فضاء سفريات القوصي السياحية بوصفها مؤسسة سردية داخل عالم ما بعد الحرب.
الحكاية الأولى الباص الذي عاد من الخرطوم بلا ركاب
كان الباص الأرجواني الكبير يقف في آخر ساحة الميناء البري كحوتٍ معدني خرج من نهرٍ جاف، محركه ما زال ساخنًا، وزجاجه الأمامي يحمل غبار طريقٍ لم يكن موجودًا في الخرائط القديمة. كتب السائق في دفتر الرحلة: "الخرطوم ـ القضارف"، ثم ترك خانة عدد الركاب فارغة، لأن المقاعد كانت تحمل أشكالًا غريبة من الغياب.
قال الاسطى دنجل يانون رزق الله الميكانيكي إن الباص لم يعد فارغًا كما يظن الناس، فكل مقعد كان يحتفظ بصاحبه. المقعد الأول يحمل رائحة طالب جامعي كان يقرأ كتابًا عن المدن التي لا تموت، والمقعد الخامس يحتفظ بضحكة امرأة كانت تسافر كل خميس إلى أم درمان، والمقعد الأخير كان يصدر صوتًا يشبه بكاء طفل لا يعرف أين وُلد.
في مكتب الشركة بالقضارف كان المدير الجديد "سلوم مدني سباجة" يحاول إعادة ترتيب دفاتر الرحلات التي أكلت الحرب أطرافها. كانت الأرقام تختلط بالأسماء، وكانت التذاكر القديمة تسقط من الملفات مثل أوراق الأشجار في خريف طويل.
قال له موظف الحجز: ــ الباص وصل، لكن الركاب لم يصلوا معه.
سأله سالم: ــ هل أنت متأكد أنهم لم يركبوا؟
أجاب: ــ ربما ركبوا في مكان آخر... ربما نحن الذين وصلنا متأخرين إلى حياتهم.
في الليل، حين أطفئت أنوار المحطة، سمع الحارس صوت إعلان السفر يخرج من مكبر الصوت القديم:
"الرحلة المتجهة إلى الخرطوم ستغادر بعد قليل... الرجاء من الذين فقدوا أسماءهم الصعود."
ومنذ ذلك اليوم صار العاملون يتركون مقعدًا فارغًا في كل رحلة، يسمونه مقعد الذاكرة.
الحكاية الثانية مقعد رقم سبعة لا ينام
لم يكن أحد يعرف لماذا يرفض مقعد رقم سبعة في الباص الكبير أن يبقى صامتًا.
كل سائق يجلس خلف المقود يسمع من المقعد صوتًا خافتًا عند منتصف الليل:
"وصلنا؟"
وكان السؤال يأتي دائمًا قبل الوصول.
حاول العمال تغيير المقعد، نقلوه إلى باص آخر، وضعوه في مخزن قطع الغيار، لكنه كان يعود في الصباح إلى مكانه كأنه مسافر لا يريد التخلي عن رحلته.
قال المهندس "مروان العابر"، مسؤول الصيانة: ــ هذا ليس عطلًا ميكانيكيًا، هذه ذاكرة.
ضحك العمال.
لكنهم توقفوا عن الضحك عندما وجدوا داخل هيكل المقعد صندوقًا صغيرًا يحتوي على رسائل قديمة كتبها مسافرون لم تصل إليهم عائلاتهم.
كانت الرسائل تبدأ دائمًا بجملة واحدة:
"إذا وصلت هذه الورقة قبلي، أخبروا الطريق أنني كنت هنا."
أصبح مقعد رقم سبعة مكانًا يضع فيه الناس رسائلهم الجديدة. لم تعد الشركة تنقل الركاب فقط، بل بدأت تنقل اعترافاتهم السرية.
صار الباص مكتبة متنقلة للحكايات المفقودة.
الحكاية الثالثة خارطة الطريق التي غيرت المدن
بعد الحرب، لم تعد الطرق هي الطرق.
الطريق الذي كان يؤدي إلى قرية صغيرة صار يقود إلى سوق جديد. والجسر القديم الذي اختفى من الخرائط ظهر في أحلام السائقين.
كان "يوسف المرشد"، سائق الرحلات الطويلة، يحمل دفترًا أسود يرسم فيه طرقًا لا تراها الأقمار الصناعية.
قال له مدير الحركة: ــ أين وجدت هذه الطرق؟
قال: ــ وجدتها في عيون الناس.
كان يعرف طريقًا مختصرًا من القضارف إلى سنار، وطريقًا آخر من كسلا إلى بورتسودان لا يظهر إلا عندما يكون القمر كاملًا.
بدأت الشركة تعتمد خارطته السرية.
لكن العقدة ظهرت عندما اكتشفوا أن الطريق الجديد يمر عبر مدينة غير موجودة في أي سجل.
مدينة اسمها مدينة العائدين.
حين دخلها أول باص، وجدوا مئات الأشخاص ينتظرون في المحطة، وكل واحد منهم يحمل تذكرة بتاريخ لم يأتِ بعد.
الحكاية الرابعة الميناء البري الذي صار مدينة
لم يعد الميناء البري مجرد مكان تنتظر فيه الحافلات.
صار له صباحه الخاص، وليلته الخاصة، وأحلامه الخاصة.
في الفجر تأتي امرأة تحمل إبريق الشاي وتقول إنها تعرف مستقبل المسافرين من شكل البخار.
في الظهيرة يملأ الحمالون الأرصفة بأغاني قديمة.
وفي الليل تتحول المقاعد إلى أسرّة للغرباء الذين تأخر وصولهم.
كان "كمال الساعي"، مسؤول الأمن، يقول:
ــ نحن لا نحرس الميناء، الميناء هو الذي يحرسنا.
في أحد الأيام وجد العمال بابًا جديدًا خلف مكتب التذاكر. لم يكن موجودًا من قبل.
فتحوه، فوجدوا ممرًا طويلًا مليئًا بصور المسافرين الذين مروا بالمحطة منذ خمسين عامًا.
وفي نهاية الممر لوحة مكتوب عليها:
"هنا تبدأ كل الرحلات التي لم تبدأ."
الحكاية الخامسة رحلة الباص الأرجواني إلى آخر النيل
انطلقت الرحلة عند الفجر.
كان الباص الأرجواني يحمل طلابًا وتجارًا وموظفين وامرأة تبحث عن أخيها الذي لم تره منذ سنوات.
كل شخص في الرحلة كان يحمل خريطة مختلفة للسودان.
خريطة التاجر مليئة بالأسواق.
خريطة الطالب مليئة بالجامعات.
خريطة المرأة مليئة بأسماء البيوت.
أما السائق العجوز فقد كان يحمل خريطة لا تحتوي إلا على الأنهار.
قال: ــ المدن تتغير، لكن الماء يتذكر.
عند منتصف الطريق توقف الباص أمام شجرة ضخمة.
قال السائق: ــ هنا نستريح.
سأله الركاب: ــ لا توجد محطة هنا.
ابتسم: ــ بعض المحطات لا تبنيها الحكومات، تبنيها الأرواح.
الحكاية السادسة الشركة التي كانت تحفظ أسماء الغائبين
في الطابق السفلي من مبنى الشركة كان هناك أرشيف لا يعرفه أحد.
لم يكن يحتوي على الحسابات ولا العقود، بل على أسماء المسافرين.
كل تذكرة قديمة كانت محفوظة هناك.
قال مدير الأرشيف: ــ نحن لا نحفظ الورق، نحن نحفظ الذين عبروا.
بعد سنوات اكتشف الموظفون أن السجلات بدأت تكتب أسماء جديدة وحدها.
أسماء أشخاص لم يأتوا إلى المكاتب بعد.
وأمام كل اسم كانت هناك وجهة:
الخرطوم.
القضارف.
كسلا.
بورتسودان.
دنقلا.
سنار.
وفي آخر صفحة ظهرت جملة واحدة:
"ستستمر الرحلة ما دام هناك شخص ينتظر في محطة ما."
ومنذ ذلك اليوم أصبحت الشركة تعرف نفسها بطريقة مختلفة:
لم تكن شركة نقل بري فقط.
كانت ذاكرة متحركة للسودان، تسافر على أربع عجلات بين المدن والغياب والعودة.
تعليقات
إرسال تعليق