تدابير المرسلين - رجل من أقصى المدينة
في صباح الحا
***
في الليلة التي انطفأت فيها مآذن القضارف دفعةً واحدة، كان حبيب النجار يمشي فوق ظله كأن الأرض لم تعد تتسع لخطواته. النسوة اللواتي بعن اللبن قرب السكة الحديد أقسمن أنهن رأين حمامتين زرقاوين تخرجان من جيبه الداخلي، ثم تتحولان إلى خريطتين قديمتين للمدينة. وحده الكمساري الأعمى كان يعرف أن الخرائط لا تقود إلى الأمكنة، بل إلى الندوب التي تركها الأنبياء المؤقتون على جلود العابرين. كانت الرائحة تشبه قمحاً احترق داخل إنجيل مبلل بمياه الخريف، فيما ظل طفل مجهول يكتب على جدار المحكمة: “كل رسولٍ يتأخر قليلاً عن موته”.
في الصباح الذي اختفت فيه ظلال الأشجار من حي البرنو، خرج القوني منصور مرتدياً جلباباً مصنوعاً من أوراق الجرائد القديمة. كان يقرأ الأخبار بصوت مرتفع للقطط، بينما الجنود الذين عبروا الحدود ليلاً يفتشون عن امرأة اسمها “سندس القيامة”. قيل إنها تحفظ في ضفيرتها أسماء القرى التي محتها الحرب، وقيل أيضاً إنها زوجة مؤذنٍ مات واقفاً وهو يردد سورة الرحمن فوق سطح بنك منهوب. العجائز كنّ يقلن إن المرسلين الحقيقيين لا يأتون من السماء، بل من الخرائب التي تنسى الدولة إحصاءها.
كلما هطلت الأمطار فوق القضارف، كانت الأرصفة تُخرج عظاماً صغيرة تشبه أصابع الأطفال. لم يعرف أحد إن كانت بقايا بشر أم بقايا ملائكة طُردت من الخدمة بسبب أخطاء لغوية. بائع الطعمية قرب السوق الكبير أقسم أنه رأى عبد المعين بسيسو يحمل قفصاً مليئاً بالغربان البيضاء ويهمس لها بأسماء الرؤساء الذين سيختفون قريباً. الغربان بدورها كانت تضحك بصوت نسائي مكتوم، كأن المدينة نفسها بدأت تفقد الفرق بين النبوءة والنكتة السوداء.
في غرفة ضيقة داخل خلوة مهجورة، كانت امرأة حبشية تُدعى مريم بنت الزئبق تخيط قمصاناً للأطفال من ستائر الفنادق القديمة. كل قميص كانت تطرز داخله آية ناقصة، ثم تبكي كأنها نسيت بقية الوحي في مكان بعيد. حين سألها عمورة الكلداني عن سر تلك الثقوب الصغيرة قرب الأزرار، قالت إن الرصاص حين يمر عبر أجساد الأبرياء يترك منافذ للريح، وإن الريح وحدها تفهم معنى النجاة.
لم يكن أحد يصدق أن رامزفيلد البربري يستطيع الحديث مع الأشجار، لكنه مساء الخميس جلس تحت شجرة نيم قرب المقابر وأخذ يفاوضها بشأن أرواح الموتى الذين ازدحمت بهم المدينة. كانت الشجرة تطلب ماءً أكثر، بينما كان هو يطالبها بإرجاع أصوات النساء اللواتي اختفين في الحرب. المارة اعتقدوا أنه مجنون، غير أن الشجرة أسقطت فجأة سبع ورقات سوداء كأنها توقيعات سرية على معاهدة بين الغبار والقيامة.
في محطة البصات السفرية جلس رجل بلا أذنين يبيع ساعات متوقفة منذ عام 1989. كان يقول للمسافرين إن الزمن في السودان مات منذ زمن طويل، وإن ما يحدث الآن مجرد إعادة تمثيل رديئة لحلم قديم. امرأة جاءت من سنار اشترت ساعة بلا عقارب، ثم وضعتها فوق قلبها وراحت تبكي. أحد الجنود سخر منها، لكن الساعة نفسها أطلقت صوت أذان بعيد جعل الجنود يتراجعون كأنهم تذكروا فجأة أسماء أمهاتهم.
المدينة التي كانت تعرف باسم القضارف بدأت تتبدل ليلاً إلى مدينة أخرى لا يراها إلا الساهرون والمجانين واللاجئون. في تلك النسخة الموازية كانت الأبقار تتجول داخل المساجد، وكانت إشارات المرور تومض بآيات من سفر أيوب. حتى الهواء صار يتحدث بلهجة غريبة تشبه مزيجاً من الجعزية واليونانية القديمة. وحدها زنوبة الدحيش فهمت الرسالة حين رأت سمكة معلقة على باب دكان مغلق، فعرفت أن المرسلين عادوا متأخرين جداً.
في حوش المدرسة المهجورة جلس طفل يكتب أسماء القتلى على دفاتر الرياضيات. كلما انتهى من اسم، تحولت الصفحة إلى سرب جراد أخضر يطير نحو الحدود الإثيوبية. المعلم القديم الذي فقد ذاكرته في القصف ظل يراقب المشهد بصمت، ثم قال إن الحساب الحقيقي ليس جمع الأرقام، بل جمع الأرواح التي بعثرتها المدافع. بعدها نام فوق التراب وابتسم كأنه أخيراً تذكر شيئاً مهماً.
كان سويلم البريمي يحمل حقيبة مليئة بالمفاتيح الصدئة ويتنقل من بيت إلى آخر بحثاً عن الباب الأخير. يقول إن كل مدينة تملك باباً سرياً إذا انفتح عادت الأرواح إلى أصحابها. النسوة سخرن منه، لكنهن كن يخبئن صور أبنائهن المفقودين داخل جيوبه حين لا ينتبه. ذات مساء فتح أحد المفاتيح خزانة قديمة داخل بيت مهجور، فانطلقت منها أسراب فراشات سوداء تحمل رائحة المستشفيات العسكرية.
في السوق الشعبي ظهرت امرأة ترتدي ثوباً أخضر مصنوعاً من خرائط السكك الحديدية القديمة. كانت تبيع للناس أحلاماً صغيرة داخل زجاجات دواء فارغة. من يشرب حلمه يرى مستقبله لدقائق قليلة ثم يفقد القدرة على الكلام يوماً كاملاً. رجل اشترى حلماً ورأى نفسه يُدفن حياً تحت شجرة مانجو، بينما رأت فتاة صغيرة مدينة كاملة تغرق في بحر لم يكن موجوداً على الخرائط. وحده الأطرش فهم ما كانت تقوله المرأة، لأن الأحلام غالباً تخاطب الذين لا يسمعون جيداً.
القوني منصور، الذي كان يظنه الجميع شيخاً عادياً، بدأ يخرج ليلاً حاملاً فانوساً أزرق يتبعه سرب من الكلاب العرجاء. كان يطرق أبواب البيوت ويطلب قليلاً من الملح. الذين أعطوه الملح استيقظوا في اليوم التالي وقد اختفت تجاعيد وجوههم، أما الذين رفضوا فقد رأوا في نومهم قطارات طويلة تحمل توابيت بلا أسماء. المدينة بدأت تفهم أن البركة أحياناً تشبه اللعنة، وأن المرسلين لا يأتون دائماً بثياب بيضاء.
في ظهيرة خانقة جلس عبد المعين بسيسو قرب بئر قديم وأخذ يقرأ رسائل مجهولة وصلت من مدن لم يعد لها وجود. الرسائل كانت مكتوبة بحبر أحمر يشبه الدم المجفف، وتحمل توقيع “الناجون مؤقتاً”. كل رسالة تحكي عن مدينة التهمت أبناءها ثم اعتذرت لهم بعد خرابها بسنوات. لكنه حين وصل إلى الرسالة الأخيرة، اكتشف أنها مكتوبة بخطه الشخصي، رغم أنه لا يتذكر أنه كتبها.
على أطراف المدينة ظهر رجل قصير يبيع مرايا لا تعكس الوجوه، بل الذكريات التي حاول الناس دفنها. امرأة نظرت في مرآته فرأت نفسها تركض بين النيران حاملة رضيعاً بلا ملامح. شاب آخر رأى والده المفقود يجلس في مقهى قديم يشرب الشاي مع جنود أموات. أما محروسة الإمام بخت الرضا فقد رأت القضارف كلها معلقة داخل عين جملٍ ضخم يسير ببطء نحو الصحراء.
كل مساء كانت قطارات وهمية تمر قرب حي القلعة دون أن يراها إلا السكارى والمتصوفة. صوتها يشبه بكاءً معدنياً طويلاً، ونوافذها مليئة بوجوه شاحبة تلوح للمارة. قيل إن تلك القطارات تحمل الذين ماتوا دون أن يجدوا قبوراً، وإنها تبحث عن محطة أخيرة خارج الخرائط. ذات ليلة قفز إليها شاب يائس، وفي الصباح وجدوه نائماً قرب الترعة ممسكاً بتذكرة مكتوب عليها: “العودة مستحيلة”.
في إحدى الليالي دخلت الرضية على موسى إلى مطبخها فوجدت دجاجة سوداء تبيض خرائط عسكرية بدلاً من البيض. كل خريطة كانت تشير إلى قرية ستحترق قريباً. حاولت إحراق الأوراق لكن النار رفضت أن تلتهمها، فدفنتها تحت شجرة ليمون. بعد أسبوع احترقت القرية نفسها، بينما أثمرت الشجرة ثماراً مرة تشبه القلوب اليابسة.
كان حبيب النجار يسمع أصواتاً تخرج من جدران الخلوة ليلاً. الأصوات تتحدث عن مدينة تحت الأرض يسكنها الذين لم تعترف الدولة بوفاتهم. هناك، كما قالت الأصوات، يجلس الموظفون المنسيون والجنود المجهولون وباعة التسالي في مقاهٍ مضاءة بالفحم ويتبادلون أخبار الأحياء بسخرية مريرة. وحين حاول إخبار الناس بما سمع، اتهموه بالهذيان، مع أن الجدران نفسها بدأت تتنفس ببطء كصدر عجوز متعب.
في المقهى القريب من السوق جلس رجل إثيوبي يبيع خرائط للسماء بدلاً من الأرض. كان يؤكد أن النجوم تغيّر أماكنها كلما اندلعت حرب جديدة في السودان. الزبائن ضحكوا منه أول الأمر، لكنهم حين رفعوا رؤوسهم ليلاً وجدوا نجمة ضخمة تهبط ببطء نحو أطراف المدينة، كأن السماء نفسها تريد النزوح.
جنقبيز أم دبيلو كان يحمل مذياعاً قديماً يلتقط إذاعات لم تعد موجودة. ذات مساء خرج من المذياع صوت امرأة تبكي باللغة الروسية ثم تتحول فجأة إلى أغنية حقيبة سودانية. بعد دقائق أعلن المذيع موت مدينة كاملة دون أن يذكر اسمها. الناس التفوا حوله مذعورين، لكن المذياع انفجر مطلقاً سحابة من رائحة البن المحروق.
في حي الوحدة كانت هناك امرأة تنام داخل حافلة قديمة منذ عشر سنوات. يقولون إنها كانت تنتظر زوجها الذي خرج ليشتري الخبز أثناء انقلاب قديم ولم يعد. كل ليلة ترتب المقاعد كأن الركاب سيصلون قريباً، ثم توزع على الأشباح تذاكر ورقية. الأطفال أحبوا الحافلة لأنها كانت تتحرك أحياناً وحدها عند الفجر، كأنها تتذكر الطرق التي نسيتها المدينة.
حين اشتدت المجاعة، بدأت النسوة يطبخن الحصى مع البصل حتى يخدعن بطون الأطفال. لكن حجراً واحداً فقط كان يتحول دائماً إلى قطعة لحم حقيقية. قال القوني منصور إن ذلك الحجر مرّ ذات يوم في جيب نبي جائع. منذ تلك الليلة صار الناس يتقاتلون على امتلاك الحجر، بينما ظل الأطفال وحدهم يعرفون أن المعجزات تخاف من الطمع.
في غرفة الأرشيف داخل مبنى حكومي مهجور اكتشف موظف عجوز ملفاً يحمل اسمه الشخصي، رغم أنه لم يمت بعد. الملف يحتوي على تقرير كامل عن جنازته، وعدد المعزين، وحتى نوع البكاء الذي ستطلقه زوجته. أمضى الرجل الليل كله يحاول تمزيق الأوراق، لكنها كانت تعود سليمة كلما مزقها. عند الفجر اختفى الموظف، ولم يجدوا سوى حذائه قرب ماكينة تصوير معطلة.
كلما اقتربت الحرب من المدينة، ازدادت أعداد الباعة الذين يبيعون الطيور. العصافير نفسها كانت تبدو خائفة، كأنها تعرف شيئاً لا يعرفه البشر. ذات مرة فتح طفل قفصاً فانطلقت الطيور دفعة واحدة نحو السماء، لكنها لم تبتعد؛ ظلت تدور فوق القضارف في حلقات واسعة تشبه طوافاً جنائزياً فوق مدينة تحتضر ببطء.
في الليلة التي سبقت الفيضان، حلمت زنوبة الدحيش بأن النيل الأزرق خرج من مجراه وصعد السلالم حتى وصل إلى سريرها. الماء كان يتحدث بصوت أبيها الراحل ويطلب منها أن تخبئ الكتب قبل أن تصل النار. حين استيقظت وجدت الأرض مبتلة فعلاً، رغم أن المطر لم يهطل منذ أسابيع. عندها فقط فهمت أن الكوارث الكبرى تبدأ دائماً كإشاعة يطلقها النوم.
أما المدينة نفسها، فقد كانت تراقب الجميع بصمت هائل يشبه صمت الأنبياء بعد انتهاء المعجزات. النوافذ المغلقة، الأشجار اليابسة، القطارات الصدئة، وحتى الكلاب الضالة؛ كلها كانت تشارك في كتابة فصل خفي من “تدابير المرسلين”. فصل لا أحد يعرف نهايته، لأن الراوي نفسه اختفى ذات مساء، تاركاً مخطوطته فوق مقعد مكسور في مقهى مهجور، بينما كانت الريح تقلب الصفحات وحدها كأنها تبحث عن ناجٍ أخير.

تعليقات
إرسال تعليق