عالم الرياضة



_______

مكتبة الغبار

مكتبة نيويورك العامة لا تقرأ الكتب هذا الصباح،
بل تقلِّب خرائط الأقدام التي عبرت العشب منذ أن اخترع الراعيُ أولَ كرةٍ من ظلِّ خروف.
الأسود الرخامية عند المدخل تحفظ أسماء المهاجمين الذين ضلّوا طريقهم إلى الأسطورة،
وفي القاعة الكبرى تنام الكؤوس داخل قواميس لا تعرف الفرق بين الذهب والغبار،
كل صفحةٍ صافرة،
وكل هامشٍ مدرجٌ امتلأ بأشباح جمهور لم يغادر مقعده منذ القرن الماضي.
تمثالٌ يصفر للريح

رفع تمثال الحرية الشعلة،
فاختلط اللهب برايةٍ من عشب،
وصارت الحمائم حكامَ رايةٍ يرفعون التسلل على الغيوم.
لم يعد النحاس معدنًا،
بل مدرجًا يصعد إليه الضوء ليرى المباراة من أعلى،
وكان البحر يصفق بموجتين ثم ينسحب،
كأنه يخجل من خسارته القديمة أمام اليابسة.
استديو الزجاج

في الاستديو لا يجلس المذيعون؛
بل تجلس الساعات مرتديةً بدلاتٍ داكنة.
الكاميرات عيونٌ خرجت من جماجم المجرات،
والميكروفون شجرةٌ معدنية تثمر أصواتًا أكثر من ثمارها.
المخرج لا يقطع اللقطة،
إنه يخيط الزمن بإبرةٍ من ضوء،
حتى تبدو الدقيقة الواحدة قارةً كاملةً من الاحتمالات.
المحلل الذي يشرح جناح الفراشة

فتح المحلل شاشةً رقمية،
فخرجت منها فراشاتٌ تحمل خرائط الضغط العالي والاستحواذ.
قال: ليست الخطة أربعةَ مدافعين،
بل أربعةُ فصولٍ من كتابٍ يكتبه العشب كل مساء.
وليس اللاعب جناحًا،
بل ريحًا استعارت هيئة إنسان،
ثم أعادته الصافرة إلى الغبار.
كرة القدم

الكرة ليست مستديرة،
إنها ذاكرةٌ أصابها النسيان فاستدارت.
كل ركلةٍ تصحح خطأً ارتكبته الجاذبية،
وكل هدفٍ ثقبٌ صغير في جدار الزمن.
الشباك لا تمسك الكرة،
بل تمسك اللحظة التي يعجز الفلاسفة عن تعريفها،
ثم تطلقها إلى أرشيف الهتاف.
سلة القمر

في قاعة كرة السلة،
كان القمر معلقًا كسلةٍ احتياطية.
اللاعبون لا يقفزون،
بل يتذكرون أنهم كانوا طيورًا قبل أن يخترع الإنسان الإسفلت.
الأرض تصفق من الأسفل،
والهواء يعلن النتيجة على لوحٍ لا يراه إلا الملائكة المتقاعدون من هندسة السقوط.
مضربٌ يعيد ترتيب الصمت

في ملعب التنس،
كل ضربةٍ تمحو جملةً كتبها الصمت على الهواء.
الكرة البيضاء رسولٌ لا ينتمي إلى أحد،
يسافر بين عزلتين متقابلتين،
والشبكة ليست فاصلًا،
بل جرحًا دقيقًا في منتصف العالم،
يتعلم من خلاله الفراغ كيف ينقسم إلى احتمالين.
أرشيف العرق

في غرفة الإحصاءات،
لا يعدّون الأهداف وحدها،
بل يحصون عدد المرات التي هزم فيها لاعبٌ خوفه قبل خصمه.
الأرقام بذورٌ سوداء،
والبيانات غابةٌ لا يسمعها إلا من يضع أذنه على قلب المباراة.
كل رسمٍ بياني مرآة،
وكل نسبةٍ مئوية شجرةٌ تخفي عصفورًا من المعنى.
مانهاتن تمشط شعرها بالعشب

في مانهاتن،
كانت النوافذ ترتدي قمصانًا لا تعرف أسماء أصحابها.
المقاهي تبخر فناجينها كما لو أنها تبخر ملاعب قديمة،
والأرصفة تتدرب على الهتاف قبل الجماهير.
المترو يحمل في جوفه قاراتٍ صغيرةً من المشجعين،
يصعدون من الظلام حاملين أعلامًا تشبه حدائق متنقلة،
ثم يختفون داخل نهارٍ مصنوعٍ من الشاشات.
النشرة الأخيرة قبل الصافرة

لم تكن النشرة الرياضية خبرًا،
بل طقسًا لتطهير العالم من صدأ الأيام.
تنتقل العدسات بين الملاعب، والمدرجات، وغرف البث، والممرات،
كأنها شرايين مدينةٍ واحدةٍ اسمها الفرجة.
وقبل أن يقترب زمن البداية،
أدركتُ أن المباراة لا تبدأ عندما يلمس اللاعب الكرة،
بل عندما يؤمن ملايين الغرباء، في اللحظة نفسها، أن حلمًا واحدًا يمكن أن يتدحرج فوق العشب.

 

 
العشب الذي يقرأ الصحف

استيقظ العشب قبل اللاعبين.
كان يقرأ الجرائد التي نسيتها الريح فوق المدرجات.
كل عنوانٍ يتحدث عن مباراة،
بينما الهامش يكتب سيرة حذاءٍ مات في الدقيقة الأخيرة.
قالت الأرض:
أنا لا أحفظ أسماء الأبطال،
بل أحفظ ثقل الخطوة الأولى،
حين يقرر طفلٌ أن يحوّل الشارع إلى قارة.
عين الكاميرا الثالثة

الكاميرا ليست آلة.
إنها غرابٌ من زجاجٍ يشرب الضوء.
كلما أغمضت عينًا
فتحت مدينةٌ كاملة نافذتها.
المخرج يربّي الزمن داخل شاشة،
والمصور يطارد ظلَّ الكرة
كما يطارد ناسكٌ آخرَ فراشةٍ في خراب الدير.
نيويورك تأكل أسماءها

في مانهاتن
تتدلى الإشارات الضوئية
مثل ساعاتٍ فقدت معصمها.
تسير الحشود بأعلامٍ تشبه الغابات،
والمباني العالية
تبدّل واجهاتها كل دقيقة
كي لا تتعرف إليها الذاكرة.

المقاهي تصنع القهوة
من بقايا هتافات الأمس،
والنادل يوزع فناجين
مملوءةً بإعاداتٍ بطيئة.
استديو الريح

دخل المحللون
فخرجت معهم خرائط القارات.
الطاولة المستديرة
تحولت إلى مدارٍ يدور حول كرةٍ لا تُرى.
الأرقام تصعد على الشاشة
مثل طيورٍ مهاجرة،
ثم تتحول فجأةً
إلى غابةٍ من الأسئلة.

قال أحدهم:
الاستحواذ ظلٌّ طويل.
وقال آخر:
الزمن هو اللاعب الوحيد
الذي لا يستبدله المدرب.
كرة السلة أو شجرة الجاذبية

السلةُ ليست سلةً.
إنها فمُ السماء
حين تضحك للعمالقة.

يقفز اللاعب،
فتتذكر الجاذبية
أنها كانت طائرًا.

وترتطم الكرة بالخشب،
فيولد من الصوت
حصانٌ برتقالي
يجري داخل القاعة
ولا يمسكه أحد.
كرة اليد أو القفاز الأخير

في المرمى
كان الحارس يلبس غيمتين.

كل تصدٍّ
يؤجل سقوط كوكب.

الكرة لهبٌ صغير،
والأصابع
أشجارٌ تعرف كيف توقف النار.

وحين يسقط لاعب،
ينهض الملعب كله
لكي لا يبقى التراب وحيدًا.
المضمار الذي يركض

لا أحد يركض.

المضمار هو الذي يجري
تحت أقدام العدّائين.

والخط الأبيض
أفعى من طباشير
تبتلع الزمن
ثم تتقيأ أرقامًا قياسية.

كل عدّاء
يحمل على ظهره
طفولته الأولى،
ويحاول أن يسبقها.
الملاكم الذي يصافح ظله

الجرس
جرحٌ دائري.

والقفازات
كوكبان يبحثان عن مدار.

لا خصمين في الحلبة،
بل مرآتان
تتبادلان الخوف.

كل لكمة
توقظ عظمةً نائمةً
في تاريخ الإنسان.

والعرق
لغةٌ أقدم
من جميع القواميس.
الدراجة التي تنسى الطريق

الطريق هو الذي يدور.

أما العجلة
فمجرد ساعةٍ مستديرة.

الريحُ حكمٌ صامت،
والمنحدر شاعرٌ
يكتب قصيدته
بحروفٍ من حصى.

يصعد المتسابق الجبل،
بينما الجبل
ينزل إلى قلبه.
نشرة ما قبل الغياب

في آخر النشرة،
لم يتحدثوا عن النتائج.

تحدثوا عن طفلٍ
رسم ملعبًا بالطبشور
أمام بيته.

وعن امرأةٍ
صفقت لهدفٍ
لم تشاهده.

وعن عجوزٍ
احتفظ بتذكرة مباراة
حتى صارت ورقةً صفراء
تشبه خريف العالم.

ثم انطفأت الشاشات.

لكن المدينة
ظلت مضاءةً
بملايين العيون
التي لم تكن تشاهد الرياضة...

بل كانت تشاهد
نفسها
وهي تحاول،
مرةً أخرى،
أن تهزم
وحدتها.

 
الماء الذي يتذكر الرئتين

(السباحة)

المسبح مرآةٌ نسيت وجهها.
كل سبّاحٍ يعبره كأنه يعيد اختراع الماء.
الأذرعُ ليست أذرعًا،
بل جسورٌ زرقاء بين شهيقين.
وفي قاع الحوض
تنام ساعةٌ لا تعرف اليابسة،
تعدُّ الزمن بفقاعاتٍ تصعد
ثم تموت على سطح الضوء.
السقف الذي يسقط إلى أعلى

(الجمباز)

الجسد يكتب معادلاته على الهواء.
الجاذبية تصفق ثم تتراجع.
العارضة ضيقةٌ
كحدِّ القصيدة،
لكن القدم
تعرف كيف تمرُّ من ثقب الريح.
كل دورانٍ
استعارةٌ يحاول الفراغ أن يفهمها.
القفاز الذي يصلي

(الملاكمة)

الحلبة دائرةٌ
رسمها الزمن بطباشير الدم.

الجرس لا يعلن الجولة،
بل يوقظ العظام من نومها.

كل قبضةٍ
تحاور هشاشة الإنسان،
وكل خطوةٍ للخلف
هي خطوةٌ نحو الداخل.

والحكم
لا يعدُّ الثواني،
بل يعدُّ ما تبقى من الصمت.
التراب الذي يصارع التراب

(المصارعة)

الجسدان
جبلان يبحثان عن ظلٍّ واحد.

الأرض
ليست أرضًا،
إنها شاهدٌ
على تفاوض العضلات مع القدر.

كل سقوطٍ
يعيد ترتيب الجهات الأربع.

وكل نهوضٍ
يصحح خطأً ارتكبته الجاذبية.
الحزام الأبيض

(الجودو والكاراتيه والتايكوندو)

الخصم
ليس الواقف أمامك.

إنه اليد
حين تنسى الرحمة.

إنه القدم
حين تتقدم أسرع من القلب.

الانحناءة الأولى
أعمق من الضربة الأخيرة.

والحزام
ليس لونًا،
بل نهرٌ طويل
تعبره الروح
حتى تتعلم الاقتصاد في القوة.
الجبل المحمول

(رفع الأثقال)

الحديد
يفكر بصوتٍ منخفض.

اللاعب
لا يرفع الوزن.

إنه يرفع
طبقاتٍ كاملةً من الأمس.

العارضة المعدنية
قوسٌ بين كتفين،
والكتفان
جسرٌ بين الإنسان
وحدوده المستحيلة.
الحصان الذي يقرأ الريح

(الفروسية)

السرج
كتابٌ مفتوح.

والحصان
قصيدةٌ كتبتها الأرض
ثم أطلقتها في البراري.

الفارس
لا يقود الحيوان.

إنه يصغي
إلى اللغة القديمة
التي ما زالت الحوافر تحفظها.

كل قفزةٍ فوق الحاجز
تترك في الهواء
نافذةً مفتوحة.
الرصاصة التي ضلت طريقها

(الرماية)

الهدف
ليس الدائرة السوداء.

الهدف
هو اليد
حين تتوقف عن الارتجاف.

الرصاصة
تغادر العالم
ثم تعود إليه
في هيئة صمت.

وكل إصابةٍ دقيقة
تثبت أن الفراغ
يمكن تدريبه.
النهر الذي يجدف بنفسه

(التجديف)

المجداف
ريشةٌ ضخمة
في جناح الماء.

القارب
جملةٌ طويلة
تبحث عن فاصلة.

النهر
لا يجري.

إنه يقرأ المجدفين
واحدًا واحدًا.

والضفة
تتعلم الانتظار
كلما ابتعدت المجاديف.
الشراع الذي يحلم بالريح

(الإبحار الشراعي)

البحر
ملعبٌ لا خطوط فيه.

الريح
مدربٌ لا يظهر على الشاشة.

الشراع
صفحةٌ بيضاء
تكتب عليها العاصفة
ملاحظاتها.

والبوصلة
تسأل الموج:
من يقود الآخر؟
الثلج الذي يحترق

(التزلج)

الأبيض
ليس لونًا.

إنه صوتٌ
تجمد من فرط السرعة.

المتزحلق
يوقّع اسمه
على صفحة الشتاء.

ثم تمحو الريح
التوقيع
كي يبدأ الفن
من جديد.
اللاعب الذي يسكن الكهرباء

(الرياضات الإلكترونية)

لا عشب.

لا مضمار.

لا بحر.

ومع ذلك
تتسابق القلوب.

الشاشة
مدينةٌ ثانية.

الأزرار
مفاصلُ أصابعٍ رقمية.

واللاعب
يعبر متاهةً من الضوء،
حيث تتحول الخوارزميات
إلى خصوم،
ويصبح الزمن
نبضًا إلكترونيًا
لا يراه أحد.
غرفة البث الأخيرة

في استديو beIN SPORTS
لا يفسرون المباريات وحدها.

إنهم يجمعون
شظايا العالم
في إطارٍ واحد.

المخرج
يوازن بين نبضة الجمهور
وارتعاشة العدسة.

ومهندس الصوت
ينقذ الهتاف
من الغرق في الضجيج.

ومحلل البيانات
يقرأ خرائط الحركة
كما لو كانت مخطوطاتٍ قديمة
اكتُشفت تحت عشب ملعبٍ منسي.

ثم تخرج النشرة.

فتبدو الرياضة
وكأنها ليست أخبارًا عن منافسات،
بل علمًا يدرس
كيف يستطيع الإنسان
أن يحوّل الجسد،
والزمن،
والحلم،
________
فs

_______

s

تعليقات

المشاركات الشائعة