الجيل الاخير من عائلة أبو حنيفة النعماني
و ليس الاول كالاخير و ان كان بينهما ما يجعل
وما كان الجيل الأوّل مثل الجيل قبل الاخير ، وإن كان بينهما ما يَفضّ شراكةَ تلك للأجيال السبعة لعائلة ابو حنيفة النعماني . القائم مقام، في زمنٍ تُراجع فيه اللغةُ نفسها كل فجر، وتعود لتختبر سيوفها في لحم الاستعارة قبل أن تواجه الحقيقة التي لا تعرف شكلها بعد. الليلُ لا يعترفُ بوصاية الفجر، والفجر لا يعترفُ بجميل الليل، أمّا الظلّ فيتحرّك بينهما مثل رسولٍ خائفٍ من أن يُتّهم بالانتماء. هنا تبدأ الحكاية حين تعقد الكلماتُ مجلسها الأعلى، فتشكّ في براهين البشر، وتُحوّل يقينهم إلى ريشٍ يتطاير عند أول نسمة. في هذا المجلس المتّقد، تتكوّن السرديات مثل جمرٍ يتلألأ تحت الرماد، ويظهر المهندس بنداس ميرغني جادة أبو الريش ليقول: “إن اللغة لا تُروى، بل تُروينا”، ثم يبدأ، ويبدأ معه كل من عرف خالته أو صادق خاله أو مرّ ببيوتهم أو سمع عنهم في بلاد تتبع الشمس من المانيا إلى قطر، ومن كولومبيا إلى أمريكا، ومن سويسرا إلى فنزويلا. ما بين كل هذه البلاد، تتسلل الحكايات مثل ثعالب من ضوء، تختبئ تارة، وتكشف أنيابها تارة أخرى، لكنها لا تكفّ عن تغيير شكلها كلما روى راوٍ جديد ما ظنّه حقيقة.
يقول المهندس " بنداس ميرغني جادة أبو الريش " : في ليلةٍ كانت فيها القاهرة تتنفس ببطيء كأنها مدينة خرجت لتوها من حلمٍ ثقيل، جلستُ أراجع تصاميم مشروعٍ لا أريد أن يكتمل، فإذا برسالةٍ تأتي من برلين تخبرني أن خالتي غيداء أبو حنيفة النعماني أصبحت تُدعى هناك “سيدة النهرين”، لأنها تجمع في قلبها ما تفرّق في بناتها الثلاث من طباع الريح والعقل والماء. كانت الكبرى تعمل في مختبرٍ بألمانيا، والوسطى تعزف الكمان في فرقةٍ بكولومبيا، أمّا الصغرى فقد أرسلت صورتها وهي تعبر شارعًا باردًا في ولايةٍ أمريكية لا تعرف معنى النوم، وقالت إنها بدأت حياة جديدة مع الليل.
وتقول الرواية الثانية على لسان شيخٍ عجوز التقيتُه في مقهى قرب ميدان الجيزة: “لا تصدّق كل ما يُقال عن بنات غيداء يا بني، فهنّ لسن ثلاثًا فقط، هناك رابعة لا تُذكر في السجلات، ولدت في قطر، وعاشت مثل نصلٍ في غمدٍ لا يريد أن يعترف بحدّته”. وحين سألته من أين عرف، ابتسم ابتسامةً تشبه صفحة ماء تُخفي تحتها دوّامة، ثم اختفى قبل أن يبرد فنجان شايه.
وتقول امرأةٌ مجهولة، ظهرت في حلمي وادّعت أنها كانت جارةً لغيداء في الخرطوم القديمة: “وقاص، زوجها، لم يكن طبيبًا فقط، بل كان مؤرخًا لأنفاس الناس، وكان يسمع ما لا يُسمع، ويهتزّ قلبه إذا اقترب منه من يحمل خوفًا في صدره”. ثم شرحت كيف انهارت المدن حولهم بينما بقيت الأسرة معلّقة بين قارتين، كأنها جسرٌ لا يعرف على أي شاطئ يُسمح له أن يستريح.
ويحكي بنداس: في الليلة التالية، كنتُ أمرّ على كوبري الدقي حين رنّ هاتفي برقمٍ لا أعرفه. الصوت من الطرف الآخر قال: “نحن نراقب أخبار خالك نعمان أبو حنيفة النعمان… ونريد أن نصحح لك شيئًا.” ثم أخبروني بأن ابنته الكبرى، ريناس، لم تعد في سويسرا كما يشاع، بل انتقلت إلى كندا بعد أن اكتشفت أن الرياح الجبلية هناك تحمل الحنين أكثر مما تتحمل احتمالات العيش. أمّا أشقاؤها الثلاثة، فواحد في فنزويلا يصرّ على تربية ببغاء يعلّمه العربية، وواحد في كندا يكتب رواية عن رجل يضيع بين ثلاثة أسماء، والثالث في السعودية يطارد حلمًا لا يُمسك إلا إذا توقّف الزمن.
وتروي الحكاية التالية على لسان سائق تاكسي أخذني إلى المعادي: “خالُك نعمان ليس كما يصفونه، إنه رجلٌ رأى الزمن يسقط مرتين، مرة في وجهه، ومرة في وجه الوطن، لكنه ظلّ واقفًا يضمد ذاكرة إخوته حتى لا يتبعثروا”. قال السائق ذلك، ثم أطفأ الراديو، وسار كأنه يعرف الطريق إلى بيتٍ لم أقل له عنوانه.
وفي مساء بعيد، يُقال إن طائرًا بأجنحة من زجاجٍ ملون مرّ فوق نيل القاهرة، وذكر اسم غيداء ثلاث مرات، فاختلطت الأسماء في الهواء حتى بدت كأنها عائلة واحدة بلا حدود، تنتشر بين القارات مثل ندبةٍ تبحث عمّن يقرأ تاريخها.
ويقول بنداس: “لو أردتُ أن أعرف الحقيقة، فعليّ أن أستمع إلى اللغة لا إلى الناس.” فاللغة وحدها تعرف لماذا تُغيّر البنات بلادهنّ، ولماذا يحمل الرجال أسماءً تُشبه مصائرهم، ولماذا تظلّ أسرةٌ واحدة موزّعة مثل خرائط قديمة على جدران سبع دول.
وتقول امرأةٌ عرفتها في الدقي وكانت تُسافر أكثر مما تنام: “الشتات ليس مصيبة، بل طريقة الكون ليختبر قدرة العائلات على تذكّر بعضها ولو في الحلم.” ثم أكملت: “بنات غيداء يرسلن رسائل متقاطعة، كل واحدة تبدأ بجملة ناقصة، وتنتظر أن تكملها أختها في بلد آخر.”
ويقول طفلٌ التقيتُه في شارع التحرير وهو يبيع بالونات: “أعرف بنتًا من عائلة نعمان، جاءت هنا مرة تبحث عن شيء ضاع منها، ولم تقل ما هو. لكنها بكت حين سمعت أذان المغرب.” ثم نظر إليّ كأنه يعرفني منذ زمن.
وتقول الحكاية العاشرة على لسان رجلٍ غريب جلس بجانبي في المترو: “وقاص… لم يهاجر ليهرب، بل ليحمل وطنًا على ظهره.” ثم مدّ يده كأنه يخرج شيئًا من الهواء، وقال إنه يحتفظ بسرّ عن تلك العائلة، سرّ لو قيل لتغيّر شكل السفر.
وتحكي سيدة في نيويورك تعرفت عليها عبر مكالمة فيديو: “البنات لا يعترفن بالحدود، ولا بالخوف. كل واحدة منهن تحمل وطنًا يخصّها، يختلف عن وطن أمها، ويختلف عن وطن خالهن نعمان.” ثم ضحكت ضحكة تمنحك شعورًا بأن العالم مهما كبر فهو لا يتسع لحنين امرأة.
ويقول بنداس: “لعلّ كل ما نرويه عنهم نصفُ حقيقة ونصفُ أمنية.” فالعائلات التي تعيش في سبع دول لا تعرف سقوطًا كاملاً، بل تتوزع حتى لا تتكسر كلها في مكان واحد.
وتروي اللغة نفسها، حين شعرت أن الرواة تعبوا: “هذه الحكايات ليست قصصًا، بل محاولات للقبض على ظلّ أسرةٍ تتغير مع الريح. من برلين إلى الدوحة، ومن فانكوفر إلى الرياض، ومن بوغوتا إلى زيورخ، تسافر الأسماء قبل أصحابها.”
وتحكي المدن: “كل مدينة مرّت بها ابنةٌ من بنات غيداء، تركت فيها رائحة قهوة تشبه ما كانت تشربه في الخرطوم، وتركت موسيقى لا يسمعها إلا من فقد وطنًا صغيرًا.”
ويختم بنداس بصوتٍ يشبه تعويذة: “لن أكتب عن عائلتهم، بل سأترك اللغة تكتبهم. فهي وحدها القادرة على جمع هذا الشتات، وعلى ضحد الحجج الواهية التي تقول إن العائلات تتلاشى. هي لا تتلاشى… هي فقط تغيّر شكلها مثل الغيم.”
وو
كانت مادونا عبد الظمبار أبو زمبارة الكانوري تقول إن أول ما عرفته عن عائلة النعماني أنّها لم تولد في مكانٍ واحد، بل في سبعة أمكنةٍ متباعدة تشبه اتجاهات الريح. كانت جدتها رجاء تكرر أنّ أصل العائلة يبدأ في وادٍ كانت الرمال فيه تتكلم، وتقول إن الشيخ الأول، الذي ادّعى الناس أنه من نسل النعمان بن مقرن المزني، وادّعى آخرون أنه من بقايا نجباء بني سراج الأندلسيين الهاربين من قرطبة، كان يحمل خريطة لا تشير إلى طريق، بل تشير إلى قدر. وفي تلك الخريطة وُلد الجيل الأول، جيل الرجل الذي لم يتفق الناس على أصله، لكنهم اتفقوا على أن قلبه لم يعرف وطناً غير السودان، حتى لو عبرت دمه سبع لغات مختلفة.
وحين كانت ريماز ميرغني جادة أبو الريش طفلة في الخرطوم، أخبرتها والدتها رجاء أن الجيل الثاني ظهر في ليلةٍ انقسم فيها القمر نصفين: نصف فوق المدينة، ونصف فوق الصحراء شرقها. في تلك الليلة، جاء رجل من حضرموت يزعم أنه يحمل رسالة من آل بانعمان، وأن نسبهم ممتد عبر البحر إلى اليمن. لكن حين جلس مع كبار العائلة، قالوا له: “نعرف البحر، أما أنت فلا نعرفك.” ومع ذلك، لم يخرج غريباً؛ فقد جلس بينهم طويلاً حتى صار يشبههم، واعتبروا أنّ البحر نفسه هو الذي عبر إليهم، لا الرجل. ومن هذا التداخل بين الحضرمي والمزني والأندلسي، انطلقت شجرةٌ لا تعرف النمو في خطّ مستقيم، بل بالنزول إلى جذورٍ أعمق كلّما تشعبت فروعها.
وفي إحدى الحكايات التي كانت مادونا ترويها وهي تقيم في ميرلند بالولايات المتحدة، قالت إن الجيل الثالث لم يُعرف بمولده، بل باختفائه. فقد ولد طفلٌ في بيت رجاء أبو حنيفة النعماني ثم اختفى ثلاث ليالٍ متواصلة. بحثوا عنه في الخرطوم كلها، لكنهم وجدوه في اليوم الرابع نائماً في غرفةٍ لم تُبنَ بعد، غرفة من هواء، لا سقف لها إلا ظل شجرة نيمٍ عجوز. حين حملوه إلى الداخل، ضحك وقال: “كنتُ أزور أجدادي في الجهة الأخرى.” سألته رجاء: “أي جهة؟” فقال: “الجهة التي لا تتعب فيها الأرواح.” وأقسم الناس لاحقاً أنّ الطفل حين كبر، كان يعرف من أخبار القبائل ما لا يعرفه شيوخ القبائل أنفسهم، كأن أرواح الأسلاف فتحت له سجلاتها.
وفي الحكاية التي تليها، قالت ريماز إن الجيل الرابع من العائلة كان جيلاً لا يعرف الوقوف، بل يمشي حتى وهو نائم. وكان أحد أبنائه، واسمه نعمان الصغير، قادراً على قراءة مستقبل من يقابله بمجرد النظر في عينيه. حين سافر إلى الخليج، صار الناس يأتونه من كل مكان، لا ليخبرهم بالغيب، بل ليخبرهم بما يعرفونه ولا يجرؤون على الاعتراف به. كان يقول لهم: “مستقبلكم ليس أمامكم، بل خلفكم… في الخوف الذي تهربون منه.” وحين عاد إلى السودان، قال لرجاء: “عائلتنا ستتفرق في سبعة قارات، لكن شريانها سيبقى واحداً.” لم تصدقه حينها، لكنها حين رأت أبناءها وأحفادها يتوزعون بين زيورخ والدوحة ومدريد وسيدني، عرفت أن الكلام كان نبوءة لا رأياً.
أما الحكاية الخامسة فكانت أعجبهنّ. تقول مادونا إن امرأة من الجيل الخامس، اسمها ليلى النعماني، عاشت في إسبانيا سنوات طويلة، وحين زارت قصر الحمراء، شعرت أن الجدران تعرفها. وضعت يدها على إحدى الأعمدة، فانشقّ الحجر قليلاً، وظهر نقش أندلسي قديم فيه اسم يشبه اسم عائلتها: “بني نعمان”. قالت للمرشد السياحي: “هذا اسمي.” فقال: “هذا اسم انقرض منذ سقوط الأندلس.” لكن الحجر عاد وانغلق، وشعر كل من في القصر ببردٍ مفاجئ، كأن تاريخاً كاملاً خرج للحظة ثم عاد إلى نومه.
وفي حكايةٍ أخرى، قالت ريماز إن الجيل السادس لم يكن جيلاً عادياً، بل جيلاً طاف سبع دول قبل بلوغ العشرين. كانت البنات الثلاث—ريناس وغيرها—يمشين كما تمشي الطيور المهاجرة، كل سنة إلى جهة جديدة. ريناس وجدت نفسها في سويسرا تتحدث مع الجبال كأنها أصدقاء، وأختها الأخرى دخلت كولومبيا دون خوف، وقالت إن المدن الجديدة لا تشبه الغربة بل تشبه المستقبل. أما الثالثة التي وصلت كندا، فقد قالت إن الثلج يكتب أسماء العائلة كلما تشقق تحت الأقدام، وأن الشجرة التي أمام نافذتها تشبه شجرة سدرٍ كانت في بيت جدتها رجاء.
ثم جاءت الحكاية التي تتحدث عن الجيل السابع، الجيل الذي عرف العالم كله قبل أن يعرف نفسه. تقول مادونا إن ابن خالتها في سيدني كان يسمع في الليل خطوات جدّ فوق سطح البحر. ظنّ أنه يتخيل، لكن كلما خرج، وجد آثار أقدام رطبة على أرضية الشرفة. وفي إحدى الليالي، ظهر له رجلٌ بعمامةٍ سوداء وقال: “أنا من بني سراج، جئتُ أطمئن عليك. لا تنسوا أن جذوركم تمتد إلى ثلاثة بحار وثلاث صحارى وسبع مدن لا تهدأ.”
وفي حكاية أخرى، قالت ريماز إن إحدى بنات العائلة في الدوحة كانت ترى ظلَّ سيدة تمشي خلفها دائماً، امرأة لا وجه لها، لكنها تحمل رائحة الجريف غرب. كلما التفتت إليها اختفت، وكلما مشت إلى مكان جديد ظهرت من جديد. وحين سألت جدتها رجاء عنها، قالت: “تلك ليست روحاً مزعجة، بل هي ذاكرة تمشي معك كي لا تضيعي.”
وفي الحكاية التالية، قالت مادونا إن أحد أبناء العائلة في أمريكا كان يسمع اسمه يُنادى في الليل بثلاث لغات: العربية، والإسبانية، والكانورية. وحين سأل جدته عبر الهاتف: “لماذا؟” قالت له رجاء: “لأن دمنا يحمل ثلاث حقائق، وكل حقيقة تتحدث بلغتها.”
وفي حكايةٍ عجائبية أخرى، قال والد مادونا إن رجلاً من العائلة ظهر ذات يوم في الخرطوم وهو يحمل صندوقاً صغيراً. لم يفتحه أحد، لكنه قال إنه يخصّ الجيل الأخير. وحين سُئل عما بداخله، قال: “ليس الآن… لكن عندما تتحد البلاد السبعة التي تنتمي إليها العائلة، سيفتح وحده.”
وفي إحدى الليالي، كما تقول ريماز، سافرت عائلة النعماني بين الخرطوم والقاهرة بلا طائرة. حلموا أنهم يطيرون فوق النيل، وفي الصباح وجدوا أنفسهم في الدقي. قالت لهم جدتهم: “هذا يحدث فقط للعائلات التي لا تعترف بالمسافات.”
وفي حكاية أخرى، تحكيها مادونا وهي تضحك، أن أحد أبناء العائلة في فنزويلا كان يستطيع أن يرى في انعكاس المرايا صورة الخرطوم بدلاً من غرفته. وكان كل من ينظر في المرآة بعده يرى مدينةً غير مدينته، كأن العائلة تحمل معها انعكاس أوطانها مهما ابتعدت عنها.
وفي حكايةٍ مؤلمة قليلاً، قالت ريماز إن إحدى بنات العائلة في كندا فقدت ذاكرتها ليومين، لكنها لم تنس شيئاً من تاريخ عائلتها. قالت للطبيب: “لا أعرف اسمي، لكن أعرف أننا من المزنيين والحضرميين والأندلسيين والسودانيين.” فقال الطبيب: “هذا كثير على ذاكرة واحدة.” فقالت: “العائلة الكبيرة تملك ذاكرة كبيرة.”
وفي الحكاية قبل الأخيرة، تقول مادونا إن رجاء أبو حنيفة النعماني كانت ترى في المنام كل ليلة دولة جديدة، وترى في كل دولة أحد أحفادها. وحين كبرت واشتدّ عليها العمر، قالت لهم: “لا تبحثوا عن أصل واحد… نحن ولدنا من سبعة أصول كي نستطيع العيش في سبع قارات.”
أما الحكاية الأخيرة، فتقول إن مادونا نفسها—آخر الشجرات الصغيرة في هذا النسب العظيم—كانت ذات ليلة في ميرلند، تسمع المطر يطرق النافذة كأنه يطلب الإذن للدخول. وحين نامت، رأت رجاء تقول لها: “دوّنوا كل شيء… لا تسمحوا للريح بأن تسرق أسماءنا.” وحين استيقظت، قالت: “سأروي كل الحكايات… حتى تلك التي لم تحدث بعد.”
_____
بدأت الحكاية حين أخذت رياح ولاية ماريلاند تحمل أصوات الأنهار القديمة من السودان إلى شوارع واشنطن، حيث جلست مادونا عبد الظمبار أبو زمبارة الكانوري تحت شجرة زيتون مزروعة من جذورها في الخرطوم، وتحسست أسماء الأجيال السبعة التي سبقته، فوجدت نعمان أبو حنيفة النعماني يحرك أصابعه على صفحات زمن لم يُكتب بعد، يكتب أسماء القبائل المزنية وبني سراج، وكأنه يريد أن يثبت أن الاسم الواحد يمكن أن يضم آلاف الطرق، وأن كل طريق يروي حكايته الخاصة، وأن كل حكايه يمكن أن تُكسر لتعيد تشكيل نفسها في أيدي حفيدته ميناس في أديلايد حين تسافر بالليل بين الساحات والسفن، لتسمع صوت البحر اليوناني في قلب الصحراء الأسترالية، صوت ريمينار إيليانوس الذي يناديها باسمها ثلاث مرات قبل أن يختفي في الضباب.
وفي أحد أيام القاهرة القديمة، جلست رجاء أبو حنيفة النعماني على سطح البيت، تنظر إلى الأزقة كما لو كانت خريطةٍ لأجيالها، وتسمع صدى أقدام جدتها ريماز ميرغني جادة أبو الريش وهي تحمل الماء من النيل، وكان صوت الماء يتحوّل إلى كلمات عن حضرموت وأندلس، عن آل بانعمان وعن القبائل المزنية، وعن الأمراء الذين كتبوا أسماءهم على جدران القصور قبل آلاف السنين، فتمتمت رجاء: “إن الأسماء ليست مجرد أسماء، إنها خيوطٌ تمشي في جسد التاريخ، وتبحث عن من يضمها ويعيد ترتيبها”، وكان كل من يمرّ بجانبها يشعر وكأن شجرة عمرها ألف عام قد نبتت في قلبه، وأصبح جزءًا من عائلتها دون أن يعرف.
غيداء أبو حنيفة النعماني التي رحلت إلى ألمانيا ثم كولومبيا ثم قطر، حملت معها عطر الخرطوم، وعادت به إلى أروقة أوروبا وكأنها تنقل روح السودان في صندوق صغير، وصار كل من يلتقي بها يسمع أصوات بناتها اللواتي اختلطت حكاياتهن مع أسماء قبائل مزينة وأمراء الأندلس، فتجد نفسك تسمع موسيقى الحضارات كما لو أنها ولدت لتلعب في قلب الغربة، وبين كل تلك الأصوات يتسلل ضحك ميناس في أديلايد، يملأ الشوارع، وكأنه يقول لكل من يسافر أن الوطن ليس مكانًا، بل سلسلة من اللحظات الممتدة بين أجيالٍ متشابكة.
في نيويورك، جلست مادونا في مقهى على الأطلسي، تتحدث مع أبناء عمومتها عن أعمار لم تعرفها، عن رجالٍ ونساء صعدوا فوق أسطح المباني ليكتشفوا أن السماء ليست محدودة، وأنه يمكن للنسل أن يمتد عبر القارات مثل شجرة عملاقة، فسمعت صوت جدتها ريماز تقول لها: “كل خطوةٍ تقومين بها هنا هي امتداد لشجرةٍ بدأت في الخرطوم، انتبهي أن لا تنسّي فروعك وأوراقك”، وكان في تلك اللحظة قارب صغير على النهر يشبه الخرطوم القديمة يمرّ بجانبها، وكأن المدينة تتنفس من نفس رئة التاريخ.
وفي بوينس آيرس، أحد أحفاد النعماني اكتشف مخطوطًا عن بني سراج، فصاح بالفرح، وأخذ يتتبع الرسائل المبعثرة في فنزويلا وكندا وألمانيا، وكل اسمٍ كان يعيد نفسه مثل صدى صوتٍ قديم، ثم كتب في دفتره: “إن الأجيال لا تعود إلى الوراء، لكنها تحمل المستقبل معها”، وكان البحر أمامه يرتجف من شدة الحقيقة والخيال معًا، فالروايات العائلية أصبحت محيطًا يغرق فيه كل من يحاول فهمه.
في حي فليندرز ذلك الحي الراقي الذي يقع بالقرب من الحدائق و المتحاف ببمدينة أديلايد الاسترالية ، ميناس أبو حنيفة النعماني التقت ريمينار إيليانوس في أحد الأسواق التي تشبه الأساطير، وتحدثا عن تاريخ العائلة الذي امتد من حضرموت إلى الأندلس، ومن السودان إلى أمريكا، ثم إلى أستراليا، وكانت الحكايات تتقاطع مع كل خطوة يخطونها، وكل كلمة تُقال تتحوّل إلى لغزٍ يجب حله، وكأنهما يحملان تاريخًا لا يمكن أن يُقال إلا بالهمس، والهمس يكفي ليعيد تشكيل الواقع.
وفي الخرطوم القديمة، عندما كانت رجاء تصلي على سطح بيتها، رأيت ظل نعمان يمرّ عبر الأزقة، وكلما مرّ ظلّه تتبعته الريح كأنها تريد أن تحفظ السر، وكان الأطفال يلعبون بين الظلال ويتحدثون عن قصص الأجداد، عن قبائل مزينة وبني سراج، وعن الأمراء الذين كتبوا أسماءهم على الرمال، وكل رملٍ أصبح لاحقًا جزءًا من قصة أكبر لا تنتهي.
وفي الدوحة، أحد أحفاد النعماني صنع مشروعًا هندسيًا يمشي على حدود الرمال والماء، وكان يتحدث إلى نفسه عن جذور العائلة، وكيف يمكن أن يتحوّل الماضي إلى مستقبل ملموس، وكلما رسم خطًا على الخرائط، شعرت رياح الخليج أن التاريخ يبتسم، وكأن الرمال نفسها تحفظ أسمائهم وتعيد ترتيبها كل صباح.
في كندا، جلست إحدى حفيدات رجاء تكتب قصة عن أصولها، وكيف أن كل فرعٍ من العائلة يملك سرّه الخاص، وأنه لا يمكن لفردٍ أن يفهم العائلة وحده، فالقصص تتشابك، والزمن يتداخل، واللغة تصبح أكثر قوةً لأنها تحمل كل تلك الأجيال.
في سويسرا، نعمان الابن يكتشف أن الموسيقى التي تعلمها في طفولته، الموسيقى التي تحملها جدته من السودان، يمكن أن تصبح مفتاحًا لفهم الماضي، وأن كل لحنٍ هو شجرة صغيرة تتفرع من شجرة العائلة الكبيرة، وكل نغمةٍ تصنع جسرًا بين القارات.
وفي فنزويلا، حفيد آخر يتتبع أسلافه الأندلسيين، ويكتشف خزانة قديمة تحتوي على رسائل لم تُفتح منذ قرون، كل رسالة تحوي جزءًا من لغز العائلة، وكل لغز يُعيد تشكيل فهمه للهوية والشتات.
وفي أستراليا، ميناس وريمينار يسيران على الشاطئ، يسمعان صوت الأمواج كأنها تحكي تاريخ العائلة، ويجدان بين الرمال قطعًا صغيرة من خزف قديم، كل قطعة تحمل رمزًا يربط السودان باليونان والأندلس، ويشعران أن كل خطوة هنا تعيد صياغة الحكاية.
وفي ألمانيا، غيداء تتذكر حكايات جدتها عن حضرموت، وتكتب على دفترٍ صغير، وكل كلمة تُكتب تصبح جسراً بين الماضي والمستقبل، وبين القارات، وبين أجيال العائلة السبعة.
وفي ماريكوب، ولاية ماريلاند، مادونا تقف أمام نهرٍ يمتد إلى المحيط الأطلسي، وتعيد قراءة تاريخ العائلة، وتكتشف أن الأسماء ليست مجرد أسماء، بل خرائط، وأن كل خرائطهم متشابكة، وأن كل رحلة هي فصل من رواية لا تنتهي.
وفي نيوزيلندا، أحد أبناء العائلة يكتشف صخرةً صغيرة تحمل نقشًا يشبه شعار النعماني، ويشعر أن جذور العائلة وصلت هنا أيضاً، وأن القارات لا تستطيع أن تمنع التاريخ من الانتشار، وأن كل فرد يحمل في قلبه جزءًا من الأصول السبعة، وكل جزء يستطيع أن يولّد قصة جديدة.
وفي السودان، يعود أحد الأحفاد ليزور الخرطوم القديمة، ويجد أنه كل شارع وكل سوق يحمل صدى أجيال العائلة، وكلما سمع صوت الأطفال، شعر بأن الحكايات العجيبة لم تنتهِ، وأن الأسماء لا تزال تتحرك عبر الأزمنة، تتشكل، تتفتت، وتعيد ترتيب نفسها كما تفعل اللغة حين تتحدث عن العائلة.

تعليقات
إرسال تعليق