًا.
ثم أشارت إلى السماء.
كانت غيمةٌ وحيدة
تعبر فوق المدينة.
قالت:
انظر،
حتى الغيوم تكتب سيرتها
ثم تمحوها بنفسها.

33

في متحفٍ صغير
رأيتُ خوذةً صدئة.
لكنها لم تكن خوذةً،
بل رأس قرنٍ كامل.
داخلها صهيل خيول،
وصراخ جنود،
وأدعية أمهات،
وأصوات أطفال
لم يعرفوا لماذا تبدأ الحروب.

34

كلوديا كانت تمشي أمامي
مثل دليلٍ في متاهة.
لكنني لم أعد أعرف:
هل تقودني إلى غرناطة؟
أم إلى ذاكرتي؟
أم إلى تلك الأندلس الخفية
التي لا تظهر على الخرائط
إلا للعشاق والمنفيين؟

35

في مقهى يطل على النهر
شربنا قهوةً مرة.
وفجأةً
تحول سطح الفنجان إلى بحرٍ متوسط.
رأيتُ السفن،
واللاجئين،
والأشرعة الممزقة،
والحدود التي تتحرك كل ليلة
مثل وحوشٍ من دخان.

36

كان البحر يحفظ أسماء الجميع.
العرب،
والأمازيغ،
واليهود،
والإيبيريين،
والعبيد الذين جاؤوا من أفريقيا.
لكن البشر وحدهم
هم الذين نسوا بعضهم البعض.

37

في تلك اللحظة
شعرتُ أن الأندلس لم تكن وطنًا واحدًا،
بل حوارًا طويلًا بين أمم كثيرة.
وحين انقطع الحوار
بدأ السقوط.
كما ينطفئ اللحن
عندما تتشاجر الآلات الموسيقية
داخل الأوركسترا نفسها.

38

سألتُ كلوديا:
هل كان التعايش كاملًا؟
هزت رأسها.
وقالت:
لا شيء كامل.
حتى الفردوس يحمل شقوقه الخفية.
لكن بعض الشقوق
أجمل من كثير من الأسوار.

39

مررنا بحديقة قديمة.
كانت أشجار السرو واقفةً
كحراسٍ للزمن.
أما الرمان
فكان يلمع بين الأغصان
كقلوبٍ صغيرة
رفضت الاستسلام للموت
رغم مرور القرون.

40

في المساء
جلست كلوديا تحت شجرة برتقال.
وكان الضوء يتساقط على وجهها
مثل صفحات مخطوطة ذهبية.
عندها أدركتُ للمرة الأولى
أنني لا أتجول في الأندلس مع امرأة،
بل أتجول في امرأة
اسمها الأندلس.

41

في تلك الليلة
نامت إشبيلية داخل عيني كلوديا.
رأيتُ المآذن تتحول إلى أسراب نور،
والأجراس إلى أقمار صغيرة،
والقمر نفسه
إلى راعٍ أندلسي عجوز
يجمع المدن الضائعة
في قطيعٍ واحد من الذكريات.

42

وحين أغمضتُ عيني
رأيتُ غرناطة تمشي فوق الماء.
لم تكن مدينةً،
بل امرأة ترتدي ثوبًا من الرمان.
كل خطوة منها
كانت تنبت نافورة،
وكل نافورة
كانت تلد قصيدةً جديدة عن الفقد.

43

قالت كلوديا:
الحنين مرض جميل.
ثم تركت العبارة معلقة في الهواء
مثل فانوسٍ قديم.
أما أنا
فكنت أرى الحنين حيوانًا أسطوريًا
يقتات من الأزمنة الميتة
ويكبر كلما حاولنا نسيانه.

44

في صباح اليوم التالي
أفقت على رائحة البرتقال.
لكن الأشجار لم تكن أشجارًا،
بل مخطوطات خضراء
تكتب نفسها بنفسها.
وكان النسيم يقلب صفحاتها
كما يقلب راهبٌ أعمى
كتابًا لا يعرف نهايته.

45

كلوديا كانت تضحك.
وحين تضحك
تتساقط من ضحكتها
شرفات قرطبة،
وأقواس الحمراء،
وأسماء شعراء ماتوا منذ قرون.
كنت أراهم يخرجون من الضوء
ويجلسون حولنا
كما يجلس الأقارب في مناسبة عائلية.

46

مررنا بموسيقي عجوز
يعزف قرب جدار قديم.
وفجأة
تحول العود إلى سفينة،
وتحولت الأوتار إلى مجاديف،
وصار اللحن يعبر المتوسط
حاملًا أرواح المنفيين
من ضفةٍ إلى أخرى.

47

هناك فهمتُ
أن الموسيقى الأندلسية
ليست فنًا فقط.
إنها وطنٌ متنقل.
بيتٌ يمكن حمله في القلب،
حين تضيع البيوت الحقيقية.
وشجرةٌ تنبت في المنفى
ولا تسأل عن التراب.

48

في المساء
جلسنا قرب نافورةٍ صامتة.
كانت المياه تدور في أحواضها
كما تدور الحضارات حول مصائرها.
كل دائرة تبدأ بوعد،
ثم تتسع،
ثم تتشقق،
ثم تعود إلى نقطة البداية.

49

سألتُ الماء:
لماذا تسقط الأمم؟
فأجابني بصوت النافورة:
لأنها تنسى هشاشتها.
وحين تظن نفسها خالدة
يبدأ الخراب
بجمع أدواته في الظل.

50

وكانت كلوديا تنصت إلى الماء.
كأنها تفهم لغته.
ثم قالت:
كل إمبراطورية
تحمل بذرة سقوطها معها،
مثلما تحمل الرمانة
بذور موتها وحياتها
في الثمرة نفسها.

51

في الحمراء
لم أعد أميز
بين المعمار والشعر.
الأقواس أبيات،
والنوافذ استعارات،
والجدران قصائد حجرية
كتبها الضوء
بحبر الماء.

52

كل ممر في القصر
كان يقود إلى حلم.
وكل حلم
كان يقود إلى منفى.
حتى أنني شعرت
أن الحمراء ليست قصرًا،
بل متاهة كاملة
بناها الحنين لنفسه.

53

على أحد الجدران
لمستُ نقشًا عربيًا قديمًا.
فخرجت منه حمامة.
ثم خرجت منه مدينة.
ثم خرج منه بحر كامل.
وأدركت أن اللغة
أوسع بكثير من الكلمات.

54

قالت كلوديا:
هنا عاش الذين ظنوا
أن الجمال يستطيع إنقاذ العالم.
ثم سكتت.
وكان الصمت
أبلغ من كل الشروح
التي كتبها المؤرخون.

55

في الليل
جاء ابن عربي.
لم يأتِ كرجل،
بل كسحابة بيضاء
تعبر فوق الأسوار.
وكانت السحابة تفكر،
وتحلم،
وتردد أسماء الله
داخل النجوم.

56

سمعته يقول:
كل مدينة صورة.
وكل صورة ظل.
وكل ظل باب.
أما الحقيقة
فأوسع من المدن
وأوسع من الخرائط.

57

عندها رأيت الخرطوم.
ظهرت فجأة
بين أبراج غرناطة.
ورأيت النيل
يمر بين حدائق الحمراء.
ورأيت الحرب
تجلس على ضفة الماء
مثل غراب أسود جائع.

58

سألت نفسي:
كم مدينةً يجب أن تخسر البشرية
حتى تتعلم؟
لكن السؤال
تحول إلى دخان.
وصعد فوق الأسوار
دون أن يجيب أحد.

59

كلوديا رأت الخرطوم أيضًا.
أو هكذا خُيل إليّ.
قالت:
الأندلس لا تخص الماضي.
إنها تحدث كل يوم
في أي مكان
تسقط فيه مدينة
ويظل أهلها يحلمون بها.

60

ومنذ تلك اللحظة
أصبحت الخرطوم غرناطة أخرى.
وأصبحت غرناطة
خرطومًا قديمة من الضوء.
وأصبحت كل مدينة مهددة
نسخة جديدة
من الفردوس المفقود.

61

في السوق القديم
كانت الوجوه تمر
مثل صفحات كتاب.
وجوه عربية،
وأمازيغية،
وإيبيرية،
وأخرى لا تعرف أسماءها.
لكن الجميع
كانوا أبناء حكاية واحدة.

62

رأيتُ التاريخ هناك
ليس كسلسلة انتصارات،
بل كنسيجٍ هش.
خيط عربي،
وخيط أمازيغي،
وخيط يهودي،
وخيط إسباني.
وحين انقطع خيط واحد
ارتجف الثوب كله.

63

قالت كلوديا:
الهويات تشبه الأنهار.
لا تبقى نقية أبدًا.
بل تزداد غنى
كلما اختلطت بغيرها.
ثم ابتسمت
كأنها تتحدث عن نفسها.

64

في عينيها
كانت أفريقيا تنظر إلى أوروبا.
وكان المغرب
يعانق الأندلس.
وكانت قرون كاملة
تتحاور بصمت
داخل نظرة واحدة.

65

وفي تلك النظرة
رأيتُ قوافل الأمازيغ
تعبر المضيق.
ورأيت البحارة،
والفقهاء،
والشعراء،
والفلاحين،
يبنون معًا
ذلك الحلم الكبير.

66

لكن الأحلام الكبرى
تخيف أصحابها أحيانًا.
فتبدأ الشقوق بالظهور.
ثم تتحول الشقوق إلى جدران.
ثم تتحول الجدران
إلى حدود وسيوف.

67

كان الليل كثيفًا.
وفي الساحة القديمة
سمعتُ أصوات ملوك الطوائف.
لم يكونوا رجالًا،
بل مرايا متكسرة.
كل مرآة تعكس جزءًا من الحقيقة،
ولا ترى الحقيقة كلها.

68

قالت المرايا:
لقد سقطنا
حين صار الجزء أهم من الكل.
وحين أحببنا العروش
أكثر من المدن.
وحين نسينا
أن الحضارات تحتاج إلى التواضع.

69

عندها هبت ريح باردة.
وحملت معها
أوراق خرائط ممزقة.
كانت الحدود تتحرك فوقها
كالثعابين.
وكانت الأوطان
تبدل أشكالها كل لحظة.

70

جمعت كلوديا إحدى الخرائط.
نظرت إليها طويلًا.
ثم مزقتها أكثر.
وقالت:
الوطن الحقيقي
ليس ما ترسمه الجيوش على الورق،
بل ما يبقى حيًا
في ذاكرة المنفيين.

71

في تلك الليلة
لم أنم.
كانت غرناطة تتحرك داخل رأسي
مثل مجرةٍ صغيرة من الرماد والضوء.
وكلما أغمضت عيني
رأيت أبواب الحمراء تنفتح
على أبواب أخرى
تقود إلى مدنٍ لم تُبنَ بعد.

72

وكانت كلوديا نائمة.
لكن وجهها
لم يكن وجه امرأة.
كان خريطةً قديمة
تتشابك فيها الأنهار والجبال
واللغات المنسية.
وكنت كلما اقتربت منها
أسمع وقع أقدام الموريسكيين.

73

رأيتهم يخرجون من الليل.
لا يحملون ذهبًا
ولا يحملون سلاحًا.
يحملون مفاتيح البيوت فقط.
ومصحفًا قديمًا.
وقليلاً من تراب الحدائق.
وكثيرًا من الدموع
التي لم تجد وقتًا للسقوط.

74

وكان البحر المتوسط
مستلقيًا بين القارتين
كأسدٍ أزرق جريح.
فوق ظهره
عبرت سفن المنفيين.
وعبرت أحلامهم.
وعبرت أسماء أطفالهم.
أما هو
فبقي يحرس الحزن بصمت.

75

في الفجر
استيقظت النوارس.
وأخذت تدور فوق المدينة.
لكنني رأيتها
تسحب وراءها
سلاسل طويلة من الذكريات.
كأن الطيور نفسها
تحولت إلى أرشيفٍ طائر.

76

قالت كلوديا:
بعض المدن لا تموت.
ثم أشارت إلى السماء.
كانت غيمة وحيدة
تعبر فوق غرناطة.
قالت:
انظر...
هذا كل ما تبقى من مملكة كاملة.
ذكرى تتحرك ببطء.

77

وحين صعدنا نحو الحمراء
شعرت أنني أصعد
داخل طبقات الزمن.
القرن الخامس عشر تحت قدمي.
والقرن الحادي والعشرون فوق رأسي.
وبينهما
كان قلبي معلقًا
كجسرٍ بين منفيين.

78

في إحدى الساحات
رأيت عائشة الحرة.
لم تكن ملكة.
كانت شجرة سرو.
واقفة منذ قرون.
تراقب الملوك يرحلون،
والجيوش تمر،
والأسوار تتبدل،
ولا تقول شيئًا.

79

اقتربت منها.
فسمعت بكاءً خافتًا
يخرج من الجذور.
وكان البكاء
يشبه صوت غرناطة
وهي تغادر نفسها
إلى المنفى.

80

كلوديا لم تسمع شيئًا.
أو ربما سمعت.
لكنها اكتفت بالنظر إلى الأفق.
وكان في عينيها
ذلك الحزن الموريسكي القديم
الذي لا يورثه الآباء للأبناء،
بل تورثه القرون للقرون.

81

في المساء
جلسنا قرب جدارٍ مطل على المدينة.
وكانت الأضواء تشتعل تدريجيًا.
فبدت غرناطة
ككوكبة نجوم سقطت على الأرض.
أما السماء
فبدت مدينة أخرى
أكثر قدمًا وأقل ضجيجًا.

82

قلت لكلوديا:
ربما كانت الأندلس حلمًا.
فابتسمت.
وقالت:
كل الحضارات الكبرى
تبدأ حلمًا.
ثم تتحول إلى حجر.
ثم تتحول إلى ذكرى.
ثم تعود حلمًا من جديد.

83

وعندها
تذكرت الخرطوم.
تذكرت الشوارع المحترقة.
والنوافذ الخالية.
والبيوت التي فقدت أصحابها.
ورأيت الأندلس
تخرج من بين الأنقاض السودانية
كما يخرج الطائر من الرماد.

84

كانت المدينتان تتداخلان.
الحمراء والكلاكلة.
قرطبة وأم درمان.
إشبيلية والخرطوم بحري.
حتى النيل
بدا وكأنه يريد
أن يتعلم لغة الوادي الكبير.

85

قالت كلوديا:
الأماكن تتشابه في أحزانها.
ثم أضافت:
والبشر أيضًا.
كان صوتها هادئًا
لكن العبارة
هزت داخلي
قرونًا كاملة من الأسئلة.

86

في تلك الليلة
رأيت ابن عربي مرة أخرى.
كان يسير فوق الماء.
لا يترك أثرًا.
ولا يحتاج إلى طريق.
وحين مر بالقرب مني
سمعته يقول:
كل المنفى رحلة نحو الداخل.

87

ثم اختفى.
لكن صوته بقي.
يتردد في الأزقة.
وفي النوافير.
وفي أوراق البرتقال.
حتى خُيل إليّ
أن غرناطة كلها
تردد العبارة نفسها.

88

كلوديا كانت تنظر إلى القمر.
أما أنا
فكنت أنظر إليها.
وكان القمر ينظر إلينا معًا.
ثلاثة غرباء
يجلسون على حافة قرنٍ منسي
ويتبادلون الصمت.

89

في السوق الليلي
اشترينا رمانة.
وحين فتحناها
لم نجد حبّاتٍ حمراء.
وجدنا مدنًا كاملة.
قصورًا.
ومساجد.
ومكتبات.
وأنهارًا.
ثم أغلقت الرمانة نفسها من جديد.

90

قالت كلوديا:
بعض الأسرار لا تحب الخروج.
ثم أخفت الرمانة في حقيبتها.
كأنها تخبئ
آخر نسخة من الأندلس
من أعين المؤرخين.

91

كانت الموسيقى تتصاعد
من زقاق بعيد.
عودٌ وناي.
ثم أصوات بشرية.
ثم شيء آخر
لا يشبه أي آلة.
كأن المدينة نفسها
بدأت تغني.

92

وفجأة
تحولت الشوارع إلى موشحة.
الأبواب قوافٍ.
والنوافذ أوزان.
والعابرون كلمات.
أما الليل
فكان الصفحة التي تُكتب عليها القصيدة.

93

عندها فهمت
لماذا لم تمت الأندلس.
لأنها انتقلت إلى الموسيقى.
إلى اللغة.
إلى الحنين.
إلى كل شيء
لا تستطيع الجيوش مصادرته.

94

وكانت كلوديا تغني بهدوء.
أغنية إسبانية قديمة
تختلط فيها العربية
بالقشتالية
وبشيءٍ من بكاء البحر.
فشعرت أن القرون
تذوب داخل اللحن.

95

في تلك اللحظة
لم تعد امرأة.
بل أصبحت جسرًا.
بين ضفتين.
بين زمنين.
بين شعبين.
وبين ذاكرتين
تحاولان التصالح.

96

رأيت خلفها
جميع النساء الأندلسيات.
ولادة بنت المستكفي.
وعائشة الحرة.
ونساء مجهولات
أخذ التاريخ أسماءهن
وأبقى عطرهن فقط.

97

وكان العطر
ينتشر فوق غرناطة.
كأنه صلاة نباتية.
تشارك فيها الحدائق.
والأنهار.
وأشجار البرتقال.
والنجوم البعيدة.

98

أما الزمن
فبدأ يفقد تماسكه.
لم أعد أعرف
هل أنا في القرن الحادي والعشرين؟
أم في نهاية القرن الخامس عشر؟
أم في مكان آخر
لا يخضع للتقويمات أصلًا؟

99

كل شيء صار ممكناً.
أن تتكلم الجدران.
أن تتذكر الأشجار.
أن تغني المياه.
أن تعود المدن من موتها.
وأن تصبح امرأة واحدة
وطنًا بأكمله.

100

وقبل أن يطلع الفجر
نظرت كلوديا إلى غرناطة.
ثم أمسكت يدي.
وقالت:
الأندلس ليست ما ضاع.
الأندلس هي ما يظل حيًا
بعد الضياع.
وعندها رأيت المدينة
تنهض من رمادها داخل القصيدة.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة