الجزء الثاني : رجل من أقصى المدينة - مظاهر عودة الحياة في الخرطوم
رجلٌ من أقصى المدينة

مصعب الرمادي
رجلٌ من أقصى المدينة
الجزء الثاني : تدابير المرسلين
_____________________
الكتاب : رجلٌ من أقصى المدينة
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : فبراير 2026م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
__
رواية رجل من اقصى المدينة
الجزء الثاني : ( تدابير المرسلين )
مظاهر عودة الحياة في الخرطوم
7
عاد الراوي من أقصى المدينة وهو يحمل صدى خطواته على جدار الخرطوم القديم، المدينة التي بدت له ككائن يئن من ألم غائر ثم يبتسم خجولًا، شهد استعادة الأرض لنفسها بعد سنوات الحرب، شهد العشب يرفع وجهه إلى الشمس وهو يرتجف خوفًا وفرحًا في الوقت نفسه، وداخل استاد الخرطوم، المدرجات الممتدة كانت تتنفس ذاكرة الجماهير الغائبة، الهتافات جاءت قبل الأجساد، والكرة التي دحرجت عبر الشبكة، كأنها تعلم أن الحرب تركت ندوبها في كل قلب، الطفل الذي وجد والده في زاوية مضيئة، الرجل الذي ضحك لأول مرة بعد أن تعلم الخوف، الباعة الذين عادوا بصوتهم القديم وكأنهم يعتذرون عن سنوات الصمت، والصمت نفسه الذي تعلم كيف يصفق للفرح الحذر.
وفي مطار الخرطوم، كان الرخام يستمع إلى حكايات السنين الغابرة، الطائرات تنادي أسماءها قبل أن تهبط، الصالات امتلأت بدموع لا تجرح، بل تضيء النفوس، وحقائب الترحال خرجت تتعارف قبل أصحابها، الموظف الذي ختم الجواز وهمس: مرحبًا بك في الوقت، المرأة التي شمّت أرض الرخام وكأنها تشم جبين طفلها الضائع، لوحة المواعيد التي أخطأت مرة لأن الفرح سبق الساعة، والسلم المتحرك الذي تعلم الصعود بلا تردد، هنا تعلم كل العائدين أن السماء يمكن أن تكون قريبة إذا سمحت للقلق بالرحيل، وصرخت الرحلات بصمتها الطويل، صارخة: لم ينسَ أحد شيئًا سوى الألم.
وعلى كورنيش النيل، ضحكت الحياة ببطء، سهرة العائلات العائدة من بلاد الهجرة تتشابك مع صفير الريح على الماء، الشاي بالنعناع يرسل رائحة الماضي، السمك خرج ضاحكًا من الماء كأنه يحتفل باللقاء، الأطفال يركضون خلف القمر الذي نزل ليجلس على الماء، الرجل الذي عاد من الشمال الطويل، قال إن النيل حفظ اسمه، المرأة تعلق غربة سنواتها على ضوء فانوس، القوارب صارت مقاعد اعتراف والضحك أعاد للهواء شكله، الريح أخذت بالهموم القديمة وتركته على الضفاف، هنا تُغسل المسافات بالماء، ويستعيد القلب جرأته على الحب بعد الخوف.
وفي الجامعات، جلس الطلاب في المدرجات القديمة، الجدل عاد إلى الحياة، السبورة كتبت كلمة "غدًا" فصفق الجميع، الأستاذ الفلسفي قال إن الحرب كانت امتحانًا مفتوحًا والحياة نجحت بتفوق، المكتبة فتحت نافذتها فدخل الغبار خجولًا وخرج جاهلًا، المقهى استعاد شجاراته القديمة حول الشعر والسياسة، صمت القاعات تعلم أن يستمع، الورق تعلم أن يحكي، وكل دفتر صار خريطة نجاة، وكل قلم يصيح بلا صوت: نحن باقون رغم كل شيء، وداخل هذا الجو، بدا الفرح هشًا لكنه صادق، يطل من نافذة الحنين.
وفي منتزه الاسكلا السياحي بالخرطوم كانت الأشجار تميل قليلًا لتفسح مكانًا للعائدين، العائلة فرشت ضحكتها فوق العشب، البائع بالونات يقسم أن الريح صارت لطيفة بعد سنوات العاصفة، الأطفال بنوا مدينة من أرجوحة وزحليقة، البحيرة الصغيرة حفظت وجوههم كما لو كانت تراهم لأول مرة، الموسيقى خرجت من مذياع قديم، الطيور مالت لتستمع، الأرض تعلمت المشي مرة أخرى، وتحت كل خطوة صمتٌ طويل ينهض مع الضحك، وهنا يتدرّب القلب على النزهة، وتصبح الحياة لعبة صبر وفرح في آن واحد، تعترف المدينة لنفسها بأنها نجت.
وفي متحف السودان القومي، النهضات كانت خجولة في البداية، التماثيل صارت تتحرك، المرشد الشاب تعلم أن الحجر يتنفس إذا اقتربت منه بمحبة، المومياوات ابتسمت للناظر الغريب، النقوش أعادت ترتيب الأزمنة، الزائر قرأ اسمه في حجر قديم ولم يستغرب، القاعات صارت جسورًا تربط الماضي بالحاضر، الذاكرة استيقظت، والخوف السابق صار جزءًا من الحوار، المدينة نفسها، في كل حجر، قالت: تعرفت على صمتك، نحن ما زلنا هنا.
وفي فرع بنك الخرطوم بالسوق العربي، تكلم الأستاذ " بهاء الدين سلطان التميمي " المدير التنفيذي السابق للفرع عن الأرقام التي استعادت أخلاقها، الشبابيك صارت نوافذ، المودع يزرع، الساحب يحصد، أجهزة الصراف ابتسمت، الرصيد الداخلي صار وعدًا، والتعامل صار احتفالًا بالثقة، كان كل رقم قصة حياة، كل ختم على ورقة شهادة على نجاة المدينة، والناس الذين مروا هنا، شعروا بأن المستقبل ليس خائفًا بعد الآن، فقط يحتاج إلى من يبتسم له.
وفي "شركة مواصلات العاصمة القومية " ، خطوط السير تعلمت أسماء محطاتها من جديد، الباصات لم تعد تخاف المنعطفات، تذكرة صارت وعدًا، والسائقون يحفظون الوجوه، المدينة أعيد رسمها بخط السير، عجوز قال إن الطريق أقصر حين تبتسم له، كل رحلة كانت تجربة إعادة اكتشاف، كل محطة كانت فرصة لتصالح مع الزمن، المدينة تحركت بلا ضجيج، الحركة نفسها شفاء جماعي، والمدينة بدأت تحب عودتها.
وفي شارع الصحافة، عادت الصحف لتتنفس، الصحفية القديرة " مشاعر عبد الكريم المقندل" تحدثت عن حبر لم يبتل، " طلال زاهي و دتكتوك البطحاني " عن عناوين تتنفس، "طلال البطحاني" أرسل نسخة فيراير 2026م من صحيفة عكاظ الالكترونية " لتسبق الفجر، المطابع دقّت كالقلوب، الباعة صاحوا بأسماء الأيام، الخبر الصالح صار عادة، والوعي عاد يتذكر نفسه، هنا تعلمت الكلمات أن تتحمل الخوف، والمدينة صارت تعرف أن ما يُكتب يبقى، وأن ما يُقال يُسمع، وأن كل قصة تعود لتبدأ من جديد.
وعند شارع الجيش والقيادة العامة، " أبو فراس داود أبو الفتوح " أنشد بصوت يحمل ظل والده الشهيد، الجنود تبادلوا التحية مع الأشجار، الرصيف حفظ خطواتهم، العلم ارتفع بلا صخب، الشجاعة تعلمت الهدوء، والمدينة نفسها تنفسته، صوت النشيد اختلط بذاكرة الأرض، والخرطوم قالت: كل سقوط هو درس وكل نهضة حق لنا، والأرض لم تنس من أحبها، لكنها تعلم أن تحميه بصمت.
وفي أقسام الشرطة، دفاتر عادت نظيفة، بلاغات تُحل بالابتسامة، الدورية تمر لتطمئن لا لتخيف، المخافر صارت بيوت سؤال كريم، الشرطة صارت وجه المدينة الذي يبتسم بدل أن يخيف، كل أمر ضبط بالرحمة أصبح درسًا للآخرين، وكل خطأ صار فرصة، والمدينة نفسها تعلمت أن الأمن حين يكون إنسانيًا، يخفّ وزنه، ويصبح جزءًا من الثقة المجتمعية التي تعود لتنمو.
وعلى ضفاف النيل الأخرى، الصيادون أعادوا شباكهم بأغان قديمة، السمك كريم، والماء صافي كنية، الفجر يفتح عينيه، الزورق يسبق الشمس، كل شبكة تروي قصة انتظار، وكل موجة تعلم الصبر، الأرض والماء صارا دروسًا، الريح تحمل السلام بين الشجر والموج، والناس هنا تعلموا أن الرزق يعرف طريقه إذا فتحت له الأبواب، وأن الحياة أقوى من كل غياب.
وفي الأزقة وحواري الخرطوم المحروسة، الجدران رُممت بالضحك، دكان فتح على حساب، جارة استعادت اسمها، عرس صغير كبر فجأة، مولود سُمّي "سلام"، البيت حين ينجو، تنجو المدينة، كل جدار صار شاهدًا، كل رصيف صار حارسًا للذكريات، والأطفال يركضون بلا خوف، والحياة تتعلم أن تعيش، وأن تتنفس بعد طول الحصار، والمدينة أصبحت جسدًا واحدًا ينبض بالعودة.
وفي المسارح والمقاهي الصغيرة، عاد الشعر ليتكئ على الطاولة، الممثل على الخشبة يتعلم أن الجمهور عاد، العازف ضبط وتره على نبض الشارع، التصفيق بلا مناسبة لأن الحياة مناسبة بحد ذاتها، المدينة تتعلم الاحتفال بما بقي، الفن يصنع شفاءً جماعيًا، والكلمات تعلم أن تلمس القلوب قبل الأجساد، والمسرح صار مرآة للروح التي نجت، والمدينة تعترف بها.
وفي النهاية، الراوي من أقصى المدينة قال إن الخرطوم لم تعد تتذكر الحرب إلا كحلم سيئ، الزراعة انتعشت، وصيد الأسماك علّم الماء الغناء، والنبض عاد خفقانًا لا يخطئ، المدينة مشت خفيفة، تعرف أنها نجت، والناس صاروا أبطالا صامتين، كل خطوة نحو الحياة كانت شهادة، وكل ابتسامة كانت إعلانًا: ما تبقى للحياة أغلى من كل خوف مضى، والخرطوم عادت لتتأمل نفسها وتتنفس.
تعليقات
إرسال تعليق