حواكير التين الشوكي
التحول ا
" والهة و دتكتوك البطحاني "
في السنة التي أُغلقت فيها آخر نافذة على البحر الأحمر، كانت شاحنات آل البطحاني تمضي بلا سائقين، كأنّ الطريق نفسه صار كائناً معدنياً يحفظ أسماء السلع أكثر مما يحفظ أسماء البشر. قالت والهة و دتكتوك البطحاني، وهي تنظر من شرفة بيتها المتآكل في ضاحيةٍ أكلتها الرمال: إنّ الخراب لم يبدأ بالحرب، بل بدأ يوم صار الناس يضحكون على كل شيء. يوم تحوّلت المأساة إلى مقطع راقص على شاشات العابرين. وكانت تؤكد أنّ جسر بنات سدوم لم يُبنَ فوق النهر، بل فوق ذاكرةٍ ميتة، وأنّ أول من عبره لم يكونوا الجنود بل المهرجون. وفي الليل، كانت تسمع أصوات نساء يبعن الملح على ظهور الحمير قرب حواكير التين الشوكي، وحين تقترب منهنّ، تكتشف أنّ وجوههنّ بلا أفواه، وأنّ الضحك يخرج من ثقوب أعناقهنّ مثل صفير الريح في المواسير الصدئة.
أما الدكتور هاني المفتي فكان يعتقد أنّ البحر الميت تمدّد حتى وصل إلى الخرطوم دون أن يراه أحد. قال ذلك في محاضرته الأخيرة داخل جامعة مهجورة تحوّلت قاعاتها إلى مخازن للبطاطين الفاسدة. كان يشرح لطلابه القلائل أنّ أهل سدوم الجدد لا يعاقَبون بالنار، بل بالفراغ. وأنّ الإنسان بعد 2030 صار يفقد ظله تدريجياً كلما كذب أكثر. وفي إحدى الليالي، عثر عليه حارس الجامعة جالساً وسط بركة ماء سوداء يحدّق في انعكاسه، بينما نصف وجهه فقط يظهر فوق السطح. وحين سأله الحارس عمّا يفعل، قال: أبحث عن الجزء الذي باعته روحي لشركات الإعلانات. ثمّ اختفى في الصباح، ولم يبقَ في مكتبه سوى سمكة مالحة معلّقة بخيط أخضر ورسالة قصيرة تقول: “الجسر لا يؤدي إلى الضفة الأخرى، بل إلى النسخة الأخرى منك.”
كانت ريما الرميثي ترسم المدن كما لو أنّها أعضاء بشرية متعفنة. في مرسمها بالإسكندرية، علّقت لوحة ضخمة لبورتسودان وقد تحوّل ميناؤها إلى فم امرأة عجوز يبتلع الشاحنات القادمة من القضارف. وكانت تقول إنّ البحر الأحمر صار يتقيأ الحديد منذ سيادة ثقافة التفاهة. كلّ ليلة، كانت تسمع من نافذتها أصواتاً تأتي من جهة المتوسط، أصوات نساء ينادين أسماءً سودانية قديمة: “حبوبة… بتول… نائلة…” ثمّ تختفي الأصوات مع الفجر. وحين زارت جسر بنات سدوم لأول مرة، رأت أطفالاً يبيعون أجنحة عصافير مقلية للمارّة. أحد الأطفال أخبرها أنّ الناس هنا يأكلون الطيور حتى يتعلموا الطيران أثناء السقوط. وعندما عادت إلى الفندق، وجدت أنّ كلّ لوحاتها قد امتلأت بعيون مفتوحة تنظر نحو سقف الغرفة وكأنّها تنتظر طوفاناً جديداً.
في مانهاتن، كانت كارمين عمورة الكلداني تصنع أفلاماً عن المدن التي تموت وهي تضع أحمر الشفاه. قالت في مقابلة تلفزيونية إنّ نيويورك تشبه امرأة من سدوم ترتدي فستاناً من الأضواء. لكنها لم تخبر أحداً أنّها كلما نامت، حلمت بجسر طويل يمتد من بروكلين إلى البحر الميت مباشرة. كانت ترى على الجسر نساءً سودانيات يحملن صناديق مانجو فاسدة، بينما تتساقط من السماء أوراق عقود شحن قديمة باسم شركة البطحاني للنقل والترحيل. وفي أحد أحلامها، ظهر زاهي و دتكتوك البطحاني نفسه ببدلة بيضاء ملطخة بالنفط، وقال لها: “كل الشوارع تؤدي إلى الحفرة ذاتها.” ثمّ قفز من فوق الجسر واختفى وسط ضباب أخضر يشبه بخار الملح.
لارينا أبو نعيم القوصي كانت تخاف من المرايا منذ أن وصلت إلى الولايات المتحدة. قالت إنّ المرآة الأمريكية لا تعكس وجهك بل تعكس ما يريد السوق أن يراك عليه. زوجها عصمت أوريان حمدوك كان يضحك كلما سمعها تتحدث بهذه الطريقة، لكنه في السر كان يحتفظ داخل خزانته بقناع جلدي وجده قرب حواكير التين الشوكي أثناء زيارته الأخيرة للسودان. ذات ليلة، استيقظت لارينا على صوت بكاء يأتي من داخل الثلاجة. وحين فتحت الباب، وجدت طفلة صغيرة تجلس فوق علبة زبدة، ترتدي ثوباً سودانياً وتحمل سمكة مجففة. قالت الطفلة: “أعيدوا البحر إلى مكانه.” ثمّ ذابت مثل قطعة ثلج. بعدها بأيام، صار عصمت يرى في شاشة هاتفه صوراً لمدينة سدوم الجديدة، أبراج زجاجية مشيّدة فوق مقابر جماعية، وسيارات فارهة يقودها رجال بلا رؤوس.
حفيدة أنجي عبد المنعم الحفني كانت تكره القاهرة لأنها تشبه أمّاً متعبة تخفي تجاعيدها بالمكياج. قبل سفرها إلى فيينا، زارت للمرة الأخيرة مقهى قديماً قرب النيل، وهناك التقت رجلاً أعمى يبيع ساعات متوقفة. أخبرها أنّ الزمن بعد 2030 لم يعد يتحرك في خط مستقيم، بل صار يدور مثل كلب جائع حول نفسه. وعندما سألته عن جسر بنات سدوم، ابتسم وقال: “الجسر لا يظهر إلا للذين فقدوا شيئاً لا يمكن تعويضه.” وفي تلك الليلة، رأت القاهرة من نافذة الطائرة كأنها مدينة مصنوعة من فحم مشتعل تحت الماء. وكانت متأكدة أنّ النيل نفسه صار يخجل من المرور وسط كل هذا الخراب اللامع.
ابنة كاسيو سوزكي كانت تعمل في قسم تطوير الذاكرة الاصطناعية داخل شركة Panasonic
، وكانت تؤمن أنّ البشر سيتوقفون قريباً عن تذكّر طفولتهم الحقيقية. صنعت جهازاً صغيراً يمكنه استبدال الذكريات الحزينة بمشاهد بحرية هادئة. لكن التجربة فشلت حين بدأ المستخدمون يرون البحر الميت داخل أحلامهم بدل الشواطئ الزرقاء. أحد المهندسين اليابانيين انتحر بعدما أخبرهم أنّ الجهاز فتح ممراً إلى ذاكرة جماعية مدفونة تحت رمال السودان. وفي تقريرها الأخير، كتبت الفتاة أنّ حواكير التين الشوكي ليست مكاناً جغرافياً، بل مخزن هائل للألم البشري، وأنّ كل من يحاول حذف ذاكرته يجد نفسه هناك، يمشي بين نباتات شوكية تنزف لبناً أسود.
عروة بن الورد التلمساني كان يعيش في سويسرا لكنه لم ينجُ من رائحة جدة القديمة. قال لزوجته الاسكتلندية إنّ حي الروضة كان يشبه سفينة خشبية تطفو فوق صحراء من الإسمنت. كلما تساقط الثلج في زيورخ، كان يسمع هدير شاحنات البطحاني تعبر رأسه كأنها تمر فوق جمجمته مباشرة. وفي إحدى جلساته العلاجية، أخبر طبيبته النفسية أنّه يرى امرأة سودانية عجوزاً تجلس داخل نفق طويل وتأكل التين الشوكي ببطء بينما تنظر إليه بحزن. وحين سألته الطبيبة عن اسم المرأة، أجاب: “ربما هي سدوم نفسها.” ثمّ انفجر بالبكاء لأنّه تذكّر فجأة أنّه لم يودّع والده حين غادر جدة إلى الأبد.
زوجة زاهي البطحاني، نادية أبو سليم الحايك، كانت تقول إنّ زوجها لم يمت بل تحوّل إلى طريق. كانت تؤمن أنّ الرجال الذين يقضون أعمارهم في الشحن والترحيل يصبحون مع الوقت أجزاءً من الأسفلت. بعد اختفاء زاهي، صار السائقون يؤكدون أنّهم يرونه ليلاً واقفاً قرب الشاحنات العملاقة، يلوّح بيده للبعيدين ثمّ يختفي داخل العواصف الترابية. وكانت نادية تجمع قصاصات الأخبار القديمة عن الحوادث الواقعة بين الخرطوم وبورتسودان، وتلصقها على جدران بيتها حتى تحوّل المنزل إلى خريطة هائلة للموت. وفي إحدى الليالي، اكتشفت أنّ القصاصات تتحرك وحدها، وأنّ أسماء القتلى تتبدل كل ساعة كأنّ الطريق يعيد كتابة ضحاياه بنفسه.
في حواكير التين الشوكي، كان الناس يربّون الغربان بدل الحمام. قال أحد الرواة إنّ الغربان هناك تحفظ أسماء الخائنين وتهمس بها أثناء النوم. وكان الأطفال يربطون الرسائل السرية في أرجلها لتطير نحو جسر بنات سدوم. لكن ذات مساء، عادت كل الغربان دفعة واحدة وهي تحمل قطعاً صغيرة من المرايا في مناقيرها. وعندما نظر السكان داخل تلك القطع، رأى كل واحد منهم نسخته الأخرى: نسخة أكثر قسوة، أكثر جوعاً، وأكثر استعداداً للخيانة. ومنذ تلك الليلة، لم يعد أحد يثق حتى بظله.
في الطابق السفلي من فندق مهجور قرب البحر الميت، اكتشف هاني المفتي غرفة مليئة بأشرطة فيديو قديمة تعود إلى السنوات الأولى بعد الانهيار الكبير. كانت الأشرطة تعرض حفلات صاخبة، مسابقات للضحك، ومذيعين يرقصون فوق أخبار المجاعات. لكنه لاحظ أنّ وجوه الجمهور تتشوه تدريجياً مع كل دقيقة. الأنوف تختفي، العيون تتسع، والأسنان تطول مثل أنياب كلاب. وحين وصل إلى الشريط الأخير، وجد الكاميرا تصور الجسر نفسه، بينما نساء مجهولات يرمين أطفالاً مصنوعين من الملح في الماء ويغنين بلغات منقرضة.
قالت ريما الرميثي إنّ الفن بعد سقوط العالم لم يعد يبحث عن الجمال بل عن النجاة. كانت ترسم بأصباغ مخلوطة بالتراب القادم من القضارف، وتؤكد أنّ لهذا التراب ذاكرة أقوى من ذاكرة البشر. وفي معرضها الأخير، عرضت لوحة بعنوان “عمورة الجديدة”، ظهرت فيها مدينة كاملة مبنية داخل فاكهة تين شوكي عملاقة. الناس هناك يمشون فوق الأشواك حفاة ويضحكون بينما تنزف أقدامهم. وعندما انتهى المعرض، لاحظ الزوار أنّ الأشواك داخل اللوحة بدأت تتحرك ببطء نحو الحواف كأنها تحاول الخروج إلى العالم الحقيقي.
كارمين الكلداني صورت فيلماً سرياً عن نساء جسر بنات سدوم، لكن كل النسخ احترقت باستثناء نسخة واحدة قيل إنها مخبأة داخل شاحنة متوقفة منذ سنوات قرب عطبرة. الفيلم لا يحتوي على حوار، فقط أصوات تنفس ثقيل وموجات بحر تضرب صخوراً لا تُرى. وفي المشهد الأخير، تظهر امرأة تحمل رأسها بيديها وتمشي مبتسمة وسط سوق محاصيل القضارف. وحين شاهدت كارمين النسخة الأخيرة بنفسها، أغمي عليها لأن المرأة كانت تشبهها تماماً.
لارينا أبو نعيم بدأت تكتب رسائل إلى البحر الميت رغم أنها لا تعرف لماذا. كانت تضع الرسائل داخل زجاجات وترميها في نهر هدسون. وفي كل مرة، كانت تستيقظ لتجد الملح يغطي أرضية بيتها الأمريكي. زوجها عصمت صار يخاف الاقتراب منها بعدما لاحظ أنّ شعرها يتحول تدريجياً إلى اللون الأبيض كلما كتبت رسالة جديدة. ذات صباح، وجدها تحدّق في الحائط وتقول بصوت خافت: “سدوم ليست مدينة… إنها عدوى.”
حفيدة أنجي الحفني في فيينا كانت تمشي كثيراً قرب النهر، وتشعر أنّ أوروبا كلها مدينة هاربة من ماضيها. وفي ليلة شتوية، رأت رجلاً سودانياً يبيع التين الشوكي عند محطة القطار. سألته من أين جاء، فأجاب: “من الجسر.” وحين سألته أي جسر يقصد، اختفى فجأة تاركاً خلفه صندوقاً صغيراً مليئاً بصور قديمة لشاحنات البطحاني وهي تعبر الصحراء تحت سماء حمراء تشبه الجرح.
ابنة كاسيو سوزكي اكتشفت لاحقاً أنّ جهاز الذاكرة الاصطناعية لا يمحو الذكريات، بل ينقلها إلى شخص آخر في مكان بعيد. كل الذكريات الحزينة التي حذفها الأمريكيون والأوروبيون ظهرت فجأة داخل رؤوس أطفال يعيشون قرب حواكير التين الشوكي. صار الأطفال هناك يستيقظون وهم يبكون بلغات أجنبية لا يفهمونها، ويرسمون مدناً ثلجية على جدران البيوت الطينية. وعندما حاولت إيقاف المشروع، وصلتها رسالة إلكترونية مجهولة تقول: “الخراب يحبّ السفر.”
عروة التلمساني كان يزور كنيسة صغيرة في سويسرا كل أحد، فقط ليستمع إلى الصمت. لكنه في أحد الأيام سمع الإمام القديم لمسجد حي الروضة يناديه من داخل الجرس الكنسي. اقترب مرتجفاً، فوجد ورقة مكتوباً عليها: “كل المنافي نسخة من سدوم.” عاد إلى بيته مرتبكاً، وحين نظر من النافذة رأى الثلج يتساقط على هيئة أوراق شحن قديمة تحمل اسم زاهي البطحاني.
أما والهة و دتكتوك البطحاني، فقد كانت آخر من رأى الجسر قبل اختفائه. قالت إنّ الجسر لم ينهَر، بل ذاب مثل قطعة ملح داخل الماء. وفي اللحظة الأخيرة، شاهدت نساءً كثيرات يعبرنه نحو جهة لا تُرى، يحملن سلال التين الشوكي فوق رؤوسهنّ ويغنين أغنية حزينة عن الخرطوم القديمة. ثمّ التفتت إحداهنّ نحو والهة وقالت: “حين يصبح الفساد وطناً، تصير الأسطورة هي الحقيقة

تعليقات
إرسال تعليق