بانكوك

 

في إحدى القرى الواقعة عند حافة الغابة، كان الناس يؤمنون أن كل فيلٍ أبيض يحمل في ذاكرته مدينةً كاملة لا يراها أحد. وعندما يشيخ الفيل، لا يموت، بل يبدأ في نسيان شوارع تلك المدينة، فتختفي الأزقة من أحلام الأطفال، وتجف الأنهار التي كانت تمر داخل رؤوسهم. ذات ليلة، سار شيخ القرية خلف الفيل حتى بلغ معبداً مهجوراً، فوجد الرهبان يكنسون الغبار عن ظلال الأشجار لا عن أرضها. هناك أدرك أن المدن لا تنهار بالحروب، وإنما عندما تتوقف الحيوانات عن تذكرها.

في أسواق بانكوك، كانت امرأة عجوز تبيع أصوات المطر داخل أوعية خزفية صغيرة. يشتريها البحارة ليلاً، وما إن يفتحوا الغطاء حتى تمطر السماء فوق سفنهم وحدها، بينما يبقى البحر المجاور جافاً كأنه صفحة من كتاب لم يُكتب. غير أن أحد الأطفال كسر وعاءً بالخطأ، فهرب المطر إلى الأزقة، وصارت الأسماك تتسلق إشارات المرور، بينما أخذت المعابد تطفو فوق الماء كقواربٍ من ذهبٍ لا تعرف إلى أين تتجه.

يروي أهل الشمال أن ملكة قديمة خبأت قمر تايلاند داخل ثمرة مانجو قبل ألف عام، ومنذ ذلك الحين لم يعد القمر يكتمل إلا عندما تنضج الثمار. وفي موسم الحصاد، يسمع الفلاحون همساتٍ تخرج من البساتين، كأن الأشجار تتجادل حول شكل الليل القادم. وكل من يأكل آخر مانجو في الموسم يرى وجهه يتحول إلى خريطةٍ للأنهار، فلا يعود يعرف إن كان إنساناً أم قطعةً من البلاد.

في قرية تطل على نهر تشاو فرايا، كان الصيادون يصطادون ظلال الأسماك ويعيدون الأجساد إلى الماء. قالوا إن الظل ألذ من اللحم لأنه يحتفظ بمذاق الأعماق. وحين غضب النهر، انعكست السماء في القاع، فأخذت القوارب تبحر إلى الأسفل بدلاً من الأعلى، بينما صار القمر يختبئ بين جذور أشجار المانغروف، يخشى أن يقع في شبكة صيادٍ عجوز يعرف أسماء النجوم بلغتها الأولى.

في إحدى ليالي مهرجان الفوانيس، لم ترتفع الفوانيس إلى السماء، بل هبطت إليها من الأعلى، تحمل أسماء أناس لم يولدوا بعد. احتار الرهبان في تفسير الحادثة، لكن امرأة عمياء قالت إن الزمن في تايلاند يلتف حول نفسه مثل أفعى من حرير، وإن الأطفال القادمين هم الذين أرسلوا الفوانيس ليطمئنوا أسلافهم بأن الأحلام لم تنقرض بعد.

كان هناك تمساح عجوز يعيش تحت أحد المعابد، لا يأكل البشر، بل يلتهم الأكاذيب التي يعترفون بها للرهبان. ومع مرور السنين، تضخم جسده حتى صار النهر أضيق من أن يحتويه. وعندما مات، انشق ظهره عن مكتبة هائلة، كل كتاب فيها عبارة عن كذبةٍ تحولت إلى أسطورة. ومنذ ذلك اليوم، صار الكتّاب يزورون ضريحه ليلاً، ويقتبسون منه نهاياتٍ لم تجرؤ الحقيقة على اختراعها.

تحكي الجدات أن زهرة اللوتس الأولى لم تنبت من الطين، وإنما من ضحكة أميرة رفضت الزواج من الريح. غضبت الريح، فنثرت الضحكة فوق المستنقعات، فتحولت إلى ملايين الزهور. وكلما جلس راهب يتأمل لوتسة ساكنة، سمع ضحكةً خافتة تأتي من أعماق الماء، فيدرك أن التأمل ليس صمتاً، بل إنصاتٌ لشيءٍ يضحك منذ قرون.

في غابات تايلاند الاستوائية، كانت الأشجار تتبادل جذورها ليلاً كما يتبادل الناس الرسائل. ولذلك لم يعرف أحد الشجرة التي وُلدت فيها ثمرة معينة. وعندما حاول العلماء رسم خرائط الغابة، اكتشفوا أن الأشجار غيّرت أماكنها أثناء النوم. أما النمور، فكانت تحفظ الطريق بالرائحة، وتسخر من الخرائط التي لا تعرف كيف تمشي.

كان تمثال بوذا في معبدٍ بعيد يغيّر ملامحه كل فجر، فيبدو مرةً كصياد، ومرةً كطفل، ومرةً كامرأة تحمل سلة أرز. لم يلاحظ الغرباء شيئاً، أما أهل القرية فكانوا يبدلون صلواتهم تبعاً للوجه الجديد. وبعد سنوات، فهم الجميع أن التمثال لم يكن يتغير، بل إن البشر هم الذين كانوا يستيقظون كل يوم بعيون مختلفة، وأن القداسة لا تسكن الحجر، وإنما الطريقة التي ينظر بها القلب إليه.

ويقول آخر الرواة إن آخر تنينٍ في تايلاند لم يمت، بل تحول إلى طريقٍ جبلي طويل. لذلك كانت القوافل التي تعبره تسمع نبضاً عميقاً تحت الصخور، وترى الضباب يخرج من الشقوق كأن الجبل يتنفس. وكل مسافر يصل إلى نهايته ينسى اسمه القديم، ويحمل اسماً تمنحه له الغابة. ولهذا ظل أهل البلاد يؤمنون أن الطرق ليست مسافات بين المدن، بل كائناتٌ أسطورية تبتلع المسافرين ثم تعيدهم بشخصياتٍ أخرى.

تعليقات

المشاركات الشائعة