توسان القبلي
الحكاية الأولى – رواية ميمونة بنت ود الفحّام
كنتُ أرى توسان القُبلي كل فجرٍ يخرج من البيت المهجور كمن يخرج من نفق بين عالمين، يخطو بخفة ساحر قديم عاش أعمارًا لا تُعد. يقول ناس العباسية الجديدة إن رائحة البخور التي تفوح حول داره ليست بخورًا، بل دخان الأرواح التي يستدعيها لتساعده في “تدوير الزمن”. كنا، نحن بنات الجيل السابع، نقارنه دائمًا ببهيسة البلعوطي، فبهيسة كانت تصنع العجائب بكلامها وحده، أما هو فيصنعها بالصمت. وذات يوم جاء مسيلمة أبوجديري النقرابي يصرخ من خشبته في سوق القضارف بأن الساحر هذا أخطر على الأمة من عصابة كوزنكابي 26 نفسها، وأن أبا جهل الطنطاوي صار طفلًا أمام “تقانة توسان”. لكننا كنا نعلم أنه ليس شريرًا، بل مجرد رجل يبحث عن باب سرّي في جسد المدينة، باب لا يراه إلا العارفون.
الحكاية الثانية – رواية طارق القلعاوي
كنتُ صبيًا حين رأيتُ توسان القُبلي لأول مرة. كان يقف قرب مخبز علي منقا كأنما يقرأ حرارة الخبز بعيونٍ ليست بشريّة. قال لي همسًا: “الخبز يا ولدي ليس طعامًا فقط… إنه توقيت”. لم أفهم. لكن حين اندلعت معركة عصابة كوزنكابي 26 في غابة سرف سعيد، سمعنا أن توسان تنبأ بها قبل سبع سنوات، وقال إن “الجنوب يتحفّز لامتحان الدم”. كان الشيخ أنس البهلوان يتّهمه بأنه يحرّض المتمرد أبا جهل الطنطاوي، بينما كانت العرّافة عنيزة البيهقي تُقسم أنه يحاول فقط إيقاف نزيف الغابة. صار الرجل لغزًا يمشي، ولا أحد عرف إلى اليوم إن كان يحرس المدينة أم ينتظر انهيارها ليفتح فيها بوابة أخرى.
الحكاية الثالثة – رواية بشير ود فرج الله
في ليلةٍ ماطرة دخلتُ بيت توسان القُبلي دون إذنه، فقط لأثبت لأصحاب الحي أني أشجع من أن أخاف من ساحر. لكني وجدتُ البيت لا يشبه الداخل إليه، فكل خطوة تُعيد ترتيب الجدران، والباب الذي دخلت منه اختفى. سمعتُ صوتًا عميقًا يقول: “كل من يدخل بيت الساحر يواجه شكله الآخر”. رأيتُ نفسي طفلًا يبكي، ثم رجلاً يشيخ بسرعة، ثم شبحًا يذوب. لم يظهر توسان، لكني أحسست أنه يراقبني من الهواء نفسه. حين خرجتُ في الصباح، وجدتُ سكان العباسية يقولون إن بهيسة البلعوطي رأت دخانًا أخضر يخرج من البيت في الليل، وإن الداعية مسيلمة اعتبر ذلك علامة على اقتراب “فتنة كوزنكابي العظمى”. لكني كنت أعلم أن الدخان الأخضر كان قلبي.
الحكاية الرابعة – رواية الحاجة نفيسة أم قسيمة
توسان القُبلي لم يكن شريرًا، أقسم بذلك. أنا رأيته يعالج ولد جارتي لما أصابته حمة حمراء من جنية في سرف سعيد. وضع يده على صدر الصبي وقال شيئًا بلغة تشبه الجعيزية المكسورة، ثم نفخ في الهواء، فانطفأت الحمة. العرّافة عنيزة البيهقي غضبت، لأنها كانت تريد أخذ مال من أهل الولد، وقالت إن توسان “يكسر سوق الشعوذة”. أما بهيسة البلعوطي فكانت تحترمه، وتقول إنه آخر أولياء المغرب الذين مرّوا بالقضارف. المشكلة أن أبا جهل الطنطاوي سمع بذلك، فظن أن توسان ينافسه في السيطرة على الغابة، فهدد بإرسال عصابة كوزنكابي 26 إليه. لكن الساحر لم يخف، بل ضحك وقال: “أنا والغابة من عهدٍ واحد”.
الحكاية الخامسة – رواية نادر القُبّاني (من الجيل السابع)
عندما اجتمعنا في نادي العباسية الجديدة، قررنا أن نختبر قدرات توسان القُبلي. كنا نريد معرفة: هل هو ساحر فعلًا أم مجرد رجل غريب؟ أخذنا له قطعة من شجرة المحريب في سرف سعيد، وهي شجرة تحوم حولها أرواح الغابة. رفعها توسان بيده، فاشتعلت من غير نار، وسمعنا نحيبًا يخرج من الخشب نفسه. صاحت فاطمة السمحة: “هذا عمل بهيسة!” فرد توسان: “لا. هذه أرواح قتلى كوزنكابي 26.”. لم نفهم. لكن بعد يومين جاء خبر اشتباك جديد في الغابة، وقال الشيخ أنس البهلوان إننا أهل العباسية نلعب بالنار. وربما كان محقًا.
الحكاية السادسة – رواية الشيخ فضل الماحي
أشهد أمام الله أن توسان القُبلي ليس ساحرًا بالمعنى الحرام، لكنه رجل يرى ما لا نرى. كنتُ إمام المسجد حين دخل عليّ في صلاة الصبح وقال: “لا تقرأ سورة الحديد غدًا، فالحديد سيخون أهل سرف سعيد.” لم أفهم. لكن في اليوم التالي انفجرت قنبلة يدوية في يد أحد المقاتلين من عصابة كوزنكابي 26. جاءني مسيلمة أبوجديري النقرابي يصرخ: “قلت لك أن هذا الساحر يتعامل مع الشياطين!”. لكني كنت أشعر في قلبي أن توسان يحاول منع الأسوأ. بهيسة البلعوطي جاءتني لاحقًا، وقالت بثقة: “توسان يخوض حربًا مع جن اسمه الطنطاوي، وليس مع البشر”. فزادت حيرتي.
الحكاية السابعة – رواية بُشرى أم سماعين
في عصر ذلك اليوم، رأيتُ توسان القُبلي وهو يكتب على التراب أشكالًا غريبة. ظننته يتنبأ بمطر، لكن اتضح أنه يرسم خريطة لشيء آخر. سألته: “شنو دا؟”، فقال: “هذه حدود الظلال التي تتحرك في غابة سرف سعيد، حدود لا يعرفها جيش ولا عصابة.” في تلك الليلة رأت العرّافة عنيزة البيهقي حلمًا مرعبًا عن تمساح له سبعة رؤوس يحاصر العباسية الجديدة. قالت إن هذا التمساح هو تمرد أبو جهل الطنطاوي. لكن توسان ردّ عليها ساخراً أمام الناس: “لا. هذا التمساح هو خوفكم.”. كان الرجل يرى العالم كأنه كتاب قديم لا يزال يكتب نفسه.
الحكاية الثامنة – رواية عمر الدنكلاوي
ذهبتُ مع صديقي علاء الدين إلى بيت توسان لنقدم له خبزًا من علي منقا، فقط لأننا أردنا أن نراه عن قرب. فتح الباب قبل أن نطرق، وقال: “الخبز يصل قبل أصحابه لأن رائحته تسبق قدره.” جلسنا معه، وسألناه عن عصابة كوزنكابي 26. قال: “هؤلاء يعيشون على ظلالهم… ليس لهم مستقبل، لذلك يقاتلون ليصنعوه بالقوة.” ثم نظر إلينا بحدة: “أما أنتم يا أولاد الجيل السابع… فأنتم آخر من سيحمي المدينة إذا سقطت”. شعرت أن كلامه نبوءة. الآن كلما مشت رياح الجنوب، أتذكر عينيه المليئتين بالأسرار.
الحكاية التاسعة – رواية آمنة بنت عجاجة
ذهبتُ أبحث عن بهيسة البلعوطي لأعرف رأيها في توسان، فقالت لي: “دا وليّ… بس وليّ ما داير زفة.” أما عنيزة البيهقي فكانت تحقد عليه لأنه “سرق زبائنها”. قالت إن توسان يستخدم جنًا مغربيًا اسمه “زابوتا بن صندل”. أما قصة هذه الأرواح فكانت مرعبة: فهي التي تقول إن سرف سعيد ليست غابة، بل مقبرة لخمسة عصور. حين سمعت عصابة كوزنكابي 26 ذلك، ظنوا أن بهيسة تريد تخويفهم، لكن أبو جهل الطنطاوي نفسه جاء ليستشير توسان سرًا. وبعد اللقاء، خرج الطنطاوي مرتجفًا كأنه رأى مصيره مكتوبًا على جدار.
الحكاية العاشرة – رواية الضوّ الفلاتي
أقسم أني رأيت توسان القُبلي ذات ليلة يمشي فوق الماء عند حفرة الخور خلف الجامعة. كنتُ في طريقي للمبيت عند خالي، فشاهدته يتحرك بهدوء كأنه يسير على بلاط. بعدها بثلاثة أيام، سمعنا أن الشيخ أنس البهلوان أصدر بيانًا يتهم فيه توسان بأنه “يحرف نواميس الكون”. لكن ما صدمني هو أن بهيسة البلعوطي دافعت عنه في مجلس النساء لأول مرة، وقالت: “توسان دا ما بشر ساي… دا قصة ماشّة.” في تلك اللحظة فهمت أن الرجل ليس مجرد ساحر: إنه حدث.
الحكاية الحادية عشرة – رواية أمين ود بشارة
كنت أجمع الحطب في أطراف حي العباسية حين ظهر توسان فجأة وقال لي: “إياك وأغصان اللانتانا… فهي تختزن أرواحًا قد لا تنام.” حملت كلامه باستهزاء. وفي الليل سمعتُ في غرفتي صوت بكاء يخرج من الحطب نفسه. حين رويت ذلك لبهيسة البلعوطي، قالت إن هذا “تحذير”. أما الشيخ أنس البهلوان فقال إن توسان “يفسد عقائد الأولاد”. وعندما أخبرت مسيلمة أبوجديري النقرابي بالأمر، قال إن هذا علامة على اقتراب هجمة جديدة من كوزنكابي 26. أما أنا… فكنت متأكدًا أن توسان كان ينقذني من شيء أكبر.
الحكاية الثانية عشرة – رواية سناء بابكر
عندما جاءت حملة جمع التبرعات لأهالي سرف سعيد، ظهر توسان فجأة وسط الساحة. لم يطلب مالاً ولا ملابس، بل أخذ حفنة تراب ووضعها في كيس صغير، وقال: “هذه الحفنة ستعيد ما سُرق من الغابة.” ضحك الناس. لكن بعد أسبوع، هطلت أمطار لم يرَ لها أهل القضارف مثيلًا منذ ثلاثين عامًا، وقالت بهيسة إن هذا المطر “غسّل أثر عصابة كوزنكابي”. أما عنيزة البيهقي فزعمت أن توسان عقد صفقة مع “جنوب الريح”. الحقيقة؟ لا أحد عرف. لكن الناس اختفت ضحكاتهم منذ ذلك اليوم.
الحكاية الثالثة عشرة – رواية زهير ود الشنقيطي
سمعتُ حكاية غريبة من تاجر قادم من القلابات. قال إنه رأى توسان القُبلي في غابة سرف سعيد يسير بين طرفي القتال، كأن الرصاص لا يراه. أبو جهل الطنطاوي نفسه أمر رجاله بعدم الاقتراب منه، بل قال: “هذا الرجل يشبه من علّمني السحر أول مرة.” هل كان أبو جهل يخافه؟ ربما. لكن الأغرب أن شيخًا من حزب التحرير قال في خطبته إن توسان هو “علامة من علامات انهيار الدولة”. أما نحن، شباب الحي، فكنا نراه ككابوسٍ جميل: مرعب… لكنه يأخذ عقلنا معه.
الحكاية الرابعة عشرة – رواية أم كلثوم أم حراز
في إحدى أمسيات الشتاء، رأيتُ توسان القُبلي جالسًا قرب الحوش، ينظر للغروب وكأنه يقرأ سطرًا من كتاب. قلتُ له: “الناس خايفين منك يا ولدي.” قال: “الخوف يا أمي هو الساحر الأكبر، وليس أنا.” سألته عن بهيسة، فقال: “هي تعرف جزءًا مما نسيتُه.” وعن عنيزة البيهقي: “تحاول، لكنها تقرأ الأرواح مثلما يقرأ الناس الجرائد.” أما أبو جهل الطنطاوي فقال عنه: “يقاتل ظلّه.” في تلك اللحظة شعرتُ أن العالم الذي نعيشه ليس سوى طبقة رقيقة فوق شيء أعمق… وتوسان هو الشق في تلك الطبقة.
الحكاية الخامسة عشرة – رواية الراوي المجهول الذي لا اسم له
في الليلة التي اختفى فيها توسان القُبلي، رأى أهل العباسية ضوءًا أزرق يخرج من البيت المهجور. سمعوا جلبة، ثم صمتًا كثيفًا كالماء. في الصباح وجدوا على الجدار نقشًا غريبًا يشبه كلمة: “عاد”. ظن الناس أنها نبوءة بعودته، بينما قالت بهيسة البلعوطي إنها ليست “عاد” بل “عابر”. أما مسيلمة النقرابي فزعم أن هذه علامة على زوال عصابة كوزنكابي 26، وقد صدق: ففي ذلك الأسبوع تفككت العصابة وانتهى حكم الطنطاوي للغابة. بقي السؤال الكبير: هل رحل الساحر… أم دخل طبقة أخرى من المدينة؟ لا أحد يعرف. لكن كلما مرّ طفل قرب مخبز علي منقا… يشم رائحة بخور تختلط برائحة الخبز الساخن، كأن توسان يبتسم من بعيد.

تعليقات
إرسال تعليق