كان الغواصون يقولون إن البحر لا يمنح اللؤلؤ إلا لمن ينسى اسمه عند أول موجة، ولذلك ألقى الجيلي النور اسمه في الماء كما تُلقى حفنة ملح في قدر قديم، وما إن لامست الحروف القاع حتى انشقَّت صدفة ضخمة خرجت منها الجنية الحميرية «صباح الخير» بثوب من زَبَدٍ أخضر، تحمل في كفها ساعة لا تشير إلى الوقت بل إلى العصور. ابتسمت وقالت إن الزمن لا يمضي إلى الأمام، وإنما يختبئ داخل المحار حتى يوقظه شاعر يعرف لغة المرجان. ومنذ تلك الليلة أخذت السفن الخشبية تعود من رحلاتها وهي محمّلة بمدنٍ كاملة بدل اللؤلؤ، فمرةً تعود بعدن القديمة، ومرةً تحمل سوق عكاظ فوق ألواحها، ومرةً تُرسي على الشاطئ ميناءً لم يولد بعد. ولم يجرؤ أحد على سؤال البحارة عن حقيقة ما رأوه، لأن وجوههم كانت تشبه خرائطٍ رُسمت بماء البحر، ولأن عيونهم كانت تلمع كأنها تنظر إلى قرون لم تصل بعد إلى العالم.
كان مرج البحرين يتنفس كل فجر كما يتنفس كائن أسطوري نائم، فإذا اختلط الماء العذب بالملح ظهرت مكتبة من الضباب لا يراها إلا الجيلي النور والجنية صباح الخير. هناك كانت الكتب مكتوبة على أجنحة النوارس، وكلما حلقت إحداها تبدلت صفحات التاريخ، فيستيقظ ملك حميري داخل ناطحة سحاب، ويجلس في الطابق الأخير يراقب شاحنات النفط كما لو كانت قوافل اللبان العائدة من حضرموت. وكانت الجنية تقرأ بصوت خفيض أسماء القبائل البائدة، فتخرج من الحروف أشجار لا جذور لها إلا في ذاكرة البحر. وعندما حاول أحد الصيادين اقتلاع شجرة منها، وجد في جذعها بابًا صغيرًا يقود إلى مدينة يعيش أهلها يومًا واحدًا منذ ألفي عام، ثم يعيدون النهار نفسه كلما ارتطم الموج بخشب السفن.
وفي موسمٍ بدا فيه الخليج أكثر زرقة من الحلم، خرج الصيادون يبحثون عن المرجان، لكن شباكهم امتلأت بمصابيح نحاسية عتيقة، وكل مصباح كان يخفي سماءً كاملة لا جنيًّا واحدًا. فتحت صباح الخير أول مصباح، فانهمرت منه نجوم تتحدث باللغة الحميرية، وفتحت الثاني فخرجت ريح تحمل رائحة الهند والقرنفل وخشب الصندل، أما الثالث فقد انسكب منه زمنٌ مكسور أخذ يلتئم فوق الرمال حتى صار طريقًا يسير عليه الموتى والأحياء معًا. سار الجيلي النور فوق ذلك الطريق وهو يسمع قصائد لم يكتبها أحد بعد، ورأى المدن العربية تبدل وجوهها كلما قرأ بيتًا جديدًا، حتى أدرك أن الأسطورة لم تكن مختبئة في المصباح، بل في الإنسان الذي يصدق أن البحر ما زال قادرًا على إعادة التاريخ من أعماقه، وأن اللؤلؤ ليس سوى دمعةٍ تصلبت فوق خد الزمن المستعاد
-
سوقٌ يبيع الأعمار المستعملة، حيث يشتري البحارة أعمار ملوك حمير أو شعراء الجاهلية ليعيشوا بها يومًا واحدًا، بينما تُباع أعمار المستقبل في مزاد لا يحضره إلا الجن.
-
محكمةٌ يحاكم فيها الزمن نفسه، يترافع فيها المؤرخون والأنبياء والجنية صباح الخير حول السؤال: هل خان الزمن العرب أم خانه العرب؟
-
الجزيرة التي تظهر مرة كل ألف عام، ولا يدخلها إلا من نسي لغته الأم، وهناك يجد الأبجدية الأولى وهي تنمو على الأشجار كالثمار.
-
مدينةٌ تُضاء بمصابيح الأحلام، حيث تتحول رؤى النائمين إلى شوارع وقصور، ويصبح الكابوس مؤسسةً حكومية تدير شؤون الليل.
-
مقبرة السفن التي لم تُبحر قط، حيث ترسو سفن خشبية صُنعت منذ قرون لكنها رفضت حمل الحروب، فآثرت انتظار بحرٍ أكثر رحمة.
-
شجرة المرجان التي تنبت في السماء، جذورها في قاع الخليج وأغصانها بين النجوم، وكل فرع يحمل تاريخ حضارة لم تُولد بعد، ويتسلقها الجيلي النور ليقرأ مستقبل اللغات.
-
مدينةٌ يحكمها الصدى بدل البشر، فلا يُتخذ قرار إلا بعد أن تكرره الجبال والبحر ثلاث مرات، بينما يصبح الصمت جريمة فلسفية.
-
متحف الظلال العربية، حيث تُعرض ظلال الملوك والشعراء والمتصوفة منفصلة عن أصحابها، وتروي ما أخفاه التاريخ الرسمي وما نسيته المخطوطات.
-
الريح التي تجمع الكلمات المنقرضة، فتدور بها فوق الخليج حتى تتحول إلى أسراب طيور، وكل طائر إذا حط على كتف شاعر أعاد إلى العربية كلمة مفقودة منذ آلاف السنين.
-
المرآة التي تعكس الحضارات البديلة، فلا يرى الناظر وجهه، بل يرى تاريخًا آخر لم يسقط فيه سد مأرب، ولم تُحرق مكتبة، ولم تُهزم مدينة، فينشأ صراع ميتافيزيقي بين العالم الذي حدث والعالم الذي كان يمكن أن يحدث.
استيف أوستن
الخارق
لا تقلل من شأن و لا تدع احدا في السهرة يلتصق بعينك غيرها . لقد تعاملت معها بلطف فلم تشأ ان تتركها نهبا لل . لقد رأيتها لقد تعرقت كفي . أريت كيف تراجعت من عنادها لا بد انه شىء ثمين
القصص والحكايات العجائبية السريالية المتشظية التي تدور احداثها عن الزمن المستعاد عبر روايات متعددة الايدلوجيات و الفلسفات من خلال كتابة ونقد الاثر التاريخي و الحضاري و الميتافيزيقي لمأزق العرب البائدة في العصر الحديث بين الجنية الحميرية اليمنية " صباح الخير " وبين الشاعر " الجيلي النور " الذي يسكن مرج البحرين حيث يتلقي الخير بالشر و تخرج الاسطورة من قمم المصباح السحري في رحلات الصيادين ومغامراتهم ال السفن الخشبية على شاطىء الخليج العربي و الهند و و صيد اللؤلؤ و المرجان .
انهيار سد مأرب.
تجارة اللبان.
رحلات الهند.
طريق الحرير.
موانئ الخليج.
سفن شرق أفريقيا.
تعليقات
إرسال تعليق