مقدمة نقدية لمشروع الروائي السوداني مصعب الرمادي
1- رجل من أقصى المدينة - 7 اجزاء
2- عند وادي القديسين - 7 اجزاء
3- حواكير التين الشوكي - 7 اجزاء
*ليس من الدقة أن نقرأ هذه الأعمال الثلاثة — رجل من أقصى المدينة، عند وادي القديسين، حواكير التين الشوكي — بوصفها روايات منفصلة، ولا حتى بوصفها ثلاثيات أو سباعيات متجاورة، بل الأجدر أن تُفهم باعتبارها نصًا واحدًا ممتدًا في سبعةٍ وعشرين انكسارًا زمنيًا وسرديًا، حيث لا تتكاثر الأجزاء بقدر ما تتشظى الرؤية.
هنا لا يعود السرد خطًا، بل يصبح أثرًا.
ولا تعود الشخصية كيانًا، بل حالة عبور.
ولا يعود المكان جغرافيا، بل ذاكرة مصابة بخلل في الاسترجاع.
في رجل من أقصى المدينة، لا يظهر “الرجل” بوصفه بطلًا تقليديًا، بل كصدى لنصٍّ قرآني مُنزاح، يتجسد فيه سؤال النجاة لا كخلاص، بل كإدانة. المدينة هنا ليست عمرانًا، بل مقبرة مؤجلة، يتنقل فيها الأحياء بوصفهم ناجين من موت لم يكتمل بعد. إن السرد في هذه السباعية يشتغل على تفكيك فكرة “الوصول”، ليؤكد أن كل وصول ليس سوى بداية تيه آخر.
أما في عند وادي القديسين، فإن النص ينتقل من جغرافيا الخراب إلى ميتافيزيقا الأطلال. القديسون لا يسكنون الوادي، بل يُستدعون كأطيافٍ فقدت قدرتها على الشفاعة. هنا تتكسر الصوفية نفسها، لا بوصفها طريقًا للخلاص، بل بوصفها لغة فقدت مرجعها الروحي. الشخصيات لا تسلك طريق المعرفة، بل تتعثر في بقاياها، كما لو أن الوحي قد مرّ من هنا وترك خلفه صدىً بلا صوت.
وفي حواكير التين الشوكي، يبلغ المشروع ذروته الدرامية، حيث تتحول الأرض من رمز للانتماء إلى ميدان للصراع الأنطولوجي. الحاكورة لم تعد أرضًا تُورث، بل جرحًا يُعاد فتحه مع كل جيل. التين الشوكي، بما يحمله من مفارقة الثمر والوجع، يصبح استعارة مركزية لعالمٍ لا يمكن العيش فيه إلا عبر التكيف مع ألمه. هنا لا تُكتب الرواية عن الحرب، بل تُكتب من داخلها، حيث تتشظى اللغة نفسها، وتفقد قدرتها على الإحاطة بالكارثة.
إن ما يجمع هذه الأعمال ليس وحدة الموضوع، بل وحدة الانكسار.
فالزمن فيها ليس تعاقبيًا، بل ارتدادي،
والذاكرة ليست استرجاعًا، بل نزيفًا مستمرًا،
والشخصيات ليست فاعلة، بل مفعول بها داخل قوى أكبر من السرد نفسه.
يمكن القول إن هذا المشروع يكتب ما بعد الرواية، أو ما بعد الحكاية، حيث تتحول الكتابة إلى محاولة مستمرة لالتقاط ما يتسرب من المعنى. وهو، في ذلك، يقف على الضد من المشاريع التي تبحث عن الأصل أو الخلاص، إذ ينشغل بدلًا من ذلك بسؤال أكثر قسوة:
كيف نكتب بعد أن يفقد العالم قابليته للفهم؟
بهذا المعنى، فإن “السباعيات الثلاث” لا تقدم إجابات، بل تؤسس لحالة دائمة من السؤال، حيث يصبح النص فضاءً مفتوحًا للتأويل، وتتحول القراءة إلى مشاركة في إنتاج المعنى، لا استهلاكه.
إنها كتابة تُراهن على القارئ لا بوصفه متلقيًا، بل بوصفه شاهدًا على الانهيار.
وفي هذا تكمن قوتها، وخطورتها، وفرادتها.

تعليقات
إرسال تعليق