التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدور الفرنسي في اليمن:

 

مركز سوث24 للأخبار والدراسات

logo

    الرئيسية
    التحليلات
    التقارير
    دراسات وأبحاث
    مشاريع
    اصدارات المركز
    المزيد

التحليلات
الدور الفرنسي في اليمن: آفاق محدودة أم طموح استراتيجي

الرئيس الفرنسي يصافح رئيس مجلس القيادة الرئاسي خلال قمة المناخ بشرم الشيخ، نوفمبر 2022 (الصورة: السفارة الفرنسية)

14-11-2022 الساعة 12 مساءً بتوقيت عدن
language-symbol

سوث24 | فريدة أحمد

من المعروف أن السياسة الداخلية تؤثر على أولويات السياسة الخارجية لأي بلد، وفي الحالة الفرنسية كان لوجود "إيمانويل ماكرون" على سدة الحكم لولايتين متتاليتين تأثيراً لافتاً على الساحة الدولية، وتحديداً في الشرق الأوسط. إذ لم يفوّت الرئيس الفرنسي حدثاً أو مشهداً هناك إلّا وشارك فيه وانتقلت أصداء حضوره إلى الداخل الفرنسي الذي ساعده لاحقاً في صناديق الاقتراع. كانت العاصمة اللبنانية "بيروت" إحدى بواباته للبروز منذ انفجار مرفأها في أغسطس 2020، تلا ذلك قيامه بعدة زيارات ومبادرات في دول منطقة في الخليج منها العراق والسعودية والإمارات وقطر، بحثت معظم جولاته القضايا الاستراتيجية الأساسية في المنطقة، منها مكافحة الإرهاب، والتطرف، وأزمة لبنان، والانتخابات في ليبيا، والأزمة في اليمن والنووي الإيراني وغيرها[1]. بالنسبة لدول الخليج وعلى الرغم من المصالح التجارية المتبادلة والتقنيات المتقدمة التي تبيعها لهم فرنسا باستمرار، قد لا تبدو باريس حليفاً قوياً يمكن التعويل عليه في أمن دول المنطقة أو بناء توازنات استراتيجية جديدة، ذلك يعود لتراجع دور سياستها الخارجية خلال العقود الأخيرة، ومحاولة تركيزها على سياستها الداخلية بصورة أكبر، على الرغم من جهود "ماكرون" في استعادة صداها.


أما دول شمال أفريقيا، فالعلاقة ما بين الفتور أحياناً أو التوتر خصوصاً مع الجزائر، وتحديداً بعد قرار باريس بشأن تقليص منح التأشيرات للجزائريين، وتصريحات منسوبة للرئيس الفرنسي عن الماضي الاستعماري لبلاده في الجزائر[2]. فضلاً عن تواري التأثير الفرنسي ونموذجه الثقافي الذي كان طاغياً على معظم الدول الإفريقية بعد الاستعمار، واستبداله بخيارات بديلة أكثر رحابة مع ثورة المعلومات وانتشار التكنولوجيا، لا سيّما في ظل انشغال الفرنسيين بمواضيع الهوية والإسلام السياسي والتضييق على المهاجرين من دول المغرب وتونس والجزائر وغيرها. وعلى رغم محاولات "ماكرون" التصالح مع هذه الدول وإثبات مساعيه في حل كثير من إشكالياتها أو تنميتها، غير أن أفول نجمها بدا واضحاً حتى على مستوى اللغة. على سبيل المثال: أثارت دعوة إلى مقاطعة اللغة الفرنسية في تدريس المناهج في المغرب، واستخدام الإنجليزيةي التي يعتبرها البعض لغة العلوم والتكنولوجيا والأعمال، جدلاً واسعاً، بسبب مرور عقود على اعتماد اللغة الفرنسية في تدريس المواد العلمية في المرحلة الجامعية[3]، وهي دعوات تكررت في الجزائر وتونس بالمثل.


الحضور في اليمن


في مارس 2011، وفي ظل انشقاقات الجيش والقوى السياسية من نظام صالح وانضمامهم لما عُرفت بثورة التغيير في اليمن، كانت فرنسا أول دولة غربية دعت علناً الرئيس "صالح" للتنحي، قال حينها وزير الخارجية الفرنسي "آلان جوبيه" في اجتماع للاتحاد الاوروبي في بروكسل، "نقول هذا لليمن حيث تسوء الأوضاع، نرى اليوم أن رحيل الرئيس صالح بات أمراً لا مناص منه"[4]. كما دعمت باريس المبادرة الخليجية التي وقعت في نوفمبر 2011 من أجل عملية انتقال سياسية، بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، واعترفت بشرعية الرئيس "عبدربه منصور هادي" وحكومته آنذاك. فضلاً عن رعاية فرنسا بمعية الولايات المتحدة والمملكة المتحدة القرار 2216 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إبريل 2015، والداعي إلى استئناف الحوار والتوصل إلى حل شامل يتضمّن حظر توريد الأسلحة، وفرض الجزاءات الفردية على الحوثيين، واحترام حقوق الإنسان.[5]


تبدو المحطات الفرنسية في اليمن منذ اندلاع الأزمة اليمنية حاضرة، حتى على مستوى التزامها بمنح المساعدات الإنسانية لليمن، والتي وصلت في 2020 إلى قيمة 8.7 مليون يورو، عبر المنظمات الدولية المتمثلة في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وبرنامج الأغذية العالمي، والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، والمنظمات غير الحكومية لا سيما الجمعية الإنسانية الدولية "كير"[6].  وقبل ذلك في 2018، كانت باريس تعتزم إقامة مؤتمر يضم دولاً ومنظمات إنسانية تشارك السعودية في رئاسته، بهدف القيام بمبادرات إنسانية بشأن اليمن. غير أن السؤال الذي تبادر إلى أذهان كثير من الخبراء عن مدى مصداقية الدعوة لمؤتمر يمنح مساعدات وفي نفس الوقت تقوم نفس الدولة ببيع الأسلحة لدول تشارك في حرب اليمن. مع ذلك انخفض مستوى التمثيل في المؤتمر بسبب المعركة التي انطلقت باتجاه الحديدة بقيادة التحالف العربي حينذاك، والتي أوقفت بضغوطات دولية لاحقاً، بمبررات الحفاظ على المدنيين واستمرار وصول سفن الإغاثة والمساعدات الإنسانية إلى ميناء الحديدة.


عن شركة توتال


إن أكثر ما يربط فرنسا باليمن اقتصادياً، هو شركة "توتال" المتواجدة منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود كأكبر شركة استثمارية بقطاع النفط والغاز. كانت بدايات بحثها عن النفط عام 1987، واكتشفته بكميات تجارية في العام 1995، ثم باشرت بأعمال التنمية وبدأت الإنتاج الفعلي[7]. إذ تمتلك "توتال" سبع شركات عملاقة في إدارة محطة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في اليمن بتكلفة 4.5 مليار دولار على بحر العرب. وتمتلك حصة 28.6 بالمئة في المنطقة العاشرة من حقل المسيلة أكبر حقل نفطي في اليمن التي تبلغ طاقتها الإنتاجية 70 ألف برميل يوميا من النفط الخام.[8] غير أن أعمال الشركة توقفت منذ بدأ الصراع في اليمن عام 2015، وانسحبت مثل معظم الشركات النفطية المتواجدة هناك.


كانت أحد الجوانب المثيرة للاهتمام بشركة توتال في اليمن، هو الاتهامات بصفقات الفساد التي أبرمها الرئيس الأسبق "صالح" معها، حيث اتهمته حكومة "باسندوه" في 2014 حينذاك بـ"الفساد" بشأن اتفاقية بيع الغاز المسال لشركة توتال الفرنسية وشركة كوغاز الكورية، وهددت باللجوء إلى القضاء المحلي والدولي لمقاضاة المتورطين.[9] وكان فريق الحكم الرشيد في الحوار الوطني في 2013، قد قدّم دعوى قضائية للنائب العام ضد شركة توتال الفرنسية وشركائها، لاستهدافها كمية إضافية لمشروع الغاز قدرها تريليونا قدم مكعب بقيمة 24 مليار دولار، وكذلك التزوير لأرقام الاحتياطيات في محرراتها الرسمية.[10]


يشرح الصحفي  والمؤلف الفرنسي "رومين مولينا"، لمركز سوث24، عن مشاركة "توتال" في العديد من صفقات الفساد ليس فقط في اليمن ولكن في أجزاء مختلفة من العالم وهذا ليس سراً، حد قوله، فكل ما يهم توتال هو "الربح المالي مهما كان وبأي وسيلة ضرورية". ويضيف بأنهم "ساعدوا في دعم الهيئات العسكرية الفاسدة في الجيش اليمني في عهد الرئيس الأسبق "علي عبدالله صالح"، من خلال دفع مبالغ طائلة لها بحجة الحماية والأمن، والسماح بدفع رشاوى للمسؤولين اليمنيين حسب بعض مصادرنا". ويذكر "رومين"، بأنهم حصلوا على وثائق تظهر أن 20٪ من النفط والغاز كانت ترد لـ "صالح" في فرنسا. ويطرح تساؤلات عما إذا كان بالإمكان مناقشة التهديدات التي وجهها بعض مديري شركة توتال إلى الصحفي الاستقصائي الراحل "محمد العبسي"، كما يمكن التحدث أيضاً عن أعمالهم مع بعض القلة اليمنية مثل "شاهر عبد الحق" الذي عمل كوسيط لشركة توتال في شرق إفريقيا.[11]


من الواضح أن الحرب الروسية الأوكرانية حفّزت شركة توتال لاستئناف إنتاج الغاز المسال وتصديره من قطاع 18 في منطقة صافر النفطية شمال محافظة مأرب بعد توقف دام لأكثر من سبع سنوات. لا سيما بعد إيقاف الضخ الروسي للغاز نحو أوروبا. وهو الأمر المماثل في محافظة شبوة جنوب اليمن، إذ كشف رئيس المجلس الرئاسي، رشاد العليمي، عن محادثات مع الحكومة الفرنسية بخصوص إعادة تصدير الغاز من منشأة بلحاف بشبوة. وقال العليمي في ندوة مع السفير الأمريكي السابق لليمن: "شركة توتال تشترط أن يكون هناك اتفاق حول القضايا الأمنية خشية ضرب المنشأة بصواريخ باليستية.[12]" إذ يعزز هذا ما يمكن وصفه بأن باريس تريد استعادة حجم نفوذها الاقتصادي في اليمن من جديد، خاصة بعد تراجع دورها في إفريقيا بسبب وجود منافسين آخرين مثل الصين وروسيا وتركيا وغيرها، وفي ظل حاجة أوروبا لمصادر طاقة بديلة تعوّضها النقص الذي حرمتها منه موسكو.  


طرف في الحرب


في 2019، أظهرت معلومات استخبارية مسرّبة نشرها موقع "ديسكلوز" الاستقصائي، أن أسلحة فرنسية من بينها دبابات وأنظمة صواريخ موجهة بالليزر بيعت للسعودية والإمارات، واستخدمت في حرب اليمن ضد المدنيين[13]. كان التقرير محرجاً بالنسبة للرئيس الفرنسي "ماكرون" وحكومته، التي قالت أنه على حد علمها بأن الأسلحة الفرنسية الصنع المباعة للسعودية استخدمت لأغراض دفاعية فقط على الحدود وليس على خط المواجهة. غير ذلك، فالحكومة الفرنسية لم تشكك في صحة الوثائق أو تنفيها حينذاك.


لاحقاً، حفزّت الاتهامات الموجهة بعض الجهات الإعلامية منها مجلة "أوريان21" الفرنسية[14]، باستمرار التحقيق والتقصّي بشأن مسألة الأسلحة، والكشف عن مدى الفائدة التي جنتها الشركات الفرنسية الكبيرة من الحرب في اليمن بدعم من الدولة الفرنسية، منها ثلاث شركات كبرى على رأسها مجموعة "تاليس" التي تزّود الطائرات المقاتلة وتسلم الذخيرة، وشركة تصنيع الصواريخ الفرنسية البريطانية MBDA، وشركة داسو للطيران، التي تقوم بصيانة طائرات ميراج 2000 وأبرمت عقوداً مع الإمارات[15]. وعلى الرغم من التقارير السنوية التي تقدمها الحكومة للبرلمان حول مدى أهمية التجارة مع بعض دول الشرق الأوسط، إلا أنّ البرلمان مازالت لديه شكوكه في ظل رفض الحكومة الفرنسية الكشف عن تفاصيل الأسلحة التي تم تسليمها بالفعل لكل دولة أجنبية.


مرة أخرى يؤكد الصحفي الفرنسي "رومين"، بأن "الحكومة الفرنسية لا تهتم حقاً بما إذا كانت تبيع الأسلحة للتحالف أو أي حزب آخر طالما كان ذلك مفيدًا للحكومة، وربما لن يتوقفوا بسبب العلاقات الجيدة التي تربطهم بدول التحالف". ويضيف، بأن "ليس لدى الجمهور في فرنسا مصلحة في الشأن اليمني، لأنه لا يعرف إلا القليل عن النزاع المسلح في اليمن وتورّط الحكومة الفرنسية، لذلك لا يوجد ضغط حقيقي على الحكومة".


زيارات ومحاذير


كانت زيارة السفير الفرنسي لدى اليمن "جان ماري" في سبتمبر الماضي لمحافظة حضرموت الغنية بالنفط والغاز، ملفتة. إذ بدت مخاوف الفرنسيين واضحة فيما إذا كانت هناك بوادر تفقدهم مصالحهم المتعلقة بالغاز وشركة توتال المسيطرة عليه في اليمن، لا سيّما اتفاقية الغاز المسال في منشأة ‎بلحاف، والتي تستحوذ شركة توتال الفرنسية على 39% من حصتها.


من المهم القول، أن سياسة فرنسا تأثّرت في اليمن بإرادة توتال، وفقاً لـ "رومين"، فقد حاول وزير الخارجية الفرنسي السابق، "آلان جوبيه"، التحدث إلى "علي عبد الله صالح" نيابة عن شركة توتال لتقليل تكاليف الجيش التي يتعين عليهم دفعها. لذا، فباريس قلقة جداً على مصادر الغاز، وهو ما يمكن ملاحظته من زيارة السفير "ماري" الذي عقد اجتماعات عديدة الشهرين الماضيين مع عدد من المسؤولين المحليين. ويضيف "رومين"، أن عودة فرنسا ستكون من خلال تمويل مشروع في المكلا، وهو ما يمكن قوله سياسياً "أننا بحاجة إلى غاز، وتوتال لا تزال المساهم الرئيسي في الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال."


لم تكن الزيارة الفرنسية لحضرموت هي الوحيدة، بل نافستها زيارات أمريكية أخرى ازدادت وتيرتها الآونة الأخيرة، كان آخرها زيارة السفير الأمريكي لدى اليمن "ستيفن فايغن"، التي جاءت بعد أن استهدف الحوثيون ميناء الضبة بحضرموت وأعلنوا مسؤوليتهم عنه[16]. وحسب بيان السلطة المحلية فإن السفير الأمريكي أوضح أن الزيارة أتت بهدف بحث تعزيز التعاون لدعم الأمن ومكافحة الإرهاب وجوانب التنمية والخدمات في المحافظة.[17] بطبيعة الحال، لم تكن الزيارة الأولى للسفير الأمريكي فقد سبقها عدة زيارات، وقبلها بأيام زار وفد عسكري أمريكي حضرموت، قيل أنها "لبحث قضايا أمنية تتعلق بمكافحة الإرهاب". المثير للأمر أن معظم الزيارات لم يتم التنسيق لها مع المجلس الرئاسي أو المجلس الانتقالي الجنوبي، والأخير هو القوة الأكثر حضورا في جنوب اليمن، الأمر الذي أثار نوعاً من الاستهجان على المستوى السياسي والإعلامي رأى أن تكرار عدم التنسيق مع الأطراف القوية في الجنوب يُضعف من موقف الحكومة اليمنية، حتى وإن برره البعض بأنه يندرج ضمن وضع اليمن تحت البند السابع.


علاقة السفير الفرنسي الحالي لدى اليمن مع المجلس الانتقالي الجنوبي ليست جيدة، "لأسباب شخصية"، وفق معلومات تحصّل عليها "مركز سوث24". ولذلك تدفع فرنسا والولايات المتحدة إلى التعاطي بصورة انفرادية مع الأوضاع في حضرموت والمهرة. اللافت في الأمر، أنّ هذه الزيارات أتت متزامنة مع دعوات قادتها شخصيات مقرّبة من حزب الإصلاح اليمني، كعضو مجلس الشورى، صلاح باتيس، تدعو للتعاطي مع شؤون حضرموت بصورة مستقلة عن عدن. وقد أثنى القيادي الإصلاحي باتيس على زيارة فاغن إلى المكلا. على ما يبدو أنّ من شأن إثارة هذه الدعوات أن يعزز الحضور الأمريكي والفرنسي بمعزل عن إرادة الأطراف القوية في جنوب اليمن بما فيهم المجلس الرئاسي نفسه. في الواقع، يكافح المجلس الانتقالي في حضرموت لإخراج القوات المقربة من حزب الإصلاح الإسلامي من حقول النفط بوادي حضرموت. لا تزال الاحتجاجات القبلية والشعبية الرافضة لهذه القوات مستمرة منذ أشهر. لكن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يبدو أنّه أخذ أبعاد هذه الزيارات الغربية الخفية بمحمل الجد، إذ لم يظهر أي موقف علني له حتى الآن.


من شأنّ هذا التعاطي الغربي مع ملف جنوب اليمن من زاوية استغلال التباينات المحلية، وفي ضوء ضعف وتبعية مواقف الحكومة اليمنية، أنّ يعقّد جهود المجلس الانتقالي الجنوبي لترتيب الصف في جنوب اليمن ومقاربة المواقف المحلية نحو السلام المنشود في البلاد، ويزيد من تعقيد الصراع هناك ويمنح مليشيات الحوثيين مبررات لمضاعفة تهديداتهم واستمرار ابتزازهم.


من زاوية اقتصادية، أرادت الزيارات الغربية المتكررة لحضرموت، أيضا، توجيه رسائل تطمينية للسفن والشركات النفطية في أنّ تواجد الحضور الأجنبي في المنطقة من شأنه ضمان منع أي تهديدات قد تتعرض لها المنشآت النفطية شرقي جنوب اليمن، على الرغم أنّ الحوثيين هاجموا بالفعل ثلاث موانئ رئيسية في محافظتي حضرموت وشبوة بالطائرات المسيّرة في أقل من أسبوعين، ومنذ انتهاء الهدنة اليمنية في 2 أكتوبر الماضي. وهي الهجمات التي دانها البَلَدان واعتبراها "إرهابية"، في بيان مشترك ضم المملكة المتحدة أيضا[18].


هذا بالمحصّلة يقودنا لفهم أن المصالح الغربية في هاتين المحافظتين الغنية بالنفط والغاز في جنوب اليمن، هدفه، هو تأمين احتياجات الغرب من الطاقة وتعويض النقص الذي تواجهه جرّاء الحرب الروسية الأوكرانية من خلال تواجدها في أكثر من مكان في القرن الأفريقي وسواحل بحر العرب. إذ تبدو مثل هذه المقاربات مناسبة في الوقت الحالي لحفظ مصالح الدول الغربية في اليمن، وهو ما تسعى إليه فرنسا في كل الأحوال.

فريدة أحمد

المدير التنفيذي لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

الكلمات المفتاحية:



السابق:
تصنيف الحوثيين «منظمة إرهابية»: قرار نظري أم واقع عملي؟

التالي:
قراءة في الضربات الأمريكية الأخيرة ضد الحوثيين
شارك
اشترك في القائمة البريدية
البريد الإلكتروني:
الأكثر قراءة

قبل 3 أشهر
التقرير السنوي الشامل لعام 2024: من البر إلى البحر.. اليمن تحت نيران الأزمات المتشابكة

قبل 3 أشهر
مشاكل المجلس الرئاسي المستعصية تفرض استقلال جنوب اليمن

قبل شهرين
المسارات المحتملة للأزمة اليمنية في 2025

قبل شهرين
شراكة المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية: هل وصلت نهاية الطريق؟

قبل شهرين
أبعاد وتداعيات تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية

قبل شهرين
الصمود في مواجهة المجهول: فرص وتحديات التنمية الاقتصادية في اليمن

قبل شهرين
حضرموت: صراع الجغرافيا والثروة وسط تعقيدات المشهد السياسي

قبل شهرين
هل ينقلب السحر على الساحر؟: الحوثيون بين مكاسب غزة المؤقتة ومخاوف المستقبل

قبل 3 أشهر
حصاد الأسبوع: الرئاسي يفشل في الرياض وسط تصعيد حوثي إسرائيلي

قبل شهرين
اختفاء وإعدام.. ماذا تقول «خلية البيضاء» عن الانقسامات داخل تنظيم القاعدة
اقرأ أيضا

قبل 19 ساعة
قراءة في الضربات الأمريكية الأخيرة ضد الحوثيين

قبل 14 يوم
تجميد مساعدات مكافحة الإرهاب: كيف يؤثر قرار ترامب على الأمن العالمي؟

قبل 17 يوم
قضية الجنوب وسياسات التأجيل الأبدي لحلها

مركز سوث24 للأخبار والدراسات

مكتب عدن

المكتب الرئيسي

سويسرا

southarbia24@gmail.com

south24.net

جميع الحقوق محفوظة لمركز سوث24 للأخبار والدراسات © 2019-2025 | سياسة الخصوصية | إعدادات الكوكيز

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) لتحسين تجربتك. هل توافق على استخدام الكوكيز التحليلية؟


اقرأ المزيد: 

 

اليمن في الذاكرة الفرنسية

اليمن في الذاكرة الفرنسية

  ‬‮«‬العربية‭ ‬السعيدة‮»‬‭ ‬اسم‭ ‬أطلقه‭ ‬اليونان‭ ‬والرومان‭ ‬على‭ ‬بلاد‭ ‬جنوب‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬واستمر‭ ‬متداولاً‭ ‬حتى‭ ‬مطلع‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬حيث‭ ‬نجد‭ ‬الرحالة‭ ‬الإيطالي‭ ‬لودوفيكو‭ ‬فارتيما‭ (‬1470‭ ‬‭ ‬1517‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬زار‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬يخصص‭ ‬فصلين‭ ‬ضمن‭ ‬رحلاته؛‭ ‬الأول‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬بلاد‭ ‬العرب‭ ‬الصحراوية‮»‬،‭ ‬والثاني‭ ‬‮«‬بلاد‭ ‬العربية‭ ‬السعيدة‮»‬‭.‬

كان‭ ‬للإشارات‭ ‬والحكايات‭ ‬التي‭ ‬تضمنها‭ ‬العهد‭ ‬القديم‭ ‬والمصادر‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬عن‭ ‬العربية‭ ‬السعيدة‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬النظر‭ ‬إليها،‭ ‬بوصفها‭ ‬مكانًا‭ ‬سحريًا‭ ‬وعجيبًا‭ ‬يثير‭ ‬خيال‭ ‬القراء‭ ‬والمستمعين‭ ‬حتى‭ ‬بدايات‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

وترجع‭ ‬أقدم‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬إلى‭ ‬المؤرخ‭ ‬اليوناني‭ ‬هيرودوت‭ ‬عند‭ ‬محاولته‭ ‬التعريف‭ ‬بهذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الغنية‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬الطيوب‭ ‬واللبان‭ ‬وتجارة‭ ‬التوابل،‭ ‬فعدّها‭ ‬آخر‭ ‬الأراضي‭ ‬المأهولة،‭ ‬وقدّم‭ ‬وصفًا‭ ‬لحيواناتها‭ ‬وأشجارها‭ ‬وعمليات‭ ‬استخراج‭ ‬الطيوب‭ ‬منها،‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬صيغة‭ ‬عجائبية‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الأسطورة‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الواقع؛‭ ‬فهو‭ ‬يذكر،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬أن‭ ‬أشجار‭ ‬البخور‭ ‬تحرسها‭ ‬ثعابين‭ ‬صغيرة‭ ‬مجنّحة‭ ‬ذات‭ ‬ألوان‭ ‬زاهية،‭ ‬ويتم‭ ‬إبعادها‭ ‬عند‭ ‬استخراج‭ ‬البخور‭ ‬بواسطة‭ ‬الدخان‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬حرق‭ ‬صمغ‭ ‬الاصطرك‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحكايات‭ ‬الغامضة‭ ‬ولّدت‭ ‬لدى‭ ‬المؤرخين‭ ‬اللاحقين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬تتبّع‭ ‬المعلومات‭ ‬وجمعها‭ ‬لتكوين‭ ‬صورة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬بلاد‭ ‬جنوب‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فحتى‭ ‬بُعيد‭ ‬النهضة‭ ‬الأوربية‭ ‬وحركة‭ ‬الكشوف‭ ‬الجغرافية‭ ‬كان‭ ‬اليمن‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بلدًا‭ ‬مجهولاً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أوربا،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوافر‭ ‬معرفة‭ ‬دقيقة‭ ‬بطبيعتها‭ ‬الجغرافية‭ ‬والإثنوغرافية‭ ‬سوى‭ ‬المعلومات‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬المصادر‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعرف‭ ‬مدى‭ ‬صحتها؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬العلماء‭ ‬آنذاك‭ ‬لإرسال‭ ‬المستكشفين‭ ‬للتحقق‭ ‬منها،‭ ‬وتقديم‭ ‬دراسة‭ ‬دقيقة‭ ‬لبلاد‭ ‬جنوب‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كانت‭ ‬الحكومات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬أرشيف‭ ‬معرفي‭ ‬حديث‭ ‬بالعالم‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬استعدادها‭ ‬لمواجهته‭.‬

وتعدّ‭ ‬البعثة‭ ‬الدنماركية‭ (‬1761‭ - ‬1767‭) ‬بقيادة‭ ‬الألماني‭ ‬كارستن‭ ‬نيبور‭ ‬أول‭ ‬بعثة‭ ‬علمية‭ ‬إلى‭ ‬اليمن،‭ ‬غير‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أول‭ ‬اتصال‭ ‬للأوربيين‭ ‬باليمن،‭ ‬فقد‭ ‬سبقتها‭ ‬رحلات‭ ‬وحملات‭ ‬عسكرية‭ ‬وتجارية،‭ ‬بدءًا‭ ‬بمحاولة‭ ‬البرتغاليين‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬اليمنية‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬ومرورًا‭ ‬بمجيء‭ ‬الهولنديين‭ ‬والإنجليز‭ ‬والفرنسيين‭ ‬وتأسيس‭ ‬وكالات‭ ‬تجارية‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الشِّحْر‭ ‬والمخا‭ ‬وبيت‭ ‬الفقيه،‭ ‬وانتهاء‭ ‬باحتلال‭ ‬الإنجليز‭ ‬لعدن‭ ‬عام‭ ‬1839‭.‬

 

البن‭ ‬اليمني

تزامن‭ ‬هذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬الأوربي‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬البن‭ ‬اليمني‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر،‭ ‬وانتشار‭ ‬استخدامه‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬العالم،‭ ‬وتحوله‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬تجارية‭ ‬فتحت‭ ‬شهية‭ ‬الدول‭ ‬والشركات‭ ‬الاستعمارية‭ ‬للتحكم‭ ‬بهذه‭ ‬التجارة،‭ ‬نظرًا‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬تدره‭ ‬من‭ ‬فائض‭ ‬ربحي‭ ‬مهم‭ ‬يضارع‭ ‬الأهمية‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬كعنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬الاقتصاد‭.‬

وبفضل‭ ‬حبوب‭ ‬البن‭ ‬تحولت‭ ‬مدينة‭ ‬المخا‭ ‬اليمنية‭ ‬إلى‭ ‬قبلة‭ ‬للشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬ومحطة‭ ‬يتزود‭ ‬منها‭ ‬العالم‭ ‬بما‭ ‬يحتاج‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬البن،‭ ‬وكما‭ ‬تذكر‭ ‬الباحثة‭ ‬الأمريكية‭ ‬جين‭ ‬هاثواي،‭ ‬‮«‬بحلول‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬انتشرت‭ ‬القهوة‭ ‬انتشارًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬لدرجة‭ ‬أنها‭ ‬جعلت‭ ‬اليمن‭ ‬بلدًا‭ ‬مشهورًا‭ ‬كالشهرة‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بها‭ ‬ولاية‭ ‬واشنطن‭ ‬اليوم؛‭ ‬فالقهوة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‮»‬‭. ‬

ضمن‭ ‬مدى‭ ‬هذين‭ ‬البعدين؛‭ ‬العلمي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬يدور‭ ‬كتاب‭ ‬د‭. ‬حميد‭ ‬عمر‭ ‬‮«‬اليمن‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفرنسية‮»‬‭ (‬مكتبة‭ ‬الآداب،‭ ‬القاهرة،‭ ‬2017‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬عاد‭ ‬مؤلفه‭ ‬إلى‭ ‬الأرشيف‭ ‬الفرنسي‭ ‬مترجمًا،‭ ‬وقدَّم‭ ‬جانبًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬وثائق‭ ‬التاريخ‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬اليمن‭ ‬وفرنسا،‭ ‬تضمن‭ ‬الكتاب‭ ‬ستة‭ ‬أبواب‭ ‬تناولت‭ ‬ستة‭ ‬محاور‭: ‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬الأولى،‭ ‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬الثانية،‭ ‬العدوان‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬المخا،‭ ‬قضية‭ ‬منطقة‭ ‬الشيخ‭ ‬سعيد،‭ ‬الفنارات‭ ‬البحرية،‭ ‬تقارير‭ ‬الرحالة‭ ‬الفرنسيين‭.‬

 

الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية

  ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬كانت‭ ‬القهوة‭ ‬اليمنية‭ ‬قد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬مصر‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحجاز،‭ ‬ثم‭ ‬انتقلت‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬سورية‭ ‬وإسطنبول،‭ ‬ومن‭ ‬هناك‭ ‬عرفت‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬إيطاليا‭ ‬وبقية‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية‭. ‬وكان‭ ‬الفرنسيون‭ ‬يحصلون‭ ‬عليها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الإنجليز‭ ‬والهولنديين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يجنون‭ ‬أرباحًا‭ ‬طائلة‭ ‬من‭ ‬تجارتها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬الفرنسيين‭ ‬إلى‭ ‬الاتصال‭ ‬بالمصدر‭ ‬مباشرة،‭ ‬فقامت‭ ‬شركة‭ ‬الهند‭ ‬الشرقية‭ ‬الفرنسية‭ ‬بإرسال‭ ‬حملة‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬سفينتين‭ ‬حربيتين‭ ‬انطلقت‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬1708‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬المخا‭ ‬في‭ ‬الثالث‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬1709‭. ‬

وبمجرد‭ ‬وصول‭ ‬الفرنسيين‭ ‬شرعوا‭ ‬في‭ ‬إجراء‭ ‬مفاوضات‭ ‬مع‭ ‬حاكم‭ ‬مدينة‭ ‬المخا‭ ‬دامت‭ ‬أسبوعًا،‭ ‬وأسفرت‭ ‬عن‭ ‬إبرام‭ ‬اتفاق‭ ‬ينظم‭ ‬العلاقة‭ ‬التجارية‭ ‬بينهما،‭ ‬حصل‭ ‬الفرنسيون‭ ‬بموجبه‭ ‬على‭ ‬تسهيلات‭ ‬وامتيازات‭ ‬وإعفاء‭ ‬من‭ ‬الجمارك‭ ‬لذلك‭ ‬العام‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬الحفاوة‭ ‬وإبداء‭ ‬حُسن‭ ‬النية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬وكالتين‭ ‬تجاريتين‭ ‬في‭ ‬المخا‭ ‬وبيت‭ ‬الفقيه‭ ‬لشراء‭ ‬البن‭ ‬ونقله‭. ‬

ويعتمد‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬البابين،‭ ‬الأول‭ ‬والثاني،‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬البحرية‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وفي‭ ‬الأول‭ ‬منهما‭ ‬يركّز‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭ ‬على‭ ‬يوميات‭ ‬القبطان‭ ‬دولا‭ ‬ميرفاي،‭ ‬أحد‭ ‬قائدي‭ ‬الحملة،‭ ‬التي‭ ‬تضمنت‭ ‬مشاهداته‭ ‬وانطباعاته‭ ‬ومسار‭ ‬المفاوضات،‭ ‬ووصف‭ ‬المدن‭ ‬والجزر‭ ‬اليمنية‭ ‬التي‭ ‬مروا‭ ‬بها،‭ ‬وحظيت‭ ‬مدينة‭ ‬المخا‭ ‬باهتمام‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التعريف‭ ‬بجغرافيتها‭ ‬ومبانيها‭ ‬وتكوينها‭ ‬الديمغرافي،‭ ‬ومنها‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬الانضباط‭ ‬التي‭ ‬تسود‭ ‬المدينة‭ ‬ودقة‭ ‬نظامها،‭ ‬ليس‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإدارة‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬فيما‭ ‬يتصل‭ ‬بالحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للسكان‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬وتطبيق‭ ‬القانون،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬تلخصه‭ ‬عبارة‭ ‬ميرفاي‭ ‬الموجزة‭: ‬‮«‬في‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬مجال‭ ‬لإشاعة‭ ‬الفوضى‭ ‬وإقلاق‭ ‬السكينة‭ ‬العامة‮»‬‭ (‬اليمن‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفرنسية،‭ ‬ص30‭). ‬وقد‭ ‬حققت‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ - ‬وفق‭ ‬تسمية‭ ‬الوثائق‭ ‬وترجمة‭ ‬المؤلف‭ - ‬أرباحًا‭ ‬وفيرة‭ ‬للفرنسيين‭ ‬أغرتهم‭ ‬بإرسال‭ ‬حملة‭ ‬أخرى‭ ‬عام‭ ‬1711،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الفرنسيون‭ ‬في‭ ‬حملتهم‭ ‬الأولى‭ ‬لم‭ ‬يذهبوا‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬مدينتي‭ ‬المخا‭ ‬وبيت‭ ‬الفقيه،‭ ‬فقد‭ ‬وصلوا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬إلى‭ ‬مقر‭ ‬إقامة‭ ‬حاكم‭ ‬اليمن،‭ ‬الإمام‭ ‬المهدي،‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬المواهب‭ ‬شرق‭ ‬مدينة‭ ‬ذمار،‭ ‬مرورًا‭ ‬بمدن‭ ‬تعز‭ ‬وجبلة‭ ‬وإب‭ ‬وذمار،‭ ‬استجابة‭ ‬لدعوة‭ ‬وجهها‭ ‬وزير‭ ‬الإمام،‭ ‬طالبًا‭ ‬منهم‭ ‬اصطحاب‭ ‬طبيب‭ ‬الحملة‭ ‬لمداواة‭ ‬الإمام‭ ‬من‭ ‬عارض‭ ‬مرضي‭. ‬

وقد‭ ‬تضمنت‭ ‬تقارير‭ ‬الحملة‭ ‬الثانية‭ ‬وصفًا‭ ‬للمناطق‭ ‬التي‭ ‬مر‭ ‬بها‭ ‬الفريق،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬منطقة‭ ‬المواهب‭ ‬وطبيعة‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬يحياها‭ ‬حاكم‭ ‬اليمن‭ ‬فيما‭ ‬يتصل‭ ‬بالحكم‭ ‬وممارسة‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭.‬

 

العدوان‭ ‬الفرنسي‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬المخا

صيغت‭ ‬بنود‭ ‬المعاهدة‭ ‬بين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬وحاكم‭ ‬المخا‭ ‬بشكل‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الدقة‭ ‬والتحديد،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬مجحفة‭ ‬بحق‭ ‬اليمنيين،‭ ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬الفرنسيون‭ ‬2.25‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬جمارك‭ ‬على‭ ‬بضائعهم،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬رعايا‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬يدفعون‭ ‬نسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬5‭ ‬و10‭ ‬في‭ ‬المئة‭.‬

وبطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬فقد‭ ‬أغرق‭ ‬الفرنسيون‭ ‬المدينة‭ ‬بالبضائع،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الركود،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬دبّ‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الوكالة‭ ‬الفرنسية‭ ‬وحاكم‭ ‬المخا‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬الاتفاقية،‭ ‬فالحاكم‭ ‬رأى‭ ‬أن‭ ‬النسبة‭ ‬المتفق‭ ‬عليها‭ ‬خاصة‭ ‬بالبضائع‭ ‬الفرنسية‭ ‬فقط،‭ ‬ولا‭ ‬تشمل‭ ‬البضائع‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬المستعمرات‭ ‬الفرنسية،‭ ‬وفَرَضَ‭ ‬زيادةً‭ ‬على‭ ‬بضائع‭ ‬المستعمرات،‭ ‬فأوغر‭ ‬بذلك‭ ‬صدور‭ ‬الفرنسيين‭.‬

وهنا‭ ‬لجأت‭ ‬الشركة‭ ‬الفرنسية‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬وراحت‭ ‬تعد‭ ‬لحملةٍ‭ ‬عسكرية‭ ‬تعيد‭ ‬الأمور‭ ‬إلى‭ ‬نصابها،‭ ‬فجهزت‭ ‬أسطولاً‭ ‬مكونًا‭ ‬من‭ ‬أربع‭ ‬سفن‭ ‬و290‭ ‬جنديًا‭ ‬بقيادة‭ ‬القبطان‭ ‬دولاجارد‭ ‬جازييه،‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬شواطئ‭ ‬المخا‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬يناير‭ ‬1737،‭ ‬وكانت‭ ‬السفن‭ ‬محملة‭ ‬بالبضائع‭ ‬أيضًا،‭ ‬لأن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬الحملة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬عملاً‭ ‬عسكريًّا‭ ‬بحتًا،‭ ‬وإنما‭ ‬كان‭ ‬عملاً‭ ‬خفيفًا‭ ‬يعمد‭ ‬إلى‭ ‬استعراض‭ ‬القوة‭ ‬والتخويف،‭ ‬فقد‭ ‬أعطيت‭ ‬الأوامر‭ ‬لقائد‭ ‬الحملة‭ ‬بتجنب‭ ‬ضرب‭ ‬المدينة‭ ‬وتخريبها،‭ ‬فالغاية‭ ‬هي‭ ‬استعادة‭ ‬الامتيازات‭ ‬وفرض‭ ‬شروط‭ ‬جديدة‭ ‬تحفظ‭ ‬لفرنسا‭ ‬مكانتها‭ ‬كقوة‭ ‬امبراطورية‭ ‬واقتصادية‭. ‬

وكان‭ ‬للفرنسيين‭ ‬ما‭ ‬أرادوا،‭ ‬بعد‭ ‬مواجهات‭ ‬سيطروا‭ ‬خلالها‭ ‬على‭ ‬القلعة‭ ‬الجنوبية‭ ‬للمدينة،‭ ‬بخسارة‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬جنودهم،‭ ‬بينما‭ ‬قاربت‭ ‬خسائر‭ ‬اليمنيين‭ ‬على‭ ‬الثمانين‭ ‬جنديًا،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬المصابين،‭ ‬واستعاد‭ ‬الفرنسيون‭ ‬ما‭ ‬أُخذ‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬ضريبة،‭ ‬وفرضوا‭ ‬اتفاقية‭ ‬جديدة‭ ‬أكثر‭ ‬إجحافًا‭ ‬من‭ ‬الأولى‭.‬

وأورد‭ ‬المؤلف‭ ‬ترجمة‭ ‬كاملة‭ ‬للاتفاقية‭ ‬والرسائل‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬قائد‭ ‬الحملة‭ ‬ومسؤولي‭ ‬المدينة،‭ ‬اشتملت‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬وتفاصيل‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬المواجهة‭ ‬وسير‭ ‬المعركة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭. ‬ومما‭ ‬تضمنه‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬أيضًا‭ ‬ترجمة‭ ‬رسالة‭ ‬القبطان‭ ‬جازييه‭ ‬إلى‭ ‬الأسقف‭ ‬ديفونتين،‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬مذكراته،‭ ‬وهي‭ ‬رسالة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬تناقض‭ ‬دال‭ ‬بين‭ ‬رؤية‭ ‬القبطان‭ ‬لهذا‭ ‬الشعب‭ ‬العربي‭ ‬وموقفه‭ ‬الفعلي‭ ‬منه‭ ‬كقائد‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬هيمنة‭ ‬الشركة‭ ‬الفرنسية‭ ‬وتحقيق‭ ‬أطماعها‭ ‬ومصالحها‭. ‬

وقد‭ ‬عبَّر‭ ‬جازييه‭ ‬في‭ ‬رسالته‭ ‬عن‭ ‬دهشته‭ ‬وإعجابه‭ ‬بمستوى‭ ‬الدقة‭ ‬التي‭ ‬بدت‭ ‬عليها‭ ‬السجلات‭ ‬التجارية‭ ‬لمدينة‭ ‬المخا‭ ‬عندما‭ ‬أُعيدت‭ ‬الزيادة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬حاكم‭ ‬المدينة‭ ‬قد‭ ‬فرضها‭ ‬على‭ ‬الوكالة‭ ‬الفرنسية‭. ‬ويصف‭ ‬جازييه‭ ‬اليمنيين‭ ‬بالنبل‭ ‬والصدق،‭ ‬مثنيًا‭ ‬على‭ ‬تعاونهم‭ ‬وعدم‭ ‬استغلالهم‭ ‬للموقف‭ ‬والتراجع‭ ‬عن‭ ‬المعاهدة‭ ‬الجديدة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اتضح‭ ‬لهم‭ ‬وهن‭ ‬الفرنسيين‭ ‬وضعفهم‭ ‬ووجود‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬جندي‭ ‬فرنسي‭ ‬تحت‭ ‬قبضتهم‭ ‬في‭ ‬منازل‭ ‬استأجروها‭ ‬للعلاج‭ ‬والتعافي،‭ ‬بعد‭ ‬انتشار‭ ‬الأمراض‭ ‬المعدية‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬السفن‭.‬

يقول‭ ‬جازييه‭: ‬‮«‬باستثناء‭ ‬بعض‭ ‬الغوغائيين‭ ‬الذي‭ ‬يتصفون‭ ‬بالفجاجة‭ ‬والوحشية،‭ ‬يتسم‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬النبل‭ ‬والصدق‭ ‬وبما‭ ‬ينافي‭ ‬إضفاءنا‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬صفة‭ ‬‮«‬العربي‮»‬‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬اللئيم،‭ ‬الفج،‭ ‬القاسي،‭ ‬الظالم‮»‬‭ (‬ص‭ ‬99‭).‬

كما‭ ‬تكشف‭ ‬الرسالة‭ ‬عن‭ ‬الأهمية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يعلّقها‭ ‬الفرنسيون‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬في‭ ‬توطيد‭ ‬سمعتهم‭ ‬كقوة‭ ‬امبراطورية‭ ‬وتجارية‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬المخا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬وفارس‭ ‬وبلاد‭ ‬الهند،‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬اقتصادهم‭ ‬في‭ ‬مستعمرة‭ ‬بونديشيري‭ ‬بالهند‭ ‬يعتمد‭ ‬كليًا‭ ‬على‭ ‬تجارتهم‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬وكما‭ ‬يذكر‭ ‬جازييه‭ ‬في‭ ‬رسالته،‭ ‬فإن‭ ‬الحملة‭ ‬رفعت‭ ‬من‭ ‬قدر‭ ‬الفرنسيين‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬الهند،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الجواز‭ ‬الفرنسي‭ ‬مطلب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التجار‭ (‬ص101‭).‬

 

منطقة‭ ‬الشيخ‭ ‬سعيد‭ ‬والفنارات‭ ‬البحرية

تكشف‭ ‬وثائق‭ ‬البابين‭ ‬الرابع‭ ‬والخامس‭ ‬عن‭ ‬اشتداد‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬والإنجليز‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬الشرق‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬واقعة‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬يتم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬احتلال‭ ‬تلك‭ ‬المناطق،‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬السياسية‭ ‬والتجارية‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭.‬

فالفرنسيون‭ ‬كانوا‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬تأمين‭ ‬طريق‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬أمر‭ ‬حيوي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬ازدهار‭ ‬مستعمراتهم‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وإفريقيا،‭ ‬ولذلك‭ ‬سعوا‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬ثورتهم‭ ‬إلى‭ ‬غزو‭ ‬مصر‭ ‬عام‭ ‬1798،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مستعمرة‭ ‬فرنسية،‭ ‬نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬الحيوي‭ ‬وللخصوبة‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بها‭ ‬أرضها‭ ‬في‭ ‬زراعة‭ ‬المحاصيل‭.‬

ويذكر‭ ‬المؤرخون‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬شق‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬كانت‭ ‬مدرجة‭ ‬ضمن‭ ‬المشاريع‭ ‬التي‭ ‬تنوي‭ ‬الحملة‭ ‬الفرنسية‭ ‬إقامتها‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المشروع‭ ‬تبخّر‭ ‬نتيجة‭ ‬المقاومة‭ ‬الباسلة‭ ‬التي‭ ‬أبداها‭ ‬المصريون‭ ‬لإفشال‭ ‬الحملة‭. ‬لكن‭ ‬الفكرة‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬نجح‭ ‬المهندس‭ ‬الفرنسي‭ ‬دليسبس‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬سعيد‭ ‬باشا‭ ‬بتنفيذ‭ ‬المشروع‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭. ‬

ومع‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬شق‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ (‬1859‭ ‬–‭ ‬1869‭) ‬بدأ‭ ‬القناصل‭ ‬الفرنسيون‭ ‬يفكرون‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬مناطق‭ ‬مشاطئة‭ ‬للبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬اليمني‭ ‬لتعزيز‭ ‬وجودهم،‭ ‬ولإقامة‭ ‬مستودعات‭ ‬للفحم‭ ‬ومراسٍ‭ ‬بحرية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬فنارات‭ ‬بحرية‭ ‬لتسهيل‭ ‬مرور‭ ‬السفن‭ ‬وحماية‭ ‬حركتها‭. ‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بموضوع‭ ‬الفنارات‭ ‬البحرية‭ ‬قدّم‭ ‬المؤلف‭ ‬عرضًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬لإنشاء‭ ‬إدارة‭ ‬فنارات‭ ‬الامبراطورية‭ ‬العثمانية،‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أوردته‭ ‬الوثائق‭ ‬الفرنسية‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السلطان‭ ‬العثماني‭ ‬أصدر‭ ‬فرمانًا‭ ‬عام‭ ‬1855‭ ‬بتعيين‭ ‬القبطان‭ ‬الفرنسي‭ ‬بلايز‭ ‬ميشل‭ ‬مديرًا‭ ‬عامًا‭ ‬للفنارات،‭ ‬وقد‭ ‬تحولت‭ ‬إدارة‭ ‬المشروع‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬إلى‭ ‬حق‭ ‬امتياز‭ ‬للشركة‭ ‬التي‭ ‬أسسها‭ ‬ميشل‭ ‬مع‭ ‬كولاس‭ ‬بمباركة‭ ‬الحكومة‭ ‬الفرنسية‭. ‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬1860‭ ‬تم‭ ‬منح‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬كولاس‭ ‬–‭ ‬ميشل‮»‬‭ ‬حق‭ ‬الامتياز‭ ‬لإنشاء‭ ‬عشرات‭ ‬الفنارات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الموانئ‭ ‬والجزر‭ ‬التابعة‭ ‬للدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬عام‭ ‬1899‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬اتفاقية‭ ‬بين‭ ‬الشركة‭ ‬والحكومة‭ ‬العثمانية‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬4‭ ‬فنارات‭ ‬على‭ ‬الشواطئ‭ ‬اليمنية‭ ‬غير‭ ‬الخاضعة‭ ‬للسيطرة‭ ‬البريطانية‭ (‬في‭ ‬جبل‭ ‬الطير،‭ ‬وجبل‭ ‬الزبير،‭ ‬وأبو‭ ‬علي،‭ ‬والمخا‭)‬،‭ ‬وأنشئت‭ ‬في‭ ‬مدة‭ ‬وجيزة‭ ‬ودخلت‭ ‬حيز‭ ‬التشغيل‭ ‬الفعلي‭ ‬عام‭ ‬1903‭. ‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬وتفكك‭ ‬امبراطوريتها،‭ ‬دب‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الفرنسيين‭ ‬والبريطانيين‭ ‬حول‭ ‬مسألة‭ ‬السيادة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الفنارات،‭ ‬إذ‭ ‬قام‭ ‬البريطانيون‭ ‬مطلع‭ ‬عام‭ ‬1915‭ ‬بالاستيلاء‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬فنارات‭ ‬وإخضاعها‭ ‬لنفوذ‭ ‬البحرية‭ ‬البريطانية،‭ ‬ويورد‭ ‬المؤلف‭ ‬ترجمة‭ ‬لعدد‭ ‬من‭ ‬الرسائل‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الشركة‭ ‬والحكومتين‭ ‬الفرنسية‭ ‬والبريطانية،‭ ‬وقد‭ ‬استمرت‭ ‬المفاوضات‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭ ‬حتى‭ ‬تصفية‭ ‬إدارة‭ ‬الفنارات‭ ‬في‭ ‬4‭ ‬سبتمبر‭ ‬1959‭. ‬

   

تقارير‭ ‬ورحلات‭ ‬إلى‭ ‬اليمن

قام‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬الباب‭ ‬السادس‭ ‬بترجمة‭ ‬خمسة‭ ‬من‭ ‬تقارير‭ ‬الرحالة‭ ‬الفرنسيين،‭ ‬وفي‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬التقارير‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬التصرف‭ ‬تلخيصًا‭ ‬واختصارًا،‭ ‬ولم‭ ‬ينج‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬سوى‭ ‬تقرير‭ ‬بول‭ ‬بوتا‭. ‬صحيح‭ ‬أن‭ ‬هدف‭ ‬الكتاب‭ ‬كان‭ ‬تقديم‭ ‬محطات‭ ‬تاريخية‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الوثائق‭ ‬الفرنسية‭ ‬لا‭ ‬ترجمة‭ ‬كاملة‭ ‬للتقارير،‭ ‬فبعضها‭ ‬كان‭ ‬كتبًا‭ ‬ضخمة‭ ‬ككتابي‭ ‬ألبير‭ ‬ديفلرز‭ ‬وجوزيف‭ ‬هاليفي‭ (‬ترجم‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الأخير‭ ‬ونشر‭ ‬عام‭ ‬2011‭)‬،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬لا‭ ‬يخضع‭ ‬إلا‭ ‬لوجهة‭ ‬نظر‭ ‬المترجم‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬مهم‭ ‬وأولى‭ ‬بالنقل‭. ‬والجديد‭ ‬الذي‭ ‬تضمنه‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬هو‭ ‬الترجمة‭ ‬الكاملة‭ ‬لكتاب‭ ‬الإيطالي‭ ‬بوتا‭ ‬‮«‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬اليمن‮»‬‭ (‬1841،‭ ‬69‭ ‬صفحة‭) ‬وهي‭ ‬رحلة‭ ‬مهمة‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقفة‭ ‬خاصة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تضمنته‭ ‬من‭ ‬رصد‭ ‬لأحوال‭ ‬المجتمع‭ ‬اليمني‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬صراع‭ ‬أهلي‭ ‬استمر‭ ‬عقودًا‭ ‬عدة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تلخيص‭ ‬يوميات‭ ‬ديفلرز‭ (‬1889‭) ‬الذي‭ ‬تضمن‭ ‬تعريفًا‭ ‬بالكتاب‭ ‬وجهود‭ ‬ديفلرز‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬مكملة‭ ‬لعمل‭ ‬بوتا‭ ‬في‭ ‬مسح‭ ‬الغطاء‭ ‬النباتي‭ ‬لمناطق‭ ‬اليمن‭ ‬الوسطى‭ ‬والجنوبية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتهيأ‭ ‬لبوتا‭ ‬زيارتها‭.‬

جمع‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬اليمن‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الفرنسية‮»‬‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬التاريخي‭ ‬وترجمة‭ ‬الوثائق‭ ‬وقدر‭ ‬معيّن‭ ‬من‭ ‬التحليل،‭ ‬وهو‭ ‬جمع‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬طموح‭ ‬مؤلفه‭ ‬ليقول‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬حيّز‭ ‬محدود،‭ ‬فغامت‭ ‬أحيانًا‭ ‬الحدود‭ ‬بين‭ ‬السرد‭ ‬والوثيقة‭ ‬والرأي،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬يتقصد‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬وثائق‭ ‬ظلت‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المتناول،‭ ‬وربما‭ ‬لم‭ ‬يطلع‭ ‬عليها‭ ‬سوى‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬الباحثين،‭ ‬وقد‭ ‬أتيح‭ ‬للمؤلف‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬وترجمتها‭ ‬بفضل‭ ‬عمله‭ ‬مستشارًا‭ ‬سياسيًا‭ ‬بالسفارة‭ ‬اليمنية‭ ‬في‭ ‬باريس‭. ‬

أتصور‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬كمقدمة‭ ‬تعريفية‭ ‬بهذه‭ ‬المحطات‭ ‬التاريخية،‭ ‬ولاستكمال‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬العلمي‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬يعمد‭ ‬المترجم‭ ‬عند‭ ‬إعادة‭ ‬طباعته‭ ‬إلى‭ ‬إتمام‭ ‬ترجمة‭ ‬بعض‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬أورد‭ ‬أجزاء‭ ‬منها،‭ ‬وترجمة‭ ‬كتاب‭ ‬ديفلرز‭ ‬وإفراده،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رحلة‭ ‬بوتا‭ ‬في‭ ‬كتابين‭ ‬منفصلين‭ ‬لكي‭ ‬يسهل‭ ‬الرجوع‭ ‬إليهما‭ ‬واستفادة‭ ‬الباحثين‭ ‬منهما‭ .

تعليقات

المشاركات الشائعة