الرواية الكندية

ثمار مح

***

علينا التذكير دائما  بما  حين يكون من المناسب التحدث بكل شفافيية و وضوح  عن   للمقارنة بين واقع و حاضر و مستقبل الزراعة في القضارف و جمهورية كندا .  هل تراني تجهلت  ام ان     ؟   في دفاتر المشروع السوداني–الكندي القديمة كان ثلاثة مهندسين زراعيين كنديين يكتبون أسماءهم على أكياس التقاوي أكثر مما يكتبونها على جوازات السفر. كان الأول يُدعى إيثان موراي القادم من سهول ساسكاتشوان، والثاني جوليان روس القادم من ألبرتا، والثالثة مهندسة نباتات اسمها إليزابيث غرين جاءت من مانيتوبا. كانوا يقولون إن سهول البراري الكندية تشبه شيئًا من القضارف، لكنهم بعد سنوات اكتشفوا أن القضارف ليست سهولًا فقط، بل ذاكرة تمشي فوق الطين الأسود وتنام داخل الخيران الموسمية. تقع القلابات على الحدود الإثيوبية وسط منطقة زراعية واسعة اشتهرت بإنتاج الحبوب والسمسم منذ توسع الزراعة الآلية في القرن العشرين.

في إحدى ليالي الخريف عند تخوم القلابات رأى إيثان الجرارات مصطفة تحت المطر كأنها فيلة معدنية مهاجرة من كندا. كان العمال ينامون قرب أكوام السمسم بينما ترتفع أصوات الضفادع من الخيران الممتلئة بمياه الهضبة الإثيوبية. أخبره شيخ عجوز أن كل حفرة ماء في المنطقة تسكنها امرأة من طين اسمها "أم السنين الخضر"، تظهر للمزارعين عندما يقترب الجفاف. ظل إيثان يضحك من الحكاية حتى وجد صباحًا آثار أقدام بشرية هائلة وسط الحقل لا تشبه آثار أحد. منذ ذلك اليوم صار يقيس الرطوبة في التربة ويقيس معها احتمالات ظهور الأسطورة. كان يقول إن الأقمار الصناعية الكندية تعرف نسبة النيتروجين في الأرض لكنها لا تعرف أسماء الأرواح التي تحرس المطر.

كان جوليان يقود سيارته بين قرى القلابات الغربية في موسم الحصاد حين أخبره أحد السائقين أن الأشجار الكبيرة ليست أشجارًا أصلًا بل مزارعون قدامى تحجروا وهم ينتظرون المطر. عند الغروب رأى جذعًا ضخمًا يفتح عينيه للحظة ثم يعود خشبًا صامتًا. بعد سنوات ظل مقتنعًا أن الأشجار هناك تحفظ أصوات المواسم القديمة داخل أليافها. كلما سمع في كندا هدير حاصدة حديثة تعمل بالذكاء الاصطناعي تذكر تلك الأشجار التي كانت تتنبأ بالحصاد عبر حفيف الأوراق لا عبر الحساسات الرقمية. كانت المقارنة تربكه: في كندا تخبرك الخوارزمية متى تزرع، أما في القضارف فيخبرك لون الغبار القادم من الجنوب.

أما إليزابيث فقد كانت مهووسة ببذور السمسم. كانت تجمعها كما يجمع علماء الآثار العظام القديمة. ذات صباح في إحدى القرى القريبة من القلابات الشرقية أخبرتها امرأة أن كل بذرة سمسم تحمل روح موسم كامل. ضحكت أولًا، لكنها حين وضعت آلاف البذور داخل غرفة التخزين سمعت ليلًا همسات متداخلة تشبه أصوات الأسواق والعمال والشاحنات والأطفال. فتحت الأكياس فلم تجد شيئًا سوى البذور. منذ ذلك الحين أصبحت تؤمن أن المحاصيل ليست نباتات فقط بل أرشيفات سرية للناس الذين زرعوها. وتشير تقارير الزراعة في القضارف إلى أن السمسم ظل أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية في المنطقة لعقود طويلة.

وفي موسم أمطار استثنائي عبر الثلاثة نحو قرى صغيرة جنوب القلابات. هناك أخبرهم راعٍ إثيوبي أن الخور الذي يمر قرب الحدود لا يجري بالماء فقط، بل يحمل ذكريات القرى التي اختفت. كانوا يرون في الليل أضواء بعيدة تتحرك فوق السهول ثم تختفي فجأة. قال الراعي إنها ليست مصابيح بل أرواح مواسم قديمة تبحث عن حقولها الضائعة. وقف المهندسون فوق الطين الأسود المبلل وأدركوا أن تضاريس القضارف لا تُقرأ بالخرائط وحدها. فالخيران، والتلال الصغيرة، ومسارات الرعاة، والحدود المفتوحة على الهضبة الإثيوبية تشكل طبقات خفية من التاريخ الزراعي والاجتماعي للمنطقة. وتشتهر الولاية أصلًا بسهولها الطينية الواسعة وخيرانها القادمة من المرتفعات الإثيوبية.

بعد سنوات من العمل صار إيثان يقارن بين حقل قمح في كندا وحقل سمسم في القضارف كما يقارن بين كتابين مكتوبين بلغتين مختلفتين. في كندا كانت الطائرات المسيّرة ترسم خرائط الأمراض النباتية فوق ملايين الأفدنة، بينما كان بعض المزارعين في القلابات ما يزالون يقرأون اتجاه المطر من حركة الطيور وطبقات السحاب. لكنه لم يعتبر ذلك تأخرًا بل نوعًا آخر من المعرفة. كان يقول إن الزراعة الكندية تمتلك ذاكرة إلكترونية، أما الزراعة في القضارف فتمتلك ذاكرة بشرية متوارثة تمشي بين الأجيال مثل أغنية قديمة.

وفي إحدى الليالي ظهر لهم رجل غريب قرب مخزن للمحاصيل. كان يرتدي معطفًا شتويًا كنديًا رغم حرارة الخريف السوداني. أخبرهم أنه جاء من المستقبل، من عام لا تُزرع فيه الحقول بالبشر تقريبًا. كانت الجرارات تقود نفسها، والطائرات المسيّرة تزرع البذور، والذكاء الاصطناعي يتنبأ بالمواسم قبل سقوط المطر بأسابيع. قال إن كندا وصلت إلى تلك المرحلة أولًا، لكن القضارف ستصل إليها بطريقتها الخاصة عندما تلتقي خبرة المزارعين القديمة مع التقانات الجديدة. وحين سألته إليزابيث عن اسمه اختفى تاركًا خلفه بذرة سمسم سوداء مضيئة كأنها نجمة صغيرة.

وفي آخر زيارة لهم قبل مغادرة السودان صعد الثلاثة تلًا صغيرًا يطل على السهول الممتدة نحو الحدود. كانت الحقول تتلألأ بعد المطر، والقرى تبدو كجزر طينية وسط بحر أخضر. قال جوليان إن مستقبل الزراعة الكندية سيظل قائمًا على القمح والكانولا والأنظمة الرقمية الدقيقة، بينما قد يصبح مستقبل القضارف قائمًا على السمسم والذرة والمحاصيل الزيتية المدعومة بالاستشعار عن بعد والطائرات الزراعية والبيانات المناخية. ثم سكت طويلًا وأضاف أن الفرق الحقيقي ليس في نوع المحصول ولا في الآلة، بل في أن الإنسان ما زال في القضارف يسمع الأرض مباشرة. عندها هبت ريح قوية من جهة الهضبة الإثيوبية، وحملت معها رائحة طين ومطر وسمسم، فشعر الثلاثة أن السهول كلها تتحول إلى كتاب ضخم مفتوح، وأن الجرارات والقرى والخيران والأساطير ليست سوى سطور متشابكة في رواية زراعية لا تزال تُكتب حتى الآن.

***

 

 

 

***

تعليقات

المشاركات الشائعة