روايات الجزء الثالث : تعاليم شرقستان - 7 أجزاء

 ثالثاً : ملخصات المجموعة الثالثة
( مسالك شرقستان  - محور    )

1- الجميل الذي في الغبار

 

2- جريمة في قطار الشرق

 

3- الشرقانية و المجوسي 


4-  كعبة الملاحدة 


5- الصليب و البارود 


6-

7-  هكذا تكلم هدارشت 

سلسلة تأملات ومواقف و مخاطبات وحكايات  الولي الحكيم  الهدندوي  " هدارشت " العجائبية الخارقة للعادة   بخصوص  1-  10 مواضيع   2  قم بإبتكار 10  شخصيات عجائبية و طريفة و متوعة العمق  تدعم حبكة الراوية  التي وقعت احداثها في الفترة من 1921- 2030م  3- قصة هدارشت :  اسمه بالكامل . الفترة التي عاش فيها في ولاية البحر الاحمر - عائلته الصغيرة  : عائلة الوالد الهدندوي و الوالدة الارمنية شقيقاته الثلاثة و شقيقه الوحيد    - طفولته - عمله -  اصدقائه  كرامتها المعجزة  -  تفاصيل أخرى


في ذلك الساحل الذي لا يعترف بالبدايات، حيث تتكلم الريح بلسان التبداويت وتخفي نصف معناها في الملح، ظهر هدارشت كما يظهر أثر القدم في الرمل ثم يختفي قبل أن يُرى، لم يقل أحد إنه وُلد، بل قالوا إن البحر لفظه حين تعب من حفظ الأسرار، وكان صوته يشبه ارتطام القوارب الخشبية في ليلٍ بلا قمر، وكان أهل البحر الأحمر يقولون إن الرجل لا يمشي بل يمرّ كأن الأرض تعبره، وكان أول من رآه صياد من الأمرار قال إن عينيه لا تنظران إلى الأشياء بل إلى ما تركته الأشياء خلفها، ومنذ ذلك اليوم صار اسمه يتردد بين الخيام كما تتردد النار في الحطب القديم

قالت امرأة من الهدندوة إن هدارشت لا يتكلم كثيرًا لكنه حين يصمت يزداد الكلام حوله، كانت تجلس قرب نارٍ واهنة وتردد أن الرجل لا يحمل ظلًا لأن الظلال تخاف من الذين لا ينتمون للزمن، وكان رجال البشاريين يضحكون ثم يصمتون فجأة حين يمرّ، لأنهم لا يعرفون إن كان يسمعهم أم يسمع ما لم يقولوه بعد، وكان الأطفال يركضون خلفه في طرقات كسلا ثم يتوقفون كأنهم اصطدموا بجدار غير مرئي، ويعودون وهم يقولون إن الرجل يمشي داخلهم لا أمامهم

يحكي رجل من العبابدة أن هدارشت جلس يومًا عند حافة القاش ولم ينطق، ومع ذلك انتهى نزاعٌ دام سنوات بين رجلين لم يعرفا لماذا تصالحا، وقال إن الرجل لا يصلح بين الناس بالكلام بل بإعادة ترتيب الصمت بينهم، وكان شيخ من الحباب يقسم أن هدارشت يعرف أسماء الرياح كلها، وأنه حين يرفع يده تتراجع العاصفة قليلًا كما لو أنها تذكرت شيئًا قديمًا، بينما قال أحد الأرتيقة إن الرجل ليس وليًا بل “ذاكرة تمشي” وأن من يقترب منه يتذكر ما لم يعشه

في غرب القاش حيث يسكن الهوسا، قالوا إن هدارشت جلس بينهم ليلةً كاملة ولم يفهموا لغته، لكنه فهم لغتهم، وعند الفجر بكى أحدهم دون سبب، ثم ضحك آخر دون سبب، وقالوا إن الرجل أعاد توزيع الحزن بينهم كما يُقسّم الخبز، وكانت امرأة من الأشراف تهمس أن أمه لم تكن من هنا، كانت أرمنية اسمها أنوشكا، جاءت من بردٍ بعيد وحملت في عينيها زرقة لم يفهمها أحد، وأن أباه مرغان من الهدندوة كان يقول إن الجمال إذا عبر الصحراء يتحول إلى لعنة، لكن هدارشت لم يرث اللعنة بل ورث القدرة على عدم الانكسار

قالت سِماريا شقيقته الكبرى إنها كانت ترى المستقبل في الماء لكنها لا ترى أخاها، كأنه خارج الصورة، وقالت نِجارا إن الأغاني التي تحفظها لا تذكره رغم أنه حاضر في كل لحن، أما تارمشتا فكانت تمشي خلفه فلا تجد أثرًا لقدميه، وكِدار أخوه الوحيد اختفى يومًا في الصحراء، ثم عاد كظلّ في المرآة، وكان هدارشت ينظر إلى المرآة ولا يتفاجأ، كأنه يعرف أن الغياب شكل آخر من الحضور، وكان يقول إن العائلة ليست من يجلس معك بل من يمر داخلك دون أن تراه

في زمن بعيد لم يكن بعيدًا، حين كانت السكك الحديدية تصرخ في عطبرة، كان هدارشت يعمل بلا اسم، يصلح ما لا يُرى، يهدئ من لا يعرف أنه مضطرب، ويجلس مع التجار الذين يبيعون الذهب فيخفت بريقه قليلًا، كأن الرجل يعيد الأشياء إلى حجمها الحقيقي، وكانوا يقولون إنه لا يملك مهنة، لكنه يملك أثرًا، وأنه لا يكسب مالًا، لكنه يمنع الخسارة من أن تكتمل، وكان صديقًا لصياد أعمى يرى الأسماك قبل أن تقترب، وامرأة تتحدث مع الغيوم، ورجل يدّعي أنه كان قاضيًا عند ذو الكفل

قال أحد الكميلاب إن هدارشت لا يعارض الحرب ولا يؤيدها، لأنه يرى أنها تحدث قبل أن تبدأ، وكان يقول إن القتال ليس بين الناس بل بين الصور التي يحملونها عن أنفسهم، وحين جاءت سنوات الاضطراب، لم يهرب، ولم يقاتل، بل جلس على صخرة قرب البحر، وكان الجنود يمرون أمامه دون أن يلاحظوه، كأنه غير مدرج في قائمة الواقع، وقال رجل من الملهيتكناب إن هدارشت لا يُصاب بالخراب لأن الخراب لا يجد فيه مكانًا يسكنه

كانت الأسواق في كسلا تمتلئ بالضجيج، لكنه حين يدخلها يخف الصوت قليلًا، ليس خوفًا بل ارتباكًا، وكأن الحقيقة دخلت المكان دون إعلان، وكان الأطفال يقتربون منه ويسألونه لماذا لا يكبر، فيبتسم دون أن يجيب، وكان الشيوخ يقولون إن الزمن يمر عليه لكنه لا يمر فيه، وأن الرجل ليس خالدًا، بل “غير قابل للتآكل”

في ليلةٍ قالوا إنها بلا تاريخ، اشتعل البحر دون نار، وركض الناس، أما هدارشت فجلس، وعندما سألوه لماذا لم يهرب، قال إن ما يحدث ليس حريقًا بل تذكّر، وأن البحر يتذكر ما فُعل به، وأننا نخاف من الذاكرة أكثر مما نخاف من النار، وفي تلك الليلة هدأت الأمواج دون أن تنطفئ، وكأن شيئًا اقتنع بأن يكفّ عن الصراخ

قالت امرأة من الحلنقة إن هدارشت لا يحب أن يُسأل عن الله، لأنه يرى أن السؤال نفسه فقد معناه، وكان يقول إن الناس لم يفقدوا الإيمان بل فقدوا القدرة على الإصغاء، وأن الصوت الإلهي لا يغيب بل يختفي تحت ضجيج البشر، وكان يضحك حين يسمع من يتحدث عن القوة، ويقول إن القوة التي تُقال بصوت عالٍ ليست قوة بل خوفٌ يتنكر في هيئة صلابة

كان يسير بين الرعاة الذين يتبعون المطر، ويقول إن المطر لا يأتي من السماء بل من الانتظار، وكانوا لا يفهمون، لكنهم يشعرون أن كلامه يخفف عنهم تعب الطريق، وكان ينام تحت النجوم دون أن يحلم، أو هكذا ظنوا، لأن من لا يراه أحد في الحلم قد يكون هو الحلم نفسه، وكان يقول إن الأرض لا تحتاج إلى من يملكها بل إلى من يفهم صمتها

في أحد الأعوام التي تشبه غيرها، جاءه رجل وقال علّمني كيف أصبح أقوى، فنظر إليه طويلًا وقال تعلّم كيف تبقى، فالقوة تزول أما البقاء فصعب، وقال إن الإنسان لا يحتاج إلى أن يرتفع بل إلى ألا يختفي، وكان الرجل يظن أنه فهم، لكنه بعد سنوات أدرك أنه لم يفهم شيئًا، وأن الجملة كانت بابًا لا يُفتح إلا من الداخل

كان الناس يقولون إن هدارشت يشبه هكذا تكلم زرادشت لكنه لا يشبهه، لأن الأول صعد الجبل ليهرب من الناس، أما هذا فنزل إلى الساحل لأن الناس كانوا يضيعون، وكانوا يقولون إن زرادشت يبحث عن الإنسان الأعلى، بينما هدارشت يبحث عن الإنسان الذي لم يُمحَ بعد، وكان الفرق بينهما مثل الفرق بين الصدى والصوت، كلاهما يسمع لكن أحدهما متأخر دائمًا

في الطرق التي لا تظهر على الخرائط، حيث تتحرك القبائل بين المطر والجفاف، كان اسمه يُقال همسًا، لا خوفًا بل احترامًا، وكانوا يقولون إنه لا ينتمي لقبيلة، أو أنه ينتمي للجميع، وأنه لا يتحدث لغة واحدة، بل يفهم ما بين اللغات، وكان إذا جلس بين الهدندوة تكلموا أكثر، وإذا جلس بين البشاريين صمتوا أكثر، وإذا مرّ على الهوسا بكى أحدهم دون أن يعرف لماذا

في نهاية لم تكن نهاية، اختفى هدارشت كما يظهر، دون إعلان، قال البعض إنه مات، وقال آخرون إنه عاد إلى البحر، وقالت سِماريا إنه لم يذهب بل توقف عن الظهور، وقالت نِجارا إن الأغاني الجديدة لا تذكره لأن وجوده صار بديهيًا، أما تارمشتا فكانت تمشي وتترك أثرين، واحد لها وآخر له، وقالوا إن كِدار لم يعد يظهر في المرايا، لأن من كان يبحث عنه وجد ما يكفيه

ومنذ ذلك الوقت، كلما مرّت حرب ولم تُفهم، أو هدأ نزاع دون سبب، أو بكى رجل بلا حزن، قالوا إن هدارشت مرّ من هنا، ليس ليغيّر شيئًا، بل ليمنع الأشياء من أن تختفي تمامًا، وقالوا إن الرجل لم يكن نبيًا ولا وليًا، بل احتمالًا لم يُهزم، وأنه لم يعلّمهم كيف يعيشون، بل كيف لا يضيعون، وأنه لم يترك وصية، لأن وصيته كانت أن يبقى الصمت مفتوحًا لمن يستطيع أن يسمعه

الترابط السيميائي بين الروايات

هذه ليست سبع روايات، بل سبع لغات لنفس الجملة:

الروايةالعلامة المركزيةالتحول
الجميل الذي في الغبارالجسديتحول إلى ذاكرة
جريمة في قطار الشرقالزمنيتحول إلى دائرة
الشرقانية والمجوسيالعقيدةتتحول إلى شهوة
الصليب والبارودالمقدسيتحول إلى عنف
كعبة الملاحدةالإيمانيتحول إلى فراغ
صبانةالطقسيتحول إلى عبث
هكذا تكلم زراتيشتالحكمةتتحول إلى صمت

تعليقات

المشاركات الشائعة