رواية القضارف المحروسة - الادارة العامة لأراضي القضارف

القضارف المحروسة

 كانت القضارف المحروسة في ذلك الصباح تشبه رجلاً خرج من حريق طويل ثم وقف أمام مرآة مكسورة يبحث في شظاياها عن وجهه القديم، وكانت المدينة قد كبرت دون أن تشعر، تمددت أحياؤها فوق الحقول، وارتفعت أسوارها حول المساحات التي كانت يوماً ميادين للعب ومراعي للصغار وممرات للماء، بينما كان المهندس المنتصر نصر الدين علي موسى الأنصاري، مدير الإدارة العامة للأراضي، يفتح خرائط الولاية في مكتبه ويقول إن المدينة لا تحترق بالنار وحدها، فقد تحترق حين تفقد ترتيبها، وحين يصبح بيت الإنسان أغلى من ذاكرته، وحين تصبح الأرض سلعة لا مكاناً للحياة، وحين تنسى الإدارة أن وراء كل رقم قطعة إنساناً ينتظر أن يجد لنفسه موضعاً ثابتاً في هذا العالم.

وكان أول ما ورثه المنتصر عن المدينة أن الأرض لا تسلم أسرارها بسهولة؛ فهي تبدو ساكنة تحت القدمين، لكنها تحفظ أسماء الذين زرعوها والذين باعوها والذين ورثوها والذين اقتلعوا منها، وتحفظ كذلك أول خط رسمه المسّاح، وأول جدار أقيم فوقها، وأول خلاف بين شقيقين على حدود حقل، ولذلك كان كل ملف عقاري يصل إلى مكتبه يبدو له مثل رواية ناقصة، فالوثيقة تبدأ من تاريخ محدد، أما الأرض فتبدأ من زمن لا يعرف أحد متى كان، وبين التاريخين تنشأ منطقة غامضة يسكنها العرف والذاكرة والشهادة والخوف والطمع.

وفي إحدى الأمسيات قالت امرأة من العائلة إن البيت الذي عاش فيه أبوها لا يمكن أن يصبح ملكاً لشخص آخر لمجرد أن ورقة قانونية قالت ذلك، فرد رجل من الأسرة بأن الملكية لا تقوم على المشاعر وإنما على الإثبات، فتدخل المنتصر قائلاً إن القانون ضروري حتى لا تتحول الأرض إلى فوضى، لكن القانون نفسه يحتاج إلى ذاكرة صحيحة حتى لا يصبح النظام وسيلة لإضفاء الشرعية على خطأ قديم، ثم سكت الجميع لأنهم أدركوا أن النزاع لم يعد بين شخصين على قطعة أرض، وإنما بين مفهومين للحقيقة؛ حقيقة تقول إن ما تثبته الوثيقة هو الواقع، وحقيقة أخرى تقول إن الواقع أوسع من الوثيقة.

وكانت الأسرة في تلك الأيام قد بدأت تنقسم حول الأرض كما تنقسم العائلات حول ميراث الأب، فالأبناء يريدون بيع القطعة وتحويل قيمتها إلى مشروع، والأمهات يرفضن بيع البيت القديم لأنه آخر مكان يجمع صور الموتى، وأحد الأقارب يرى أن الأرض الزراعية فرصة استثمارية لا ينبغي تجميدها، بينما يرى آخر أن تحويل الحقل إلى مساكن يعني اقتلاع مستقبل لم يولد بعد، وكان المنتصر يستمع إليهم وهو يعرف أن الصراع بين الأبناء والآباء ليس خلافاً على المال وحده، بل خلاف بين زمنين؛ زمن يرى الأرض ضماناً للبقاء، وزمن يرى الأرض رأس مال ينتظر الحركة، وفي المسافة بين الزمنين كانت المدينة تتقدم مثل ابن لا يستأذن أباه.

وكانت شقيقته الوحيدة إشراقة علي موسى الأنصاري تقول إن الأسرة لا تستطيع أن تفهم الأرض إذا تعاملت معها باعتبارها شيئاً خارجياً، لأن البيت الذي يسكنونه يربي أبناءهم كما يربيهم الأب والأم، والشجرة التي زرعها الجد تدخل في أخلاق الأسرة مثلما تدخل وصيته، ولذلك فإن بيع البيت قد يكون انتقالاً عقارياً في نظر السجل، لكنه في نظر الذاكرة طلاقاً من جزء من العائلة، وكان أطفالها إيزيس وأوزريس وزيوس العظيم يستمعون إلى الحديث ثم يسألون لماذا يملك الكبار الأرض بينما لا يستطيع الطفل أن يملك شجرة، فيضحك الجميع، لكن المنتصر كان يشعر أن سؤال الطفل أصعب من أسئلة الموظفين، لأن الطفل لا يعرف الحدود التي صنعتها الإدارة بعد أن صنعتها الطبيعة.

وفي الجمعة التالية كانت دار منتدى شروق الثقافي بحي ديم النور شرق تستضيف فعالية أدبية عن المدينة في الرواية العربية، ثم أعقبتها قراءة شعرية، وفي أسبوع تالٍ ندوة عن التاريخ المحلي والذاكرة، وفي أسبوع آخر أمسية موسيقية ضمن النشاط المتنوع الذي كان ينظم في الدار، ولم يكن المنتصر معنياً بأن يجعل المنتدى مركزاً للحكاية، لكنه كان يراقب تلك الفعاليات بوصفها مرآة اجتماعية صغيرة؛ فالناس حين يتحدثون عن الشعر يذكرون البيوت، وحين يتحدثون عن التاريخ يذكرون الأرض، وحين يتحدثون عن الموسيقى يستعيدون الشوارع القديمة، وحين يتناقشون في الثقافة يظهر خلافهم على المدينة التي يريدونها.

وفي إحدى تلك الأمسيات جلس المنتصر بين الحاضرين وقال إن التخطيط العمراني ليس رسماً للطرق والمربعات فقط، وإنما قرار بشأن المستقبل، فالشارع الذي نرسمه اليوم يحدد حركة الناس غداً، والمدرسة التي نضعها في المخطط تغير قيمة الأرض حولها، والسوق الذي ننقله يعيد توزيع النشاط الاقتصادي، والحديقة التي نحافظ عليها تمنح المدينة مجالاً للتنفس، والمجرى المائي الذي نردمه قد يتحول بعد سنوات إلى ذاكرة كارثة، ولذلك فإن التخطيط ليس علماً هندسياً خالصاً، بل مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تتعلق بمن سيعيش ومن سيغادر ومن سيملك ومن سيبقى.

وقال أحد الحاضرين إن المدينة تحتاج إلى التوسع، فرد آخر بأن التوسع الذي يلتهم الأرض الزراعية بلا حساب يشبه رجلاً يأكل مستقبله لأنه جائع اليوم، فقال المنتصر إن القضارف لا تستطيع أن تعيش من دون الزراعة، وإن الحقل ليس مجرد مساحة تنتظر أن تصبح حياً سكنياً، فالزراعة ترتبط بالغذاء والعمل والأسواق والنقل والاقتصاد والهوية المحلية، وإن التخطيط الذي يفصل المدينة عن محيطها الزراعي يحول العمران إلى جسم بلا جهاز هضمي، ثم نظر إلى الخريطة وقال إن المدينة التي تريد أن تكون حديثة ينبغي أن تعرف أين تبني وأين تترك الأرض تنتج وأين تحفظ المجال العام.

وكان السمسار يعرف هذه الحقيقة بطريقة أخرى؛ فقد كان يتابع أخبار المخططات قبل أن يعرفها الناس، ويعرف أن الطريق الجديد يرفع قيمة الأراضي وأن المدرسة أو السوق يمكن أن يحولا قطعة مهملة إلى ثروة، وكان يرى في الأرض فرصة لا ذاكرة، ويقول إن المدينة لا تتقدم إلا إذا تحركت الملكية، بينما كان المنتصر يرى أن حركة السوق لا ينبغي أن تكون هي القوة الوحيدة التي ترسم شكل المدينة، لأن الأرض حين تتحول كلها إلى سلعة تفقد وظيفتها الاجتماعية، وعندها يصبح الفقير ساكناً في مدينة لا يستطيع شراء مدخل إليها.

وكانت امرأة من النازحين تقف عند باب الإدارة تحمل ملفاً صغيراً وتقول إن بيتها الأول صار بعيداً إلى درجة أنها لا تستطيع الوصول إليه، وإنها لا تطلب قصراً ولا أرضاً زراعية، وإنما مكاناً آمناً تضع فيه أطفالها، فوجد المنتصر نفسه أمام الحقيقة التي لا تظهر في جداول الملكية؛ فالنزوح يعيد تعريف علاقة الإنسان بالأرض، لأن من فقد أرضه لا يستطيع أن ينتظر حتى تحل كل النزاعات التاريخية قبل أن يبحث عن سقف، وفي تلك اللحظة فهم أن التخطيط العمراني في زمن الحرب يصبح امتحاناً للأخلاق بقدر ما هو امتحان للهندسة، إذ يجب أن يستوعب الإنسان من دون أن يهدم النظام، وأن يحمي الأرض العامة من دون أن يحول الحاجة الإنسانية إلى جريمة.

وكانت المدينة كلما استقبلت نازحين تغيرت خريطتها من الداخل؛ مدارس امتلأت، وأسواق تحركت، ومواصلات تغيرت، وأحياء توسعت، ومياه زاد الطلب عليها، وأراضٍ زراعية بدأت تدخل دائرة الضغط العمراني، حتى أصبح النزوح عاملاً من عوامل إعادة تشكيل المدينة، وكان المنتصر يقول إن الخريطة الرسمية تصف الوضع بعد حدوثه، أما المدينة الحقيقية فتبدأ في التغير قبل أن تصل إليها الخريطة، ولذلك فإن الإدارة التي لا تقرأ حركة السكان مبكراً ستجد نفسها دائماً تطارد مدينة سبقتها بخطوات.

وفي الوقت نفسه كانت الطبيعة تستعيد حقها بطريقة لا تحتاج إلى محام؛ فإذا أزيلت شجرة ظهر أثر الشمس على البيوت، وإذا رُدم مجرى الماء بحثت الأمطار عن طريق آخر، وإذا اختفى الميدان ضاقت مساحة الأطفال، وإذا تحولت الأرض المنخفضة إلى مساكن دخل الماء البيوت في موسم المطر، وصار المنتصر يرى أن المتنفسات الطبيعية ليست فراغات يمكن ملؤها كلما ارتفعت قيمة الأرض، بل أجزاء من البنية الحية للمدينة، وكان يقول إن المدينة التي تحسب قيمة المتر المربع ولا تحسب قيمة الظل والماء والهواء إنما تقوم بعملية حساب ناقصة مهما بدت أرقامها دقيقة.

وفي إحدى الليالي أخذ المنتصر معه أطفاله إلى طرف المدينة، وكان القمر فوق الحقول كأنه مصباح معلق في سقف لا يملكه أحد، فقال زيوس العظيم إن الأرض تبدو أكبر في الليل، فقالت إيزيس إن السبب أن البيوت تختفي، وأضاف أوزريس أن الناس حين لا يرون الحدود يكتشفون أن الأرض كلها متصلة، فابتسم المنتصر لأنه رأى في كلام الأطفال ما عجزت عنه تقارير التخطيط؛ فالحدود ضرورية لتنظيم الملكية، لكنها ليست حدوداً في الطبيعة، والإنسان هو الذي يقسم الأرض إلى قطع ومربعات ومحليات وولايات ثم ينسى أن الماء والهواء والطيور والرياح لا تقرأ سجلاته.

ثم جاءت المحكمة في صباح شتوي، وكانت القضية حول قطعة واحدة تنازع عليها ثلاثة أطراف، لكن القاضي اكتشف أن القطعة نفسها تغيرت صورتها في شهادات المتخاصمين؛ عند الأول كانت أرضاً زراعية، وعند الثاني كانت قطعة موروثة، وعند الثالث كانت جزءاً من مساحة قديمة لم تدخل المخطط إلا لاحقاً، فدخلت الخرائط إلى القاعة، ثم دخلت الوثائق، ثم دخل الشهود، ثم دخلت الذاكرة، ولم يعد واضحاً أين ينتهي القانون وأين يبدأ التاريخ، وكان المنتصر يشعر أن الأرض أصبحت شاهداً صامتاً على الجميع، وأن السؤال الحقيقي ليس فقط من يملكها، بل أي رواية عن الماضي ستصبح أساساً لحكم المستقبل.

وفي تلك الفترة ظهرت الحاجة العجوز التي يعرفها أهل الحي، وكانت تحفظ أسماء البيوت القديمة أكثر مما تحفظ أسماء أصحابها الجدد، فقالت للمنتصر إن الشارع الذي يسمونه الآن باسم جديد كان الناس يسمونه باسم آخر، وإن الحي الذي يظنه الشباب حديثاً كان في ذاكرة آبائهم مكاناً للأشجار والماء، وإن المدينة تمحو أسماءها ثم تتظاهر بأنها لم تمح شيئاً، فرد المنتصر بأن السجلات ينبغي أن تثبت الاسم الرسمي، فقالت: «والسجل الذي لا يعرف الاسم القديم يعرف نصف الحقيقة»، فكتب عبارتها في دفتره، وقرر أن معجم أسماء الأحياء يجب أن يفرق بين الاسم الرسمي والاسم الشعبي والاسم التاريخي، حتى لا تتحول الإدارة إلى آلة لمحو الذاكرة من غير قصد.

وكان تكرار أسماء الأحياء يزداد وضوحاً في المعجم؛ العباسية تظهر هنا وهناك، والسلام يسافر بين المدن، والثورة تتكرر، والعرب يتوزعون، والرديف يعود في أكثر من موضع، وبانت تجد لها ظلالاً خارج موضعها، والديم والنور والصداقة والأمل والجمهورية والعمال والشعبية تدخل في قاموس واحد، ففهم المنتصر أن الاسم لا يعيش في الأرض وحدها، وإنما يسافر مع البشر، وأن المدينة السودانية حين تنمو لا تنتج أسماء جديدة دائماً، بل تعيد توزيع ذاكرتها القديمة، ولذلك فإن تشابه الأحياء قد يكون أثراً للهجرة والتقاليد والتطلعات الاجتماعية، وقد يكون محاولة لمنح المكان الجديد شيئاً من الأمان الرمزي الذي يمنحه الاسم المألوف.

وعندما كانت العائلة تجتمع في منزل إشراقة، كانت الأرض تدخل بينهم من دون دعوة؛ أحدهم يتحدث عن قطعة يريد الاحتفاظ بها، وآخر عن بيت يريد بيعه، وثالث عن أرض زراعية يرى أن تحويلها إلى سكن أفضل، ورابعة عن بيت قديم تخشى أن يختفي، وكان المنتصر يكتشف أن العائلة ليست سوى نموذج مصغر للصراع الوطني؛ فالدولة تريد التنظيم، والسوق يريد الربح، والمزارع يريد الحماية، والنازح يريد المأوى، والمرأة تريد نصيبها العادل، والمغترب يريد ضمان العودة، والطفل يريد مساحة للعب، والذاكرة تريد ألا تمحى، والطبيعة تريد أن تبقى قادرة على التنفس.

وفي مساء آخر كانت العينة عبد البديع الجمل في حي الزيتونة تفتح هاتفها وتتصل بأبناء القضارف في الخليج وأوروبا والأمريكتين، وكانت تسمع منهم أخبار البيوت والقطع والأسواق والعودة المؤجلة، وكان أحدهم يقول إنه اشترى أرضاً ولم يسكنها، ويقول آخر إنه يريد بناء بيت لأطفاله رغم أنه لا يعرف متى سيعود، وتقول امرأة إنها لا تريد بيع منزل الأسرة لأنه آخر رابط بينها وبين والديها، ففهمت العينة أن الاغتراب خلق نوعاً جديداً من الملكية؛ ملكية يكون صاحبها بعيداً عن المكان، لكنه شديد التعلق به، وأن البيت قد يصبح وثيقة ضد النسيان أكثر مما يصبح مكاناً للسكن.

وقال المنتصر إن المغترب قد يملك البيت لكنه يفقد الجيرة، وقد يحتفظ بالمفتاح ولا يعرف الباب، وقد يعود فيجد أن الشارع تغير وأن الأشجار اختفت وأن وجوه الطفولة صارت وجوه غرباء، ولذلك فإن الملكية وحدها لا تحفظ المكان، فالمدينة تحتاج إلى حياة اجتماعية متجددة، وإلا تحولت البيوت إلى خزائن مغلقة تحمل مفاتيح أصحابها في قارات بعيدة.

وكانت العائلة تسمع في تلك الأيام عن قطعة أرض نزاع حولها أكثر من مرة، حتى صار النزاع نفسه جزءاً من تاريخها، وكان كل طرف يملك رواية تبدو معقولة، فالمزارع يقول إنها كانت له، والوارث يقول إنها وصلت إليه من أبيه، والسمسار يقول إن السوق اعترف بملكيتها الجديدة، والمحامي يقول إن الوثيقة هي المرجع، والعجوز تقول إن المكان كان شيئاً آخر قبل كل ذلك، والمنتصر يقف بينهم حائراً، لأن الأرض لا تتكلم بلغة واحدة، ولأن الحقيقة العقارية قد تكون صحيحة من جهة إجرائية، لكنها تظل محتاجة إلى سؤال أوسع عن كيفية نشوء الحق نفسه.

وفي تلك اللحظة بدأ الزمن يدور، فعاد المنتصر إلى مكتبه كما كان في البداية، وفتح الخريطة نفسها، لكنه وجد عليها آثار كل ما حدث؛ الحقول التي ناقشها، والأحياء التي تغيرت، والطرق التي اقترحت، والمناطق التي استقبلت النازحين، والمجاري الطبيعية التي طالب بحمايتها، والبيوت التي دخلت المحكمة، والأسماء التي أعادها المعجم من الذاكرة، والقطع التي أصبحت موضوعاً للمضاربة، والبيوت التي بقي أصحابها في المهجر، ولم يعرف هل كانت الخريطة قد تغيرت بسبب الأحداث أم أن الأحداث كانت مجرد تحقيق لما كان مرسوماً فيها منذ البداية.

وكان كرسي جعفر خضر في دار المنتدى لا يظهر إلا في اللحظات التي يصبح فيها الحديث عن المدينة أكبر من قدرة الحاضرين على تفسيره، ولم يكن أحد يحتاج إلى تحويله إلى شبح أو شخصية خارقة، فقد كان الغياب نفسه كافياً ليمنح المكان ذاكرة، وكلما انتهت فعالية أسبوعية، من ندوة أدبية إلى قراءة شعرية إلى نقاش اجتماعي أو أمسية موسيقية، كان بعض الحاضرين يمرون بالكرسي ثم يصمتون، وكأن المدينة تعرف أن الأشخاص قد يغيبون، لكن الأسئلة التي طرحوها تبقى معلقة في الهواء.

وفي إحدى جلسات المنتدى تحدث المنتصر عن أن المدينة الحديثة لا يمكن أن تكون مجرد مجموع قطع سكنية، لأن المدينة نظام من العلاقات؛ بيت يحتاج إلى طريق، والطريق يحتاج إلى صرف، والمدرسة تحتاج إلى سكان، والسكان يحتاجون إلى سوق، والسوق يحتاج إلى حركة، والحركة تحتاج إلى فضاء عام، والفضاء العام يحتاج إلى أرض لا يملكها فرد، والطبيعة تحتاج إلى مساحات لا يجوز اختزالها في سعر السوق، ولذلك فإن التخطيط الجيد هو الذي يجعل هذه العناصر تعمل معاً، لا الذي ينجح فقط في تقسيم الأرض إلى مربعات جميلة.

لكن أحد الحاضرين سأله: «ومن يملك المدينة في النهاية؟» فلم يجب مباشرة، وإنما نظر إلى الخريطة وقال إن المدينة لا يملكها شخص واحد؛ الدولة تملك حق التنظيم، والمواطن يملك حق السكن وفق القانون، والمزارع يملك حقه المشروع، والمجتمع يملك حقه في المجال العام، والطبيعة تفرض حدودها، والتاريخ يفرض ذاكرته، والأجيال القادمة لها حق غير مكتوب في ألا نترك لها مدينة مستنفدة، ولذلك فإن أخطر وهم هو الاعتقاد بأن الملكية الفردية تعني السيطرة المطلقة على المكان.

وفي تلك الليلة حلم المنتصر بأن الأرض صارت قاعة محكمة ضخمة، وكان القاضي شجرة، والمحامي جدول ماء، والشاهد عجوزاً يحمل حفنة تراب، والمتهم مدينة كاملة، وكانت التهمة أنها بنت نفسها دون أن تسأل الأرض إن كانت تستطيع حمل كل هذا الوزن، وعندما طلب القاضي من المدينة أن تدافع عن نفسها قالت إنها لم تفعل إلا ما فعله البشر دائماً؛ بحثت عن السكن والأمان والنمو، فقالت الشجرة إن المشكلة ليست في أن تعيش المدينة، وإنما في أن تنسى أنها جزء من حياة أكبر منها، ثم استيقظ المنتصر قبل أن يصدر الحكم.

وحين عاد إلى دار المنتدى في الجمعة التالية، وجد إيزيس تكتب في دفترها أن «الأرض لا تحب المالك الذي لا يحبها»، وكان أوزريس يرسم بيتاً تحيط به أشجار ومزرعة وميدان ومدرسة، بينما وضع زيوس العظيم في وسط الرسم شارعاً واسعاً ثم محاه، وقال إن الطريق لا ينبغي أن يأخذ كل شيء، فضحكت إشراقة وقالت إن أبناءها يتعلمون التخطيط من اللعب، فرد المنتصر بأن اللعب نفسه قد يكون أول درس في المدينة؛ فالطفل حين يرسم بيتاً وميداناً وشجرة لا يعرف المصطلحات العلمية، لكنه يعرف بالفطرة أن المدينة تحتاج إلى أكثر من الجدران.

ثم جاء اليوم الذي اجتمع فيه أفراد العائلة حول المنتصر لمراجعة المعجم، فوجدوا أن أسماء الأحياء لم تعد مجرد أسماء، وأن وراء كل اسم نزاعاً محتملاً أو هجرة أو طبقة اجتماعية أو ذاكرة عائلية أو رغبة في الأمان، فكتب المنتصر أن «العباسية» ليست الاسم نفسه في كل مدينة، وأن «السلام» قد يكون أمنية أكثر منه وصفاً، وأن «الثورة» قد تحمل ذاكرة سياسية مختلفة من مكان إلى آخر، وأن «النور» قد يكون اسم حي أو استعارة عن مستقبل يتمنى الناس بلوغه، وأن دراسة أسماء الأحياء يجب أن تجمع بين الوثيقة واللسان الشعبي والتاريخ المحلي والتحولات الديموغرافية.

وفي آخر صفحات المعجم كتب أن المدينة التي نشأت بعد قيام ولاية القضارف عام 1984م لم تكن مدينة جديدة بالمعنى الكامل، بل كانت مدينة تعيد ترتيب طبقات أقدم منها، وأن مؤسسات التخطيط والأراضي لم تبدأ الحكاية وإنما دخلت إلى حكاية بدأت قبلها، ثم حملت إليها أدوات الدولة الحديثة من الخرائط والسجلات والمخططات والقطع والخدمات، ولذلك فإن تاريخ العمران لا ينبغي أن يقرأ فقط من القرارات الإدارية، وإنما من التفاعل المستمر بين الدولة والمجتمع والسوق والزراعة والطبيعة والهجرة والذاكرة.

وعندما انتهت الجلسة، خرج الجميع إلى الشارع، وكانت القضارف في ذلك المساء مضاءة من بعيد، لا تبدو محروسة بالأسوار وإنما بالناس الذين ما زالوا يرون فيها مكاناً يستحق أن يبقى، وكان المنتصر يمشي بين أفراد أسرته وأسرة إشراقة، وأحس أن الصراع كله عاد إلى بدايته؛ الأرض تريد أن تبقى أرضاً، والمدينة تريد أن تكبر، والإنسان يريد بيتاً، والقانون يريد النظام، والسوق يريد الربح، والزراعة تريد الحماية، والنازح يريد الأمان، والطبيعة تريد مجالها، والذاكرة تريد أسماءها، والمغترب يريد طريق العودة، والمستقبل يريد نصيبه من الأرض التي لم يولد فوقها بعد.

ثم حدث ما لم يكن في الخطة؛ انفتحت إحدى الخرائط وحدها، وسقط منها تراب أسود على الطاولة، فقال المنتصر إن هذا تراب القضارف، وقالت إشراقة إن التراب لا يحتاج إلى تعريف، وقالت العينة إن كل مغترب يعرف ترابه ولو كان على بعد قارة، وقالت إيزيس إن التراب هو أول كتاب، وقال أوزريس إن البيت صفحة منه، وقال زيوس إن المدينة كلها قصة طويلة، أما الكرسي الفارغ في دار المنتدى فلم يقل شيئاً، لأن صمته كان قد أصبح جزءاً من الرواية.

وفي الفجر عاد المنتصر إلى مكتبه، فوجد الخريطة في الموضع الذي تركها فيه، وعليها خط دائري يصل الحقل بالحي، والحي بالمحكمة، والمحكمة بالسجل، والسجل بالذاكرة، والذاكرة بالهجرة، والهجرة بالعودة، والعودة بالحقل من جديد، فعرف أن الرواية لا تبحث عن نهاية للنزاع، لأن النزاع نفسه هو الحياة، وإنما تبحث عن صيغة تمنع الإنسان من تحويل اختلاف المصالح إلى خراب دائم، وتمنع المدينة من أن تأكل الأرض التي قامت عليها، وتمنع القانون من أن ينسى الإنسان، وتمنع الذاكرة من أن تتحول إلى عائق أمام المستقبل.

وعندما كتب المنتصر السطر الأخير في «القضارف المحروسة» لم يكتب أن الأرض ملك فلان أو علان، ولم يكتب أن المدينة انتصرت على الريف أو أن القانون انتصر على العرف، بل كتب أن الأرض كانت البطل الوحيد الذي استطاع أن يحمل المتناقضات كلها دون أن ينكسر، ثم أضاف أن القضارف المحروسة ليست مدينة يحرسها السور، وإنما مدينة يحرسها وعي سكانها بأن ما يبنونه اليوم سيكون ذاكرة لأطفالهم غداً، وأن الإعمار لا يصبح وفاءً للماضي إلا إذا ترك للمستقبل مكاناً، وأن المدينة لا تستعيد صورتها الأولى بأن تعود إلى الوراء، وإنما بأن تعرف أي شيء من ماضيها يستحق أن يعيش معها في المستقبل.

وحين أشرقت الشمس، بدا ديم النور كما كان في أول الحكاية، وكانت دار المنتدى تستعد لفعالية أسبوعية جديدة، وكانت الخرائط تنتظر على مكتب المنتصر، وكانت الحقول تلمع في البعيد، وكان النازحون يبحثون عن عناوين، وكان المغتربون يفتحون هواتفهم على صور البيوت، وكانت المحكمة تستعد لملف جديد، وكان السمسار يراقب حركة الأسعار، وكان المسّاح يراجع الحدود، وكانت العجوز تستعيد أسماء قديمة، وكانت الأشجار تقف في أماكنها كأنها تعرف شيئاً عن المستقبل لا يعرفه البشر، وعندها أدرك المنتصر أن كل شيء قد بدأ من جديد، وأن نهاية «القضارف المحروسة» ليست إلا الصفحة الأولى منها.

تعليقات

المشاركات الشائعة