عائلة طقشندار طابوق

 

 

كانت الأفرانُ تشتعلُ كأنّها آلهةٌ سومريةٌ جائعة، بينما يصعدُ الدخانُ فوق الحقول مثل صلاةٍ سوداء لا يسمعها أحد.
الرجالُ الخارجون من الطين بدوا كتماثيلَ نصفَ محترقة، يضحكون بأسنانٍ مغبّرة ويشتمون الشمسَ التي لم تتعلّم الرحمة بعد.
في الساحات الممتدة خلف المكابس كانت الطابوقاتُ مصطفّةً مثل قبورٍ صغيرة لجنودٍ مجهولين، وكلُّ قالبٍ يحملُ بصمةَ يدٍ فقيرةٍ لا يذكرها التاريخ.
النساءُ يبعن الشاي قرب أكوام الرمل، والريحُ تدور حولهنّ ككلابٍ عطشى، فيما تهتزُّ الشاحناتُ المحمّلة بالطين على الطرقات الترابية كأنّها في طريقها إلى حربٍ قديمة.
وعند المغيب، حين يبرد الحديد قليلًا، كان العمّال يسمّون السماء:
“سقفَ الفرن الكبير”.

 

  السيدا

 

كانت عائلةُ “طقشدار طابوق” تبدو، في ذاكرة القادمين من تخوم السودان والحبشة والخليج، كأنّها عائلةٌ خرجت من شقٍّ قديم في جدار التاريخ، لا من نسبٍ واحدٍ واضح.
فالاسم نفسه — طقشدار — كان يثير ارتباك النسّابين؛ بعضهم يرده إلى أصولٍ تركستانية عبر قوافل طشقند القديمة، وآخرون يقولون إن الجدَّ الأعلى كان بنّاءً جوّالًا جاء مع البنائين العثمانيين إلى سواحل العراق ثم استقر زمنًا قرب أفران الطابوق في النهروان، قبل أن تبتلعه خرائط الهجرة الكبرى نحو السودان.
لكن الجدة مفيدة كانت تضحك كلما سألها أحد عن الأصل الحقيقي وتقول:
“نحن أولاد الطين الذي سافر كثيرًا”.

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، حين كانت مدن الخليج تخرج من الرمل مثل معجزة إسمنتية، وصلت السيدة السودانية “مفيدة طشقندار طابوق” إلى سلطنة عمان بصحبة عائلة المربي الجليل “مطر التجاني سلام التلمساني”.
كانت تحمل حقيبةً جلدية خضراء تفوح منها رائحة الكتب السودانية القديمة، ومصحفًا صغيرًا ورثته عن أمها في القضارف، ودفتراً تكتب فيه أسماء المدن التي حلمت بزيارتها يومًا:
عبري، نزوى، الجهراء، بنزرت، دنقلا، والموصل.

في عبري كانت مدرسة “ضرار بن الأزور الإعدادية للبنات” تبدو آنذاك كقلعةٍ صغيرة مطلية بالجير الأبيض، تحاصرها الجبال الجافة وأشجار السمر والغبار الذهبي القادم من عمق الصحراء.
هناك، كانت مفيدة تُدرّس اللغة العربية بصوتٍ رخيم يجعل البنات يعتقدن أن المتنبي كان بدويًا عُمانيًا ضلّ طريقه إلى الكوفة.
كانت تكتب القصائد على السبورة ثم تشرح النحو كما لو أنها تحكي أسطورة.
وحين تنتهي الحصة، تبقى بعض الطالبات قرب النوافذ فقط لسماع لهجتها السودانية وهي تقول:
“اللغة يا بناتي ليست كلامًا… اللغة بيتٌ نسكنه”.

أما زوجها، المهندس التونسي “عوكل الطوبجي”، ابن بنزرت، فقد كان رجلًا طويلًا بلحيةٍ خفيفة وعينين بلون الطين بعد المطر.
جاء إلى عمان عبر سلسلةٍ معقدة من المصادفات البحرية؛ عمل أولًا في مرافئ صفاقس، ثم في ورش البناء بالكويت، قبل أن تستدعيه شركة مقاولات خليجية للإشراف على مصنع للطابوق والإنترلوك في عبري.
وكان العمّال العُمانيون يسمّونه:
“الرجل الذي يفهم لغة الطين”.

يقول بهسار، الابن الأكبر، إن المصنع لم يكن مجرد مصنع.
بل مدينةٌ سحرية من الدخان الأحمر.
كانت أفران الطابوق تشتعل ليلًا كأنها براكين صغيرة، فيما تصطف القوالب تحت الشمس مثل جنودٍ طينيين ينتظرون حربًا لن تقع أبدًا.
وكان عوكل الطوبجي يمشي بين العمال بقبعته البيضاء، يلمس الطابوقة بيده ثم يعرف إن كانت “ناقصة الشيّة” أو “مفخورة كما ينبغي”، حتى ظنّ البعض أنّ في دمه سرًّا فينيقيًا قديمًا.

أما فخر الدين وشقيقه نور الدين، فقد حملا في طفولتهما تلك الفوضى العرقية الجميلة التي صنعت العائلة:
شيء من السودان،
شيء من تونس،
شيء من التركستان البعيدة،
وشيء من لهجات الخليج التي كانت تتسلل إلى البيت عبر الجيران والراديو وأغاني البحر.

وفي أمسيات الشتاء العُماني، كانت مفيدة تجمع أبناءها قرب صينية الشاي وتروي لهم حكايات مذهلة عن جدّهم الغامض الذي قيل إنه هرب من آسيا الوسطى داخل قافلة تجارٍ فارسية، وعن امرأة حبشية كانت تغني للطوب قبل إدخاله الفرن كي “لا يتشقق قلبه من النار”.
وكان الأطفال يصدقون كل شيء.

وحين غادرت العائلة عمان إلى الكويت في أواخر الثمانينيات، شعر عوكل الطوبجي كأنه يقتلع جذور فرنٍ كامل من الصحراء.
لكن الكويت استقبلتهم برائحة البحر والديزل والخرسانة الحديثة.
وفي الجهراء وُلدت “مزنة”، آخر العنقود، سنة 1990م، أثناء ليلةٍ عاصفة قالوا إن السماء أمطرت فيها طينًا خفيفًا بدل المطر.

وكانت مفيدة تقول دائمًا إن مزنة ليست طفلة عادية، بل “ابنة الأفران المهاجرة”.
فكلما مرت قرب ورشة بناء هدأت، وكلما سمعت صوت شاحنة تنقل الطابوق نامت بسرعة، كأن ذاكرتها الأولى تشكلت داخل مصنع قديم في عبري.

أما صبحان، فقد ورث من أبيه هوس القوالب والخرسانة، لكنه كان أكثر أفراد الأسرة غرابة؛
كان يجمع قطع الإنترلوك المكسورة ويرتبها في فناء البيت على هيئة خرائط لمدنٍ خيالية، ثم يقول لإخوته:
“هذه طشقند التي لم نرها… وهذه بنزرت تحت المطر… وهذه عبري حين كانت أمّي تشرح المعلقات للبنات”.

وحتى اليوم، حين يجتمع أبناء مفيدة طشقندار طابوق في المنافي المتباعدة، لا يتذكرون الثروة أو البيوت أو الوظائف أولًا، بل يتذكرون:
رائحة الطين الساخن قرب المصنع،
صوت أمهم وهي تقرأ الشعر في الليل،
شاحنات الطابوق العابرة للصحراء،
والأب التونسي الذي كان يربت على الجدران الجديدة كما لو أنه يطمئن على كائناتٍ حيّة خرجت لتوّها من النار.
 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة