رواية : كعبة الملاحدة
6
في مساءٍ باردٍ يشبه الموانئ الدنماركية التي قرأ عنها الشاعر السوداني “ميمو القرطبي” في ترجمات سورين كيركغارد، جلس “لاي الحسيني” داخل مكتب الأمم المتحدة بمدينة القضارف يراجع تقارير النزوح بينما كانت زوجته “تغريد العلي” تضع قهوةً سوداء فوق ملفات تحمل شعارات المجلس الدنماركي للاجئين والمنظمة الدولية للهجرة. كان الليل يهبط على المدينة مثل غرابٍ إسكندنافي ضلّ طريقه إلى سهول السمسم. في التقرير الأخير ظهرت أرقام جديدة عن مخيمات اللاجئين، لكن الأرقام نفسها بدت كأنها أسماء موتى مجهولين. قالت تغريد إنّ الأطفال صاروا يرسمون الخيام على شكل كعبة سوداء بلا أبواب، بينما أخذ لاي يضحك بطريقة هستيرية وهو يقرأ إفادة رجلٍ عجوز أقسم أنّه رأى الملائكة تهبط قرب سوق الشواك وهي ترتدي سترات المنظمات الدولية وتحمل دفاتر تسجيل بدل السيوف. خارج المكتب كانت الكلاب تنبح نحو القمر كأنها تناقش قرارات مجلس الأمن، وكان موظف الحراسة الحبشي يحدّق في شاشة هاتفه حيث تنتشر أخبار التمويل الأوروبي الجديدة كما تنتشر الشائعات عن القيامة في المقاهي الرخيصة. أما ميمو القرطبي فكان يدوّن في مفكرته: “كلُّ منظمةٍ إنسانية تحمل في جيبها سريرًا صغيرًا للشفقة وسكّينًا حادًا للبيروقراطية”.
في زريبة البهائم الواقعة بين مراعي الكواهلة وديار العبابدة والبشاريين بشرق السودان، وقف شيخٌ مهزوم يقرأ مقاطع من بيان المهدوية على رعاة الإبل بينما كانت الأبقار تتغوّط قرب قدميه بلا اكتراث. هناك، تحت شمسٍ تشبه صفارة إنذار، تحوّل الحديث عن الخلاص إلى سوق للمواشي. أحد الرعاة قال إنّ المهدي لو عاد اليوم لاشترى بثًا مباشرًا على الإنترنت بدل الرايات السوداء، بينما أقسم آخر أنّ كتاب تدابير المرسلين يشبه دفتر تعليمات قديم لماكينة زراعية تعطلت منذ قرن. كانت النساء يضحكن خلف حظائر الأغنام، والحمير تنظر إلى الخطباء بعينين فلسفيتين كأنها تعرف عبث التاريخ. في تلك الليلة ظهر درويشٌ نصف عارٍ يدّعي أنّه حفيد غير شرعي لكل الأنبياء، ثم أخذ يوزّع على الرعاة أوراقًا كتب عليها: “الإيمان الذي لا يطعم الجائع مجرد صدى في زريبة”. وعندما هبّت العاصفة الرملية اختلط صوت التهليل بنهيق الحمير وبكاء الجمال، حتى بدا المشهد كله كأنه مناظرة لاهوتية تديرها الطبيعة الساخرة.
أما “ميمو القرطبي” فقد صار يقرأ الخوف والارتجاف داخل الحافلات المهترئة المتجهة من الخرطوم إلى القضارف. كان يعتقد أنّ كيركغارد يشبه راعيًا دنماركيًا فقد قطيعه وسط الثلج ثم قرر أن يؤسس فلسفة كاملة عن القلق. صديقه “أزار عبد الظاهر الغيطاني” كان أكثر تشاؤمًا؛ يقول إنّ الوجودية ليست سوى محاولة أنيقة لتبرير الوحدة. بينما كانت مهندسة الاتصالات “معزة عبد الغفار محمد أحمد المهدي” تجلس داخل مقر زين السودان
تراقب خرائط الأبراج الخلوية كأنها خرائط روحية لعالم يحتضر. كلما انقطع الاتصال في إحدى القرى شعرت أنّ الله نفسه خرج مؤقتًا من الشبكة. كانت معزة تؤمن بأنّ أبراج الاتصالات الحديثة تشبه منارات صوفية معدنية تبث القلق بدل الأذان. ذات مساء قالت لميمو: “كيركغارد لو عاش في السودان لعمل في خدمة العملاء، كان سيشرح للناس معنى اليأس عبر رسائل انقطاع الإنترنت”.
في مكة المكرمة، كان شابٌ يبيع المسابح الإلكترونية قرب الحرم ثم يذهب ليلًا إلى حفلات موسيقية مرخصة من الهيئة العامة للترفيه. يقول لأصدقائه إنّ الإنسان يستطيع أن يرقص ويصلي في الليلة نفسها دون أن ينفجر الكون. وفي أبها كانت فتاة ترسم أجنحة على عباءتها السوداء ثم تصعد إلى الجبال لتغني لمغنٍ دنماركي لا تفهم لغته. أما في ينبع فقد افتتح رجلٌ ستيني مقهى للجاز قرب البحر الأحمر بينما يخبئ في درج مكتبه منشورات قديمة عن المعتقلين السياسيين. الجميع هناك يتحدثون عن الحرية كما يتحدث الصيادون عن حورية بحر بعيدة: جميلة، مستحيلة، وربما غير موجودة أصلًا. وفي جدة كانت الأرصفة اللامعة تستقبل حفلات الموسم الجديدة، بينما يختفي بعض الناشطين بصمت يشبه اختفاء القطط في العواصف البحرية. المدينة كلها بدت مثل امرأة تضع عطراً فرنسياً فوق كدمة قديمة.
في الدمام، جلس شاعرٌ ليبرالي يشرب القهوة مع داعية سابق تحوّل إلى مؤثر في تطبيقات الترفيه. كانا يتجادلان حول معنى الحرية بينما تمر سيارات فارهة مزينة بأضواء الحفلات الحديثة. وفي القصيم كانت امرأة خمسينية تتعلم الرقص الإسباني سرًا داخل مزرعة نخيل، ثم تعود لتشرح لبناتها أحكام الطهارة من كتابٍ أصفر قديم. كل شيء هناك بدا كأنه يعيش انفصامًا ناعمًا بين الماضي والمستقبل. أما حيّ الخزامى فقد كان يشبه جزيرة زجاجية للأثرياء؛ في قصر المستثمر “فيصل الباقر الدوسري” كانت زوجته السودانية “خديجة مروان عجباني” تنظّم أمسيات ثقافية تختلط فيها القهوة العربية بموسيقى الجاز وبأحاديث رجال الأعمال عن التراخيص الجديدة للحفلات والمهرجانات. لكن الخدم الإثيوبيين في المطبخ كانوا يتهامسون عن ناشط اختفى بعد تغريدة ساخرة. قالت خديجة ذات ليلة: “الحرية هنا تشبه ثوب السهرة، جميلٌ لكنه لا يُلبس إلا داخل القاعات المغلقة”.
وفي الفصل الأخير من تلك الليلة السريالية، ظهر ملحدٌ عجوز داخل مقهى مهجور بالقضارف يضع حول عنقه مرآة صغيرة بدل الصليب. كان يقول إنّ البشر اخترعوا الآلهة لأنهم خافوا من رؤية تصدعاتهم الداخلية. حوله جلس شبان يقدّسون ذواتهم المكسورة كما لو أنّ النرجسية دينٌ حديث. أحدهم عبد جسده في صالة رياضية حتى صار يشبه تمثالًا رومانيًا، لكنه بكى حين هجرته حبيبته. فتاة أخرى أعلنت إلحادها في مقاطع مصورة ثم ظلت ترتجف ليلًا خوفًا من صوت الرعد. أما الشاعر ميمو القرطبي فقد كتب على جدار المقهى: “أخطر أنواع الإلحاد أن يتحول الإنسان إلى معبوده الشخصي”. عند الفجر، دخلت قطة عرجاء وجلست فوق نسخة محترقة من كتاب فلسفي دنماركي، بينما كان المؤذن يرفع الأذان من مسجد بعيد كأنه يأتي من قارة أخرى، وحينها فقط شعر الجميع أنّ كعبة الملاحدة لم تكن بناءً من حجر، بل قلبًا بشريًا ضائعًا يبحث عن يقينٍ مستحيل وسط ضباب العالم.

تعليقات
إرسال تعليق