مسودة رواية آدم العماني

 " حمو

 في جنة آدم العُماني الجديد لا تسكن الشخصيات المكان فقط، بل تسكنها التضاريس نفسها؛
كأن الجبل يورّث طباعه، والفلج يوزّع أمراض الروح بالتساوي مع الماء، والنخيل يحفظ الأسرار أكثر من البشر.

سالم بن خريف الساكبي
يسكن قرب فلج العين في بيت نصفه طين ونصفه مرايا مكسورة.
رجل طويل بكتفين مائلتين كأنه يحمل على ظهره سلّمًا غير مرئي، عيناه عسليتان لكنهما لا تنظران إلى الشخص مباشرة بل إلى ظله.
يضع دائمًا خنجرًا صدئًا لا يستعمله، ويرتدي دشداشة بيضاء فوقها آثار ماء قديم.
يربي بطًا بريًا يظنه رسلًا جاءت من زمن الطوفان.
عقدته النفسية أنه يخاف الماء رغم أنه ابن الأفلاج؛
يعتقد أن الفلج الذي سقاه صغيرًا ابتلع أخاه ولم يُرجعه.
مأزقه الحضاري يتمثل في احتقاره للحداثة واعتماده عليها معًا؛
يكره الهواتف لكنه يدير تجارة إلكترونية لبيع تمور نادرة إلى أوروبا.
وجوديًا يشعر أنه آخر حارس لسرّ لا يعرفه.

مزنة بنت الغيم الهواشمية
تعيش بين بساتين النخيل وحصن قديم مهجور،
امرأة ممتلئة الوجه، ذات شعر فضي طويل رغم أنها في الأربعين،
عينها اليسرى خضراء واليمنى بنية،
وتضع في عنقها مفاتيح صدئة تدّعي أنها لبيوت اندثرت.
تربي بومة عمياء تسمّيها "سيدة القلعة".
مزنة لا تثق بالرجال ولا بالنساء؛
تؤمن أن البشر يبدّلون وجوههم أكثر مما تبدّل الأفاعي جلودها.
عقدتها أنها فقدت ابنة صغيرة في حادث قديم ولم تعترف بموتها قط.
تكلّم الأشجار وتكتب رسائل تضعها داخل جذوع النخيل.
مأزقها الحضاري أنها تريد إنقاذ الحارات القديمة لكنها تبيع صورها لشركات سياحية.

ناصر الكهفي
يسكن كهفًا في سفح جبل صلخ.
قصير، ضخم الصدر، كثيف اللحية، وله أنف مكسور يجعل صوته يبدو غاضبًا حتى وهو يهمس.
يعيش مع كلاب جبلية وثعلب فقد ذيله.
كان أستاذ جيولوجيا ثم ترك الجامعة فجأة.
يعتقد أن الصخور تملك ذاكرة أوضح من الأرشيفات البشرية.
عقدته الكبرى خوفه المرضي من المدن؛
إذا دخل مركزًا تجاريًا يشعر بالاختناق وكأنه داخل قبر حديث.
وجوديًا لا يعرف إن كان يهرب من الناس أم من نفسه.
يقول إن الحضارة ليست بناء المدن بل القدرة على الإصغاء للحجر.

حليمة بنت اللبان الظفارية
امرأة نحيلة ذات بشرة داكنة وعينين واسعتين تشبهان عيون الغزلان.
تنتقل بين أدم وظفار حاملة بخورًا وأعشابًا وخرائط قديمة.
لها ضحكة عالية تخفي اكتئابًا عميقًا.
تربي ضبعًا أليفًا اسمه "مرزوق" يرافقها في الطرق الصحراوية.
عقدتها أنها تخشى الاستقرار؛
كل بيت تدخله تشعر أنه فخ.
حضاريًا تمثل انقسام الإنسان العُماني بين البر والبحر، بين البداوة والعالم المفتوح.
تحب السفر لأنها لا تريد أن يتعرف أحد إلى حقيقتها.

مبارك الأعرج
حارس برج المجابرة.
أعرج منذ طفولته بسبب سقوط من نخلة،
وجهه نحيل كوجه ناسك، وله شارب طويل يعتني به أكثر من صحته.
يربي صقرًا لا يطير إلا عند الغروب.
يجمع الساعات المعطلة ويعلّقها داخل البرج.
يؤمن أن الزمن توقف منذ وفاة والده.
عقدته النفسية شعوره بأنه أقل من الآخرين بسبب عرجته،
لذلك يبالغ في الصرامة والفخر القبلي.
مأزقه الحضاري أنه يمجّد الماضي لكنه عاجز عن العيش فيه.

ريحانة السوقية
تملك مقهى صغيرًا قرب السوق القديم.
امرأة مستديرة الوجه، كثيرة الضحك، ترتدي عباءات داكنة وتضع عطرًا قويًا من الورد والهيل.
حولها دائمًا قطط كثيرة، حتى قيل إن القطط تفهم أوامرها.
تسمع أسرار الجميع لكنها لا تبوح بأسرارها.
عقدتها أنها تمثل دور المرأة المرحة كي تخفي شعورها بالوحدة.
وجوديًا تخاف الشيخوخة أكثر من الموت.
حضاريًا ترى أن المجتمع يتغير بسرعة بينما القلوب ما تزال تعيش في قرون قديمة.

داود البحري العائد من صور
رجل أسمر بوجه محفور بالملح والشمس.
يعيش في أدم رغم أنه ابن البحر.
يضع قرطًا فضيًا في أذنه ويحمل دائمًا بوصلة معطلة.
يربي سلحفاة بحرية عجوز داخل حوض حجري.
عقدته أنه يشعر بالذنب لأنه ترك البحر بعد غرق أخيه.
الجبل لا يقبله والبحر لا ينساه.
وجوديًا يعيش كمن اقتُلع من عنصره الأصلي.
حضاريًا يرمز إلى الإنسان الذي عاد من العولمة مثقلًا بالحنين وغير قادر على الرجوع الكامل.

سلوى بنت الرمل
فتاة شديدة البياض، هادئة، ذات شعر أسود كثيف،
تعيش قرب التلال الرملية مع خيول عربية صغيرة.
ترسم خرائط لا تشبه الخرائط المعروفة،
وتدعي أن الرمال تتحرك وفق مزاج أخلاقي.
عقدتها النفسية أنها تخاف اللمس الجسدي وتفضّل صحبة الحيوانات.
وجوديًا لا تؤمن بالحب البشري وتعتبره سوء تفاهم طويلًا.
مأزقها الحضاري صراعها بين استقلالها الفردي وضغط العائلة والزواج والتقاليد.

الشيخ ربيع بن وردان
شيخ وقور يقيم قرب حصن قديم،
له لحية قصيرة بيضاء وصوت رخيم وعينان متعبتان.
يعيش مع غزلان صغيرة وطاووس مصاب في جناحه.
كان قاضيًا ثم اعتزل القضاء بعد قضية ظلم لم يستطع منعها.
عقدته الشعور الدائم بالتقصير الأخلاقي.
يبحث عن العدالة في الطبيعة بعدما فقد ثقته في المؤسسات البشرية.
حضاريًا يمثل أزمة الحكيم الذي يرى العالم يتغير ولا يملك سوى اللغة القديمة للنصح.

حمود الذي يطعم الذئاب
أغرب سكان الجنة الجديدة.
شاب ضخم ذو عينين سوداويين وشعر مجعد كثيف،
يقيم بين المنحدرات الصخرية ويطعم الذئاب والوشق ليلاً.
الناس يخافونه ويحبونه في الوقت نفسه.
يقول إن الحيوانات المفترسة أكثر وفاءً من البشر.
عقدته النفسية خوفه العميق من الخيانة الإنسانية بعد تجربة عائلية مريرة.
وجوديًا يعيش على الحدود بين الوحشي والمدني.
حضاريًا يمثل سؤالًا مقلقًا داخل الرواية:
هل الإنسان الحديث صار أكثر افتراسًا من الكائنات التي يخشاها؟

هؤلاء العشرة لا يشكلون مجتمعًا مستقرًا،
بل أرخبيلًا نفسيًا داخل جنة آدم العُماني الجديد؛
كل واحد منهم يحمل تضاريسه الخاصة:
فلجًا داخليًا، أو كهفًا، أو قلعةً لا يستطيع مغادرتها مهما سار في العالم

.....

 


تعليقات

المشاركات الشائعة