إيلاف

 لاينوب

 

 لا يعني الحزن  في القضارف سيدة  في كامل  مثل  " ايلاف  "  لينساهما على مهل او    فوالدتها  الضارية السيدة " عوضية القرشي ابي سنة " كانت     اما اخوالها الثلاثة :  " عوض الكريم ابوسنة القرشي " و " عوض الوكيل ابوسنة القرشي " و "    عوض البشير أبو سنة القرشي "   .    تتمتع  بتاريخ و تراث ثري تأثر  يذخر بالعديد من الحضارات بما ذلك الحضارات النوبية و العربية  .  هل  قلت بالتبعات ال و  لمأزق و قوعها الاستراتجي   في  شرق السودان  ؟  و هل كانت على دراية  كونها  نقطة التقاء للعديد من الثقافات و الاعراق   و مركز للتجارة و الاتصال بين السودان و دول الجوار  عبر العصور  .   الفنون الشعبية  و الازياء التقيلدية التي تعكس ثقافة المنطقة و مطبخ القضارف  اما السياحة  فقد تجعل من  وجهة  محتملة بما تتضمن من مناطق طبيعية و   معالم تاريخية .  



"  يثرب  "    الامشاج التي       "  جويرية "   " مهلبية "     و " حباب "  


***

قلت لنفسي و انا  لعلني ابلغ  تلك السليمة العدانية   .  في مدينة القنطيرة  لم   وكذلك الحال في  هضبة الجولان


***

لم تكن رهيد البردي بعد عام   م تكن رهيد البردي بعد عام 1921 مدينةً تستقبل الفجر، بل كانت هي الفجر نفسه وقد استدار على خاصرة إفريقيا. كتب المنسرح الفراهيدي أن الخرائط تخطئ حين تجعل الجهات أربعًا، لأن جهةً خامسةً كانت تختبئ بين ظل التبلدي ورائحة المطر. هناك اجتمع الفوج الأول من العائلة، والفوج الثاني يراقب الغبار من بعيد، بينما كان الفوج الثالث لا يزال يولد في أحلام النساء. وكان الشيوخ يرددون أن دم السلامات يحمل في شرايينه صدى بعيدًا يبدأ من خليج العقبة، ويمر بحوران، ويصافح الرمثا ودرعا والجولان، ثم ينعطف عبر شمال إفريقيا حتى يكتمل في دارفور. لم يكن أحد يميز بين الحقيقة والأسطورة، لأن الأرض نفسها كانت تحفظ الأنساب كما تحفظ مجاري الخيران. وكلما هبت الريح من الغرب حملت معها رائحة تشاد وإفريقيا الوسطى، وكلما هبت من الشرق أعادت إلى القلوب وعد القضارف، كأن السودان كله طريق واحد يكتبه الله على مهل.

خرج الفوج الأول من رهيد البردي متجهًا إلى برام، وكانت الأرض الخضراء ترفع أكتافها مثل أمٍّ تودع أبناءها. مروا بخيران موسمية وغابات هشاب وسنط، وكانت قطعان الأبقار ترسم دوائرها حول القافلة كما لو أنها تقرأ الفاتحة على المسافرين. كتب المنسرح أن برام ليست بلدة، بل مفصل بين زمنين؛ زمن الرعاة الذين يتبعون المطر، وزمن المزارعين الذين ينتظرونه. وفي الليل كانت النار الصغيرة تتحدث مع النجوم، فتروي لها أخبار المدينة المنورة وخيبر وينبع، تلك الأمكنة التي خرج منها أسلاف بعيدون قبل قرون طويلة، حتى صار الرمل العربي عشبًا إفريقيًا، وصار الاسم العربي يحمل لون السافنا.

وفي نيالا تبدلت هيئة الطريق، فصار أكثر اتساعًا، وصارت الأسواق تشبه كتبًا مفتوحة بلغات لا يحصيها أحد. التقى الفوج بقوافل من البقارة والتجار، واختلطت أصوات العربية بلهجات الفور والزغاوة والمساليت. كان المنسرح يرى في كل وجه خارطة قديمة، ويقول إن المدينة لا تبنى بالحجارة، وإنما بالخطوات التي عبرتها. وكانت نيالا تضع على كتفيها جبل مرة البعيد كعباءة من ضباب، فتذكره بمرتفعات حوران التي طالما سمع عنها من جدته، حتى خُيل إليه أن الجبال تتراسل فيما بينها عبر القارات دون أن يشعر البشر.

أما الفوج الثاني فقد غادر بعد أشهر، وسلك الطريق نفسه، لكنه كان يرى الأشياء بعين أخرى. حين بلغ الضعين أحس أن السهول تكتب أسماء السلامات على العشب قبل أن تصلها أقدامهم. هناك كانت مراعي البقارة تمتد حتى يختلط الأفق بالسماء، وكانت الأبقار الملونة تتحرك كأنها أبيات شعر خرجت من بحر المنسرح نفسه. وفي المجالس كان الشيوخ يستعيدون أخبار بني سليم، وكيف انتقلت القبائل من الجزيرة العربية إلى مصر ثم المغرب الكبير، قبل أن تفتح لها إفريقيا أبوابها، حتى أصبحت القبيلة ذاكرةً تمشي أكثر مما تقيم.

ثم انعطف الطريق نحو أبو كارنكا، حيث تغير لون التراب، وصارت الأشجار أقل كثافة، لكن الريح أكثر حكمة. كان المنسرح يلتقط حفنة من الرمل ويقول إنها تعرف أسماء الرمثا ودرعا والجولان أكثر مما تعرف أسماء المدن القريبة، لأن الريح لا تعترف بالحدود. وكانت النسوة ينسجن من شعر البنات حبالًا صغيرة يربطن بها الأمتعة، ويهمسن أن كل عقدة فيها تحفظ اسمًا من أسماء الأجداد، حتى لا تضيع السلالة في اتساع البراري.

وعندما اجتمعت الأفواج الثلاثة قرب الرهد، بدا المشهد كأن ثلاثة أنهار خرجت من منبع واحد ثم التقت من جديد. كان الرهد يعيد إليهم معنى الماء بعد أسابيع من الغبار، وكانت الأشجار الكثيفة تنثر ظلالها على القافلة كما لو أنها تعرف موعد وصولهم منذ زمن بعيد. كتب المنسرح أن الرهد لا يستقبل العابرين، بل يمتحن قدرتهم على تذكر البدايات، ولذلك كانت الليالي هناك تمتلئ بأحاديث خليج العقبة، وبأساطير حوران، وبقصائد يقال إن رعاة الجولان كانوا يغنونها للغيوم.

ومن الرهد إلى أم روابة أخذت الأرض تتحول رويدًا من مراعي الغرب إلى تخوم السهول الوسطى. كانت القرى الصغيرة تتناثر مثل حبات مسبحة أفلت خيطها، وكل قرية تمنح القافلة خبزًا أو ماءً أو دعاءً. وفي كل مساء كان المنسرح يفتح دفتره، فيجد أن الكلمات سبقت قلمه إلى الصفحة، وأن أسماء رهيد البردي وبرام ونيالا والضعين والرهد كتبت نفسها وحدها، كأن الجغرافيا لا تحتاج إلى مؤلف، بل إلى شاهد يروي دهشتها.

ثم عبروا نحو سنار، حيث أصبح النيل الأزرق شريكًا للطريق، وصارت الأشجار أكثر امتلاءً، والحقول أكثر اتساعًا. هناك أحس المنسرح أن إفريقيا تغير نبرة صوتها دون أن تغير قلبها. كانت السنابل تميل مع الريح كما تميل الرماح في مواكب الفرسان، وكانت الطيور المهاجرة ترسم فوق السماء خرائط لا يستطيع رسمها أمهر الجغرافيين. وكلما اقتربوا من الشرق ازداد يقينهم بأن الرحلة لم تكن انتقالًا بين مكانين، بل مصالحة بين تاريخين؛ تاريخ القبيلة، وتاريخ الأرض.

وحين لاحت القضارف من بعيد، لم تظهر المدينة أولًا، بل ظهرت رائحة السمسم بعد المطر. كانت التلال الطينية تتلألأ تحت الشمس، وكانت الحقول تمتد حتى يظن المسافر أنها بحر أخضر بلا نهاية. استقبلتهم ديار البكريين بكرم السهول الشرقية، واختلطت الحكايات القديمة بحكايات الزراعة الجديدة. وهناك شعر المنسرح أن رهيد البردي لم تغادره قط، بل جاءت معه مختبئة في لهجته، وفي طريقة نظره إلى الأشجار، وفي صمته الطويل كلما هطل المطر.

ومن القضارف بدأت الفروع تتشعب كما تتشعب أغصان السنط. اتجه بعض الأبناء نحو ساحل البحر الأحمر، يحملون معهم خبرة المراعي إلى الموانئ، واتجه آخرون إلى ولاية نهر النيل، حيث صار النخيل قريبًا من ذاكرتهم كما كانت التبلديات يومًا. أما المنسرح الفراهيدي فظل يردد أن العائلة لا تسكن المدن، وإنما تسكن الطرق التي تصل بينها. وأن رهيد البردي، وحوران، والرمثا، ودرعا، والجولان، والمدينة، وخيبر، وينبع، وبرام، ونيالا، والضعين، والرهد، وسنار، والقضارف، ليست أسماء متباعدة على الخريطة، بل قصيدة واحدة كتبتها القوافل على امتداد آسيا وإفريقيا، وما يزال كل جيل يضيف إليها بيتًا جديدًا دون أن يبلغ خاتمتها.

***

 

تعليقات

المشاركات الشائعة