فقه الاذمة

 

في المدينة التي علّقت قلبها على مسمارٍ صدئٍ في جدار التاريخ،
كان الإبداع كائناً أزرقَ يخرج من فم العاصفة حاملاً مصباحاً بلا زيت،
يبحث عن المعنى الهارب بين أصابع الشعراء الذين ناموا فوق خرائط الحروب،
وكانت القصيدة تضع أذنها على صدر الأرض فتسمع ارتجاف الكواكب الصغيرة،
لم يكن الخلق ولادة كلمات فقط، بل كان انقلاباً سرياً على موت الأشياء،
حيث يتحول الرماد إلى حروف، ويتحول الصمت إلى معبدٍ للدهشة.

في كهف الذاكرة جلس الشاعر الأول بجانب نهرٍ لا يعرف اتجاهه،
وقال للحجر: علّمني كيف أحفظ وجع الذين لم تكتبهم الكتب،
فأجابه الحجر بصوتٍ يشبه سقوط نجمة في بئر قديمة:
إن الإبداع هو أن ترى الباب الذي لا يراه السجانون،
وأن تمنح للظل اسماً وللمنسيين قبوراً من نور،
وأن تجعل من الجرح نافذة تطل منها الآلهة المفقودة.

كانت الريشة في يد الفنان سيفاً من زجاج،
لا يقتل أحداً لكنه يكشف الدماء المخفية تحت جلد العالم،
وكانت اللوحة مرآةً للوحش الجميل القابع في أعماق الإنسان،
كل لون فيها صلاة سرية، وكل خط فيها احتجاج على الفناء،
فالفن ليس زينة للقصر، بل زلزالٌ تحت عرش الغرور،
ومدينةٌ جديدة تولد من أنقاض المدن القديمة.

في سوق الأفكار وقف الإبداع مثل تاجرٍ فقير يبيع أكاليل من البرق،
جاءه السلاطين يريدون شراء روحه ووضعها في خزائنهم،
لكن القصيدة هربت من القصر ونامت في حضن الشوارع،
لأن الكلمة الحرة لا تعيش في أقفاص الذهب،
ولا تقبل أن تكون خادمة لظل الإمبراطور،
فهي ابنة الريح التي لا تحمل جواز سفر لأحد.

ثم ظهر السياسي في الحلم كتمثالٍ له ألف وجه،
كل وجه يبتسم لشعبٍ مختلف، وكل يد تخفي مرآة مكسورة،
وكانت الأيديولوجيا حصاناً نارياً يركض فوق حقول البشر،
مرة يحمل راية العدالة، ومرة يحمل خنجر الهيمنة،
وبينهما يقف الإنسان يبحث عن اسمه الضائع،
كأنه حرفٌ سقط من كتاب التاريخ ولم يجده أحد.

في قاعة الحكم المهجورة كانت الكراسي تتحدث عن أصحابها،
تروي كيف ابتلعت السلطة أرواح الذين جلسوا عليها،
وكيف تحول الحلم السياسي أحياناً إلى قناعٍ من حديد،
وكيف يصبح الفن مرآةً للحاكم أو مطرقةً تكسر مرآته،
فالسياسة ليست فقط خرائط وحدوداً وجيوشاً،
بل صراعٌ أبدي بين الخيال والواقع، بين القيد والحرية.

في منتصف الليل ظهر الإنسان الكامل من بين ضباب الأساطير،
ليس إلهاً ولا ملاكاً، بل جسراً بين الطين والنجوم،
يحمل جسداً يعرف ضعفه وروحاً تبحث عن خلودها،
كان نيتشه يراه فوق الجبل، وكان الصوفي يراه في مرآة القلب،
وكان الفقير يراه في لقمة يتقاسمها مع الجائع،
فالسوبر مان الحقيقي هو من ينتصر على وحشه الداخلي.

كان الجسد مدينةً من الأسرار، والروح بحراً بلا شاطئ،
كل خلية فيه قصيدة، وكل نبضة سؤال عن البداية والنهاية،
لكن الإنسان المعاصر ضيّع مفتاح المعبد بين آلات السرعة،
صار يملك آلاف الصور عن العالم ولا يعرف وجهه،
يحمل هاتفاً يضيء الليل لكنه يخاف من ظلام داخله،
ويبحث عن الخلاص في الخارج بينما النار تسكن قلبه.

في مصنع الزمن كانت الآلات تطحن أحلام العمال،
وكان الذهب يتكاثر في خزائن لا تعرف رائحة الخبز،
ظهر الاقتصاد كوحشٍ أسطوري له معدة بلا قاع،
يأكل الموارد ويترك للفقراء خرائط الجوع،
لكن المادة ليست عدواً للروح، بل امتحاناً لعلاقة الإنسان بالأشياء،
فالذهب يمكن أن يكون قيداً ويمكن أن يكون مفتاحاً للرحمة.

تحت شجرة التاريخ جلس الاقتصاد والفلسفة يتجادلان،
قالت المادة: أنا التي أبني المدن وأحرك عجلات الحضارة،
قال التاريخ: وأنا الذي أعطي الأشياء معناها وذاكرتها،
فضحك الزمن وقال: كلاكما ظلٌّ لحقيقة أعمق،
فالإنسان هو القصيدة التي تكتبها المادة فوق صفحات التاريخ،
وهو الحلم الذي يحاول التحرر من سجن الضرورة.

في أزقة المجتمع المزدحمة كانت الوجوه نجوماً مكسورة،
كل فرد يحمل قبيلة صغيرة من الأحلام والخوف والذكريات،
وكان الاجتماع البشري خيمةً واسعة تهتز فوق رياح التغيير،
بين التضامن والعزلة، بين الجماعة والفرد، بين الماضي والمستقبل،
فالمجتمع ليس حشداً من الأجساد المتجاورة،
بل روحاً جماعية تبحث عن لغة تحفظ توازنها.

في قلب المجتمع المعلق بين السماء والهاوية،
كانت العائلة القديمة تمشي حاملةً مصباح الأجداد في يد،
وهاتف المستقبل في اليد الأخرى،
تسأل الأشباح التي تسكن البيوت: من نحن بعد أن فقدنا ظلالنا؟
فلم يعد الإنسان ابناً لمكان واحد، بل ابن خرائط كثيرة متصارعة،
يمشي بجسده في شارعٍ واحد، وروحه في ألف مدينة.

كان الفقر يجلس على باب المدينة كحارسٍ أعمى،
وكان الثراء يمر بجانبه مرتدياً قناعاً من ذهب،
وبينهما طفل يرسم شمساً على جدار متهالك،
لا يعرف أن الرسم فعل مقاومة، وأن الحلم ثورة صغيرة،
وأن المجتمع الذي يفقد خياله يفقد قلبه،
ويتحول إلى آلة ضخمة تأكل أبناءها ببطء.

في معبد الروح القديم،
كان الناس يسكبون أسئلتهم في نهر الغيب،
بحثاً عن يدٍ تمتد من وراء الستار،
عن معنى يتجاوز ضجيج الأسواق وصراخ المدن،
فالدين لم يكن في جوهره جداراً بين البشر،
بل نافذة تطل منها الروح على سر الوجود.

تحت قبة السماء اجتمعت الكتب المقدسة في حلمٍ واحد،
تحدثت التوراة بلغة الذاكرة والميثاق،
وتلا الإنجيل تراتيل المحبة والخلاص،
وحمل القرآن نداء التوحيد والرحمة والعدل،
وجاءت حكمة الهند القديمة بأسرار التأمل والتحرر،
وتكلمت البوذية عن طريق الصمت وإطفاء نار التعلق.

كانت الأديان الستة الكبرى في حديقة رمزية بلا أسوار،
كل شجرة فيها تمد جذورها نحو سؤال الإنسان الأول،
من أين جئنا؟ وإلى أين نمضي؟
وكانت العصافير فوقها لا تسأل عن أسماء الأشجار،
بل عن الثمار التي تمنحها للبشر،
لأن الروح تعرف أن المحبة أقدم من الخلاف.

لكن الإنسان صنع من النوافذ جدراناً،
وحول الطرق إلى متاهات،
وجعل من الرمز سيفاً ومن المقدس راية صراع،
فضاعت موسيقى القلب بين أصوات الغضب،
وصار البحث عن الله أحياناً رحلةً بين أقنعة البشر،
حتى أصبح السؤال الروحي نفسه بحاجة إلى خلاص.

في مكتبة الفلاسفة المعلقة بين الأرض والنجوم،
كان سقراط يشرب كأس السؤال،
وأفلاطون يطارد ظلال الحقيقة في كهف البشر،
وابن رشد يفتح أبواب العقل أمام ريح الاجتهاد،
وابن عربي يرسم خرائط العشق الإلهي فوق صفحة الكون،
وكانت الفلسفة سفينةً تبحث عن شاطئ لا يظهر.

قال العقل للروح: لا تخافي من السؤال،
فالسؤال جناح المعرفة الأول،
وقالت الروح للعقل: لا تجعل من نفسك إلهاً صغيراً،
فالعالم أكبر من كل المعادلات،
وبينهما ولد الاجتهاد كطفلٍ يحمل نجمة في يده،
يمشي بين النص والتجربة باحثاً عن الحكمة.

في مدينة الفكر كانت المدارس القديمة تتقاتل كظلال،
كل مدرسة تقول: أنا الطريق الوحيد إلى النور،
لكن النور كان يضحك من خلف الجبال،
لأنه لا يسكن في طريق واحد،
ولا يقبل أن يُحبس داخل تعريف،
فالحق بحرٌ وكل فكرة موجة عابرة فوق مائه.

في مختبر اللغة جلس الحرف على كرسي التشريح،
يسأل نفسه: هل أنا صوت أم ذاكرة أم وطن؟
كانت الكلمات كائنات حية تهاجر بين الشعوب،
تبدل ثيابها لكنها تحمل أرواحها القديمة،
وكان المترجم ساحراً يعبر الجسور بين القارات،
يحمل قلب لغة إلى قلب لغة أخرى دون أن يقتل نبضها.

الترجمة لم تكن نقلاً للمعنى فقط،
بل ولادة ثانية للأفكار في رحمٍ جديد،
فالكلمة حين تعبر الحدود تفقد بعض ظلالها،
لكنها تكتسب أجنحة جديدة من أصوات الآخرين،
وكانت اللغات مثل كواكب تدور حول شمس واحدة،
اسمها الرغبة البشرية في الفهم والتواصل.

في قصر اللغة المهجور كانت الكلمات القديمة تنام،
تحتفظ بأسرار القبائل والأساطير والدموع،
كل مفردة قبر صغير لإنسان عاش ذات يوم،
وكل استعارة نافذة مفتوحة على زمن آخر،
لذلك كان موت اللغة موتاً لجزء من الذاكرة،
وكان إنقاذ الحروف إنقاذاً لروح العالم.

ثم جاء الإنسان المعاصر يحمل ألف شاشة في عينيه،
وألف ضوضاء في رأسه،
صار يرى كل شيء ولا يتأمل شيئاً،
يمتلك المعرفة لكنه يفتقد الحكمة،
يضحك أمام العالم ويخفي في داخله صحراء واسعة،
كأنه آخر كائن يبحث عن نفسه بين أنقاض نفسه.

في مستشفى الجنون الكبير جلس العقلاء ينتظرون دورهم،
وكان المجانين يرسمون خرائط أكثر صدقاً للكون،
فالجنون أحياناً مرآة تكشف ما يخفيه العقل،
والسريالية ليست هروباً من الواقع،
بل دخولاً إلى الغرف السرية التي أغلقها الواقع،
حيث تنام الوحوش والأحلام جنباً إلى جنب.

كان الحلم حصاناً برياً يركض فوق جدران المنطق،
يحمل رسائل من المستقبل إلى الماضي،
ويقول للإنسان: لا تخف من الفوضى التي بداخلك،
ففي قلب الانهيار قد تولد قارة جديدة،
وفي شقوق الروح تنبت أزهار لا يعرفها أحد،
فالأزمة ليست نهاية الطريق بل بوابة التحول.

وفي آخر مرآة من مرايا الوجود،
وقف الإنسان أمام نفسه بلا أقنعة،
رأى السياسي والفنان والعابد والتاجر والفيلسوف،
رأى الطفل القديم والشيخ القادم،
رأى الجرح الذي صنعه والخلاص الذي يبحث عنه،
وفهم أن فقه الأزمة هو فقه المصالحة مع الكائن الداخلي.

الذي يفاوض جنونه في نهاية العالم.

في قاع المدينة التي نسيت اسمها،
كان الزمن يجلس ككاهنٍ أعمى يقلب صفحات لا يقرأها أحد،
تسقط من يديه أعمار الملوك، وأحلام الفقراء، وخرائط الإمبراطوريات،
ويضحك لأن الجميع يظنون أنهم يملكون اللحظة،
بينما اللحظة هي التي تملك أعناقهم،
وتقودهم كقافلة من الظلال نحو المجهول.

كان التاريخ وحشاً هائلاً ينام تحت سرير البشرية،
كلما ظن الإنسان أنه قتله، استيقظ من جديد،
يحمل في فمه حروباً قديمة وأغاني منسية،
ويعيد الأسئلة نفسها بأقنعة مختلفة،
لماذا يسقط الإنسان بعد أن يبني أبراجه؟
ولماذا يبحث عن الخلاص وهو يحمل بذور الخراب؟

في محراب الاقتصاد الخفي،
كانت العملات تطير كطيور ذهبية بلا قلوب،
تتنقل بين أصابع التجار كأنها أرواح هاربة،
وكانت الأسواق الكبرى تشبه أساطير بابل القديمة،
أبراجاً ترتفع نحو السماء ثم تسقط تحت ثقل الغرور،
فالمال أداة في يد الحكمة وسيف في يد الجشع.

جلس العامل القديم بجوار الروبوت الجديد،
كلاهما ينظر إلى الآلة التي أخذت من الإنسان بعض أحلامه،
قال العامل: كنت أخشى الجوع،
وقال الروبوت: أنا أخشى أن أكتشف أنني نسخة بلا روح،
فضحكت الآلة وقالت: أنتم جميعاً تبحثون عن المعنى،
لكنكم نسيتم أن المعنى لا يُصنع في المصانع.

في مصنع المستقبل كانت الأرواح تُعبأ في علب شفافة،
والذكريات تُباع في أسواق رقمية،
والإنسان يشتري نسخة محسنة من ماضيه،
ثم يكتشف أنه فقد الحاضر الذي كان يعيشه،
فالحضارة التي تمنح الإنسان كل شيء،
قد تسلبه الشيء الوحيد الذي يحتاجه: نفسه.

في مملكة الاجتماع الجديدة،
لم تعد القبائل تسكن الصحراء فقط،
بل أصبحت تسكن الشاشات والأفكار والمعتقدات،
كل جماعة تبني سوراً من الكلمات حول ذاتها،
وتنسى أن الآخر ليس عدواً بالضرورة،
بل مرآة تكشف الجزء المفقود من صورتها.

كان الإنسان يهرب من الوحدة إلى الجموع،
ثم يهرب من الجموع إلى وحدة أعمق،
يحمل آلاف الأصدقاء في العالم الافتراضي،
ولا يجد يداً واحدة تمسك قلبه عند السقوط،
فأصبحت العزلة مرض العصر الجديد،
وصار الصمت لغة لا يتقنها أحد.

في مدينة الدين القادمة،
لم تكن المعابد من حجر فقط،
بل كانت في القلوب التي تعلمت الرحمة،
وفي الأيدي التي تعطي دون انتظار،
وفي العيون التي ترى الإنسان قبل عقيدته،
فالقداسة لا تسكن الأماكن وحدها، بل تسكن الأفعال.

جاءت أسطورة النبي الرقمي في حلم البشرية،
يحمل لوحاً من نور لا من حجر،
يكتب عليه: لا تجعلوا التقنية إلهاً جديداً،
ولا تجعلوا الإنسان رقماً في دفتر الآلات،
فالروح أقدم من كل خوارزمية،
والقلب أوسع من كل ذاكرة إلكترونية.

في مجلس الحكماء الصامتين،
كان الفيلسوف والمجنون والشاعر يجلسون حول نار واحدة،
قال الفيلسوف: أبحث عن الحقيقة،
وقال المجنون: أرى ما تخفيه الحقيقة،
وقال الشاعر: أنا الجسر بينكما،
أحمل السؤال في جناح وأحمل الحلم في الجناح الآخر.

كانت الفلسفة في عصر الأزمة سفينة مثقوبة،
لكنها ترفض الغرق،
لأن الإنسان لا يستطيع العيش بلا سؤال،
ولا يستطيع بناء عالم جديد بلا خيال،
فالاجتهاد ليس خروجاً على الماضي،
بل إعادة فتح النوافذ التي أغلقها الغبار.

في كهف اللغة الثانية،
كانت الكلمات المهاجرة تبكي أوطانها الأولى،
الحرف العربي يحمل رائحة الصحراء،
والحرف الإفريقي يحمل صوت الطبول القديمة،
والحرف الآسيوي يحمل حكمة الجبال،
وجميعها تبحث عن أغنية واحدة للبشرية.

كان المترجم يسير فوق جسر من الزجاج،
تحت قدميه بحر من سوء الفهم،
وفوق رأسه سماء من الاحتمالات،
يحاول أن ينقل روح النص لا جسده فقط،
لأن الكلمات إذا فقدت روحها أصبحت جثثاً لغوية،
واللغة بلا روح مقبرة واسعة للأصوات.

في مختبر السريالية الكبرى،
انكسرت الساعة وبدأت الأحلام تعمل بدلاً منها،
صار الحصان يقرأ الفلسفة،
والشجرة تحفظ أسماء الموتى،
والنهر يتذكر وجوه الذين عبروا فوقه،
لأن الخيال ليس هروباً من العالم بل كشفاً لطبقاته الخفية.

كان الجنون الأخير يقف عند باب الحضارة،
يحمل مرآة ويقول: انظروا إلى وجوهكم،
أنتم تخافون مني لأنني أريكم ما تخفون،
أنا ابن الأسئلة التي لم تجد جواباً،
وحارس المناطق التي نفيتموها من ذواتكم،
فلا حضارة كاملة بلا ظل يرافقها.

في آخر الليل،
حين نامت المدن وبقيت النجوم وحدها مستيقظة،
خرج الإنسان من قصره ومن سجنه ومن أقنعته،
مشى نحو الصحراء يبحث عن صوته الأول،
فوجد أن الأزمة لم تكن عدوه،
بل كانت المعلم القديم الذي يقوده إلى ولادته الجديدة.

 

في مستشفى الروح الحديثة كان الإنسان يرقد بلا جرحٍ ظاهر،
لكن قلبه يحمل كسوراً لا تراها أجهزة الطب،
فقد أكلت السرعة نصف ذاكرته،
وأكلت المقارنة نصف أحلامه،
وصار يمشي في العالم بوجهٍ مستعار،
كأن روحه صفحة إلكترونية نسيت كلمة المرور.

كانت النفس المعاصرة بيتاً من زجاجٍ مكسور،
كل نافذة فيه تطل على خوف جديد،
الخوف من الفشل، والخوف من الاختلاف،
والخوف من أن يكون الإنسان نفسه في عالمٍ يطلب منه أن يكون نسخة،
فأصبح الفرد قبيلةً من الأصوات المتصارعة داخله،
بين طفل يريد اللعب وشيخ يحمل رماد القرون.

جاء الفنان الحديث إلى هذا الخراب حاملاً مرآة سوداء،
لم يرسم الورد فقط، بل كشف الجذور المختبئة تحت التراب،
لم يغنِّ للمدينة النائمة، بل أيقظ وحوشها الجميلة،
لم يكتب عن الإنسان كما يظهر في الشوارع،
بل عن الإنسان الذي يختبئ خلف قناع المجتمع،
ذلك الكائن الذي يضحك نهاراً ويبكي في غرفته السرية.

كانت حرية الفنان امتحاناً نارياً،
فليست الحرية أن يقول كل شيء بلا مسؤولية،
ولا أن يتحول الإبداع إلى صدى للغرائز العابرة،
بل أن يمتلك المبدع شجاعة النزول إلى أعماق الهاوية،
ثم العودة منها بحجر فلسفي يضيء العتمة،
حاملاً سؤال الإنسان لا ضجيج السوق.

الفنان الحقيقي لم يعد ناسخاً للعالم،
بل صار مهندساً لعوالم لم تولد بعد،
يكسر القالب الذي صنعه بالأمس،
ويتجاوز المنجز الذي جعله مشهوراً،
لأن المبدع الذي يعبد أسلوبه القديم يتحول إلى تمثال،
والتمثال مهما كان جميلاً لا يكتب قصيدة.

في مختبر الخيال جلس الشاعر أمام الكون،
يمزج الحلم بالأسطورة، والعلم بالحدس، والذاكرة بالمستقبل،
يصنع نصاً لا يشبه العالم القديم،
ولا يشبه حتى نفسه القديمة،
فالإبداع الأعظم هو ولادة إنسان جديد داخل اللغة،
وخروج النص من قفص صاحبه إلى فضاء البشرية.

لكن قطيع العصر كان يراقب من خلف الشاشات،
يريد للفنان أن يركع أمام التصفيق السريع،
وأن يحول روحه إلى سلعة في سوق الانتباه،
حيث يصبح العمق غريباً،
ويصبح التفاهة نجماً يلمع فوق مدينة فارغة،
وتصبح الشهرة أحياناً قبراً واسعاً للموهبة.

في ساحة الوهم الكبير ظهرت آلهة الاستهلاك،
تحمل وجوهاً براقة وقلوباً من معدن بارد،
تقول للإنسان: أنت ما تملك، لا ما تحلم،
أنت صورتك لا حقيقتك،
أنت عدد المشاهدات لا عمق التجربة،
حتى صار الإنسان يشتري الأشياء لكي يعوض فقدانه لذاته.

وكانت عقلية المؤامرة وحشاً يعيش في كهوف الخوف،
كلما عجز العقل عن فهم العالم اخترع عدواً غامضاً،
وأغلق نوافذه أمام المعرفة،
فصار الشك مرضاً بدل أن يكون أداة تفكير،
وصار الخيال سجناً بدل أن يكون جناحاً،
وصارت الحقيقة رهينة للصراخ الجماعي.

أما روح القطيع فكانت نهراً أسود يجرف الأفراد،
تمنح الإنسان راحة الانتماء مقابل فقدان صوته،
تطلب منه أن يكرر قبل أن يفكر،
وأن يكره قبل أن يعرف،
وأن يحاكم قبل أن يفهم،
فتضيع الفردية في ضجيج الجماعة.

في الغابة الحديثة ظهرت وحوش العنصرية بأقنعة جديدة،
تغير أسماءها لكنها تحتفظ بسمّها القديم،
تقيم الجدران بين البشر على أساس اللون أو الأصل أو الهوية،
وتنسى أن الإنسان الأول خرج من رحمٍ واحد،
وأن الأرض لم توقع عقد ملكية باسم قبيلة واحدة،
وأن التنوع هو قصيدة الكون الكبرى.

وكانت الاباحية حين تتحول إلى تجارة للإنسان،
تفقد الجسد قدسيته وتحوله إلى سلعة،
فالإنسان ليس جسداً فقط،
ولا روحاً معلقة خارج الجسد،
بل وحدة غامضة من الرغبة والمعنى والكرامة،
حيث يصبح احترام الكائن شرطاً لاحترام الحياة.

وفي الطرف الآخر كانت التكفيرية تغلق أبواب السؤال،
تخاف من العقل لأنه يفتح النوافذ،
وتخاف من الاختلاف لأنه يكشف هشاشة اليقين الزائف،
فتحوّل المقدس إلى سلاح،
بدلاً من أن يكون جسراً للرحمة،
وتنسى أن الإيمان العميق لا يحتاج إلى قمع الآخرين.

أما الإلحاد حين يتحول إلى عقيدة مغلقة،
فقد يفقد روح الفلسفة التي تبحث وتسأل،
فالإنسان في كل حالاته يظل كائناً يطارد المعنى،
سواء وجده في السماء أو في الأرض،
في الروح أو في العقل،
لأن السؤال عن الوجود أقدم من كل الإجابات.

في النهاية وقف الفنان أمام مرآة العالم،
لم يجد نفسه نبياً ولا متمرداً فقط،
بل شاهداً على عصر مكسور،
يحمل في يده مطرقة الهدم ومصباح البناء،
يعيد تشكيل الفوضى في هيئة قصيدة،
ويحوّل جرح البشرية إلى نافذة نحو المستقبل.

ففقه النفس الإنسانية المعاصرة ليس تشخيصاً للمرض فقط،
بل بحثٌ عن الإنسان الذي لم يولد بعد،
ذلك الكائن الذي يتحرر من القطيع دون أن يحتقر الجماعة،
ومن الماضي دون أن يقتل الذاكرة،
ومن التقنية دون أن يعبد الآلة،
ومن الوهم دون أن يفقد القدرة على الحلم.


تعليقات

المشاركات الشائعة