ر السلام

 
مرثد سحاب عبد الرسول شقلبان كانت ترى الرمل وهو يكتب نفسه على هيئة وجوه تعرفها ولا تعرفها وكانت تقول إن الربع الخالي ليس صحراء بل ذاكرة ممددة تنام فيها أسماء لم تولد بعد وكانت تسمع همسًا يشبه خطى الجنية التي لا تُرى إلا حين يختل توازن الحكاية وكانت تلمس الهواء فتشعر بساق غير مكتملة تمر بجانبها وتترك أثرًا يشبه سؤالًا بلا جواب وكانت تبتسم لأن الخوف هنا لا يأتي من الخارج بل من الداخل حين يتذكر نفسه فجأة
 

دنهل حمودة الكضب كلام جرايد كان يضحك وهو يقرأ الصحف التي لا تصل إلى هذه الأرض ويقول إن الأخبار تموت قبل أن تعبر الرمل وإن الحقيقة الوحيدة هي تلك التي تمشي ليلًا بثوب طويل وتخفي ساقها كأنها تخفي سر الخليقة وكان يرى الحروف تتحول إلى عقارب تمشي على الورق ثم تختفي في جلده وكان يوقن أن الجنية لا تظهر للعين بل للغة حين تتعب من قول الحقيقة

ياغو دنجل رزق الله لم يكن يروي بل يزرع الشك في فم السرد نفسه وكان يجعل الكلمات تلتف حول بعضها حتى تصير حبلًا يختنق به المعنى وكان يقول إن الجنيات لا تكذب بل نحن الذين نكذب حين نبحث عن تفسير واضح لشيء خُلق ليبقى غامضًا وكان يرى أم الدويس تمر في المدن البعيدة كعطر ثقيل يقتل دون أن يلمس وكان يبتسم لأن الرغبة حين تتجمل تصبح فخًا

تمرة الحواتكي كانت تحلب الليل وتسكبه في جرار من طين وتقول إن الزار ليس طقسًا بل باب وأن من يرقص طويلًا قد يخرج من جسده دون أن يموت وكانت تسمع الطبول تأتي من عمق الأرض لا من فوقها وكانت تعرف أن الأرواح لا تسكننا بل نحن من نسكنها حين ننسى أسماءنا وكانت تزرع نخلة في الرمل فتثمر وجوهًا تصرخ بدل التمر

لوليتا عطيل بنجلون المكناسي كانت تكتب رسائل إلى الصحراء من برد الشمال وكانت تقول إن الثلج هو الوجه الآخر للرمل وأن الجنية نفسها تمشي هنا وهناك لكن بثوبين مختلفين وكانت ترى في مكتبة الجامعة ظلال نساء يخرجن من الكتب ويعدن إليها كأن المعرفة نفسها مسكونة وكانت زرهونة الودغيري تضحك وتقول إن الكتب القديمة ليست إلا مصائد للجنينيات التي تعبت من التجوال

زرهونة الودغيري كانت تحفظ أسماء الآبار كما يحفظ العاشق أسماء الحبيبات وكانت تقول إن كل بئر هو عين تنظر إلى الداخل لا إلى السماء وأن الجن الأزرق يسكن هذه العيون لأنه يعرف كيف يعكس الوجه الحقيقي لمن ينظر وكانتا تسيران في ممرات بعيدة عن الشمس وتسمعان وقع خطوات لا تخصهما وكأن التاريخ يلاحقهما بهدوء

أوفيليا فيردي شلولخ الأرنؤوطي كانت ترى الماء في كل مكان حتى في قلب الصحراء وكانت تقول إن الغرق لا يحتاج إلى بحر بل إلى فكرة وأن عيشة قنديشة تمر أحيانًا من هنا متخفية في هيئة ظل يلمع ثم يختفي وكانت تمسك يد زوجها هاملت جمال عبد الرحمن مروان عجباني كأنها تمسك خيطًا يربطها بالعالم قبل أن تنزلق إلى الداخل

هاملت جمال عبد الرحمن مروان عجباني كان يتكلم مع نفسه بصوتين أحدهما يشبهه والآخر يشبه قرينه وكان يقول إن الجن لا يسكنون الكهوف بل العقول التي لا تنام وكان يرى حفاري القبور في حلمه يحفرون في الرمل لا في الأرض ويخرجون جماجم تضحك بدل أن تصمت وكان يعرف أن الموت هنا مجرد انتقال من حكاية إلى أخرى

نوف سلمان الباقر الدوسري كانت تحمل الجبل في صوتها حتى وهي في عمق الصحراء وكانت تقول إن الارتفاع ليس مكانًا بل إحساس وأن الجنية تصعد الجبال لتتذكر كيف كان العالم قبل أن يُبسط كجلد فوق الأرض وكانت تسمع صدى صوتها يعود إليها متغيرًا كأنه صوت امرأة أخرى تحمل نفس الاسم ولا تعيش نفس الحياة

نوف سلمان الباقر الدوسري كانت تحمل الجبل في صوتها حتى وهي في عمق الصحراء، وكأن المرتفعات لا تعيش خارجها بل تسكن في حنجرتها كذاكرة قديمة لا تهدأ، وكانت تقول إن الارتفاع ليس مكانًا بل إحساس يتسلل إلى النبرة حين تنكسر الأرض تحت المعنى، وأن الجنية لا تصعد الجبال لأنها تريد العلو بل لأنها تتذكر كيف كان العالم قبل أن يُبسط كجلد فوق الأرض وتُمحى عنه التجاعيد الأولى للخلق. وكانت تسمع صدى صوتها يعود إليها متغيرًا، كأنه خرج منها ثم عاد مرتديًا ملامح امرأة أخرى تحمل نفس الاسم ولا تعيش نفس الحياة، كأن الهوية نفسها صارت مسافرة بين نسخ متجاورة من الذات.

وكانت نوف، في امتدادها البشري الواقعي، تسكن مدينة أبها في المملكة العربية السعودية، حيث الهواء أكثر ارتفاعًا من الأرض وكأن المدينة نفسها معلقة بين طبقتين من الغيم، لكنها كانت تشعر أن السكن هناك ليس إقامة بل استمرار لصعود لم يكتمل. وكان والدها رجل الأعمال السعودي سلمان الباقر الدوسري، يظهر في ذاكرتها لا كسلطة مباشرة بل كظل ثقيل للنجاح، كجبل آخر غير مرئي يعلّمها معنى الوزن حين يتحول إلى مسؤولية، بينما كانت والدتها العمانية عهد اليعربي تأتي من جهة البحر كحنين مختلف، كصوت مالح يخفف قسوة اليابسة، كأنها توازن بين جبل داخلي وبحر خارجي لا يلتقيان إلا في صوت الابنة.

وفي هذا الامتزاج بين أبها وامتداد عماني بعيد، كانت نوف تشعر أن جسدها ليس مكانًا واحدًا بل خريطة مشطورة بين ارتفاع الجبال ورطوبة السواحل، وأن الجنية التي تتحدث عنها ليست كائنًا خارقًا بل طريقة الذاكرة في عبور الحدود بين ما ورثته من الأب وما حلمت به الأم، وبين ما تقوله الصحراء حين تصمت المدن كلها دفعة واحدة.



نسرين رشاد رمضان الشهبندر كانت تكتب المدينة داخل الصحراء وتكتب الصحراء داخل المدينة وكانت ترى ناطحات الزجاج ككثبان شفافة تتحرك ببطء وكانت تقول إن أم الدويس لا تحتاج إلى ظلام هنا لأن الضوء نفسه صار خدعة وكانت تمشي في الشارع فتسمع وقع حوافر خفية على الإسفلت وتعرف أن الحكاية لحقت بها

كانوا جميعًا يتكلمون دون أن يعرفوا من يبدأ ومن ينتهي وكانت الأصوات تتداخل حتى يصير السرد كائنًا واحدًا يتنفس بهم وكان الربع الخالي يتمدد داخلهم لا حولهم وكانت الجنيات تمر بينهم كأفكار لا كأجساد وتلمسهم فتتغير لغتهم قليلًا كأن كل كلمة تفقد معناها الأول وتكتسب ظلًا جديدًا

في عمان كان البحر يفتح فمه ليلًا ويبتلع الأصوات التي لا تجد من يسمعها وكانت حكايات جن البحر تصعد مع الموج ثم تسقط كأنها تعب من الظهور وكان صياد عجوز يقول إن الماء لا ينسى من دخله حتى لو خرج حيًا وكان ياغو يبتسم لأن النسيان هو الحيلة الوحيدة للبقاء

في اليمن كانت الجبال تنشق عن ممرات ضيقة تقود إلى غرف لا زمن فيها وكانت السعلوة تجلس هناك تنتظر من يمر لتريه وجهه الحقيقي وكان الأطفال يسمعون أسماءهم تُنادى في الليل فيتبعون الصوت ثم يعودون وهم لا يتذكرون شيئًا لكن أعينهم تحمل سرًا لا يُقال

في الإمارات كانت الأبراج تلمع كأنها نجوم هبطت خطأ إلى الأرض لكن تحتها كان الرمل يتحرك ببطء كأنه يتنفس وكان دنهل يقول إن المدن الحديثة ليست إلا قناعًا قديمًا يخفي نفس الخوف وأن أم الدويس تسكن المصاعد الزجاجية كما كانت تسكن الأزقة المظلمة

في السعودية كان الطريق يمتد بلا نهاية وكان من يسير عليه يشعر أنه يدور حول نفسه وكانت حمدة تظهر أحيانًا في منتصف الضوء لا في الظل وكأنها تتحدى فكرة الاختفاء وكانت ترفع ثوبها قليلًا فينكشف السر ثم يختفي قبل أن يُفهم وكان المسافرون يعودون وهم يحملون صمتًا أثقل من الكلام

في السودان كانت طقوس الزار تتصاعد كدخان يرقص وكانت الأجساد تتحول إلى آلات تستقبل ما لا يُرى وكانت تمرة تقول إن هذا ليس استحضارًا بل استدعاء لما هو موجود أصلًا في الداخل وكان الصوت حين يرتفع يفكك الحدود بين الإنسان وما يسكنه

في المغرب كانت عيشة قنديشة تقف عند حافة الماء وتنتظر من يقترب وكانت تضحك بصوت لا يُسمع بل يُشعر به في العظام وكان الرجال يظنون أنهم يقتربون من امرأة بينما هم في الحقيقة يقتربون من أنفسهم في صورتها الأكثر ظلمة

في مصر كانت السعلوة تمر في الحقول وتترك وراءها أثرًا من الخوف وكان الفلاحون يغلقون أبوابهم مبكرًا لكنهم في الليل يرونها في أحلامهم تجلس بجوارهم كأنها واحدة منهم وكانت الحقيقة تختلط بالحلم حتى لا يعود أحد يعرف أين يبدأ هذا وأين ينتهي ذاك

في إثيوبيا كانت الأرواح تُستدعى بالرقص وكانت الأجساد تتكلم بلغة لا تُفهم بالعقل وكانت نسرين تقول إن هذه اللغة هي الأصل وكل ما عداها ترجمة ناقصة وكانوا يرقصون حتى ينسوا أسماءهم ثم يعودون بأسماء جديدة لا يعرفها أحد

كان القرين يسير بجانب كل واحد منهم دون أن يُرى وكان أحيانًا يتقدم خطوة فيظهر للحظة في المرآة ثم يختفي وكان هاملت يعرف أن هذا الكائن ليس آخر بل هو نفسه حين يتجرد من الخوف وكان يحاول أن يواجهه لكنه كان يهرب في كل مرة إلى حكاية أخرى

كانت الحكايات تتكاثر كالكثبان كلما حاولوا عدّها تغيرت أماكنها وكانت الجنيات ليست شخصيات بل طرقًا مختلفة لرؤية العالم وكانوا يدركون أن كل أسطورة هي محاولة لفهم ما لا يُفهم وأن الفهم نفسه قد يكون أكبر وهم

وفي لحظة لا تُعرف بدايتها ولا نهايتها توقف كل شيء قليلًا وكأن الزمن أخذ نفسًا عميقًا وكانت الجنية تمر بينهم دون أن يروها لكنهم شعروا بها جميعًا وكانت تترك في كل واحد منهم أثرًا صغيرًا يشبه بذرة حكاية جديدة

ثم عاد كل شيء للحركة لكن بشكل مختلف قليلًا كأن العالم انزاح درجة عن مكانه وكانوا يتكلمون بنفس الأصوات لكن بمعانٍ أخرى وكانت الصحراء تبتسم دون وجه وكان الربع الخالي يمتلئ بما لا يُرى

وفي النهاية لم يكن هناك نهاية بل استمرار بطيء لحكاية لا تريد أن تنتهي وكانت الجنيات تمشي في اللغة نفسها وتعيد تشكيلها كلما اقتربت من أن تصبح واضحة وكانوا يعرفون أن الوضوح هو الموت وأن الغموض هو الحياة التي لا تنفد


 

 ىتنلااترل

تعليقات

المشاركات الشائعة