صاحب اليونسكو
رأيت العجوز غارقاً في تأملاته الوجودية الكالحة تحت أشجار دار العجزة والمسنين بحي ديم حمد، عند تقاطع القضارف دوار نمرة 2، كأن العمر كله جلس إلى جواره على مقعد خشبي مكسور. رأيتني أخفق بالحنان والحنو، كلاهما مثل عربة تجرها خيول ملكية في شارع الأنبياء، تترك وراءها غباراً ذهبياً ورائحة جلد قديم. رأيت الصبية ذات الفستان الأزرق تمسح على رأس قط أعرج، كأنها ممثلة سرية لأعمال منظمة الرفق بالحيوان، ومبناها الفخيم يجاور زريبة البهائم بحي الناظر، حيث كانت الأبقار تنظر إلى النوافذ كما ينظر الفقراء إلى قصور لا يعرفون أبوابها. سمعت نهيق حمار من وراء السور، ثم سمعت ضحكة العجوز، فعرفت أن بين الصوتين قرابة لا يعرفها علم الحيوان. تكلمتُ إليه عن الخلود، فقال: الخلود يا بني أن تجد شخصاً يتذكر اسمك بعد أن تنسى أنت لماذا كنت حياً. تحسست يده فكانت باردة كحجر خرج لتوه من نهر عطبرة. تنشقت رائحة التراب المبلل، ورأيت في الهواء خريطة كاملة لشرق السودان، معلقة بين جناحي نحامة وردية وطائر أبومنجل أسود.
كان العجوز يدعى حامد السُّرّة، أو هكذا قال، ثم أضاف أن اسمه الحقيقي ضاع في رحلة بين القضارف وبورتسودان، عندما كان القطار لا يزال يعرف إلى أين يذهب. قال إن منظمة أطباء بلا حدود فتحت له في المنام عيادة داخل صدره، وإن الطبيب الوحيد فيها كان رجلاً بلا وجه يحمل سماعة من نحاس. رأيتني أدخل معه إلى العيادة، فإذا بجدرانها من جلد الغزلان، وسقفها من ريش الحباري، وعلى الرفوف قوارير مكتوب عليها: خوف، وحدة، ندم، رغبة، طفولة، وطن. سمعت الطبيب يقول: نحن لا نعالج الأمراض، نحن نعالج ما تفعله الأمراض بأسماء أصحابها. تكلمتُ: وهل يوجد دواء للوحدة؟ أجاب: نعم، لكنه غالٍ؛ اسمه الآخر. ثم رأيت الصبية الزرقاء تدخل حاملة قطاً أبيض بعين واحدة، وتقول إن الحيوان يعرف الطريق إلى القلب أسرع من الإنسان. تحسست جدار العيادة، فانفتح تحت أصابعي شارع طويل من أشجار السنط والسدر، يمشي عليه أناس لا ظلال لهم. تنشقت رائحة اليود والليمون والبارود القديم، وشعرت أن ظهيرة الأربعاء قد بدأت تنقسم إلى أربعين ظهيرة.
وفي ظهيرة الظهيرة، ظهر موظف غريب لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، لكنه في روايتنا لم يكن موظفاً عادياً. كان رجلاً عريض القبعة، يضع في جيبه حفنة من بذور السمسم، وفي عروة سترته سنبلة قمح، وفي حذائه تراباً من ثلاث قارات. قال إنه جاء لإنقاذ المزارعين، ثم أخرج من حقيبته مفتاحاً ضخماً وقال: هذه ليست بذوراً، هذه مفاتيح للأرض. رأيتني أتبعه إلى أطراف القضارف، حيث كانت حقول الذرة الرفيعة تتحرك كبحر أخضر، وفوقها أسراب من السنونو والزرزور والحدأة. سمعت امرأة عجوزاً تقول: الأرض لا تجوع وحدها، نحن الذين نجعلها تجوع حين ننسى أسماءها. تكلمتُ مع الموظف عن المطر، فأجابني بأن المطر موظف حكومي سيئ؛ يأتي حين لا نحتاجه ويغيب حين يصبح الغياب جريمة. تحسست سنبلة دخن، فسمعت في داخلها أصوات أطفال يطلبون الخبز. تنشقت رائحة الطين والسمسم والعرق، ورأيتني أفهم للمرة الأولى أن السياسة قد تبدأ من حبة قمح لا من قصر.
أما اليونسكو في ذلك العالم، فقد كانت امرأة طويلة تضع نظارة مستديرة وتحمل حقيبة من الكتب القديمة. كانت تسير بين القلابات والقضارف وكسلا كأنها تبحث عن لغة نسيتها البشرية. قالت لنا إن مهمتها إنقاذ التراث، لكن التراث في شرق السودان لم يكن حجراً ولا نقشاً وحده؛ كان زغاريد النساء، وحكايات الرعاة، وأغاني الجمال، ودفوف الأعراس، وأسماء الآبار، والطرق التي يعرفها الرعاة ولا تعرفها الخرائط. رأيتني أجلس معها تحت شجرة تبلدي ضخمة، بينما كان طائر الوروار الأخضر يحط على كتفها. سمعت شيخاً من البادية يروي حكاية عن جبل لا يظهر إلا للذين فقدوا أبناءهم. تكلمتُ: وهل تصدقين الجبل؟ قالت: لا أصدق الجبال، أصدق الذين يرونها. تحسست جذع التبلدي فاهتزت الأرض كأنها تضحك. تنشقت رائحة الحطب والجلود والقهوة المحمصة، ورأيت آلاف الكتب تخرج من تجاويف الأشجار وتسافر فوق ظهور طيور الرهو.
ثم جاء موظف الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وكان اسمه في سجلات الرواية «موسى أبو الميزان». لم يكن يحمل نقوداً، بل ميزاناً نحاسياً يزن به أحلام القرويين. وضع حلماً على كفة، وقطعة خبز على الكفة الأخرى، ثم قال: الفقر ليس أن لا تملك المال، الفقر أن يصبح حلمك أثقل من قدرتك على حمله. رأيتني أراقب امرأة تصنع سلالاً من سعف الدوم، ورجلاً يصلح محراثاً، وفتى يبيع العسل قرب طريق كسلا. سمعت النحل داخل الخلايا كأنه جيش صغير يناقش دستور المملكة. تكلمتُ إلى موسى: ماذا تفعلون بالقرية؟ قال: لا نفعل بها شيئاً؛ نحاول أن نتركها تفعل بنفسها. تحسست كيساً من الفول السوداني، فخرجت منه خريطة لمزارع لا نهاية لها. تنشقت رائحة العسل والدخان، وشعرت بأن اقتصاد العالم كله قد يكون مختبئاً في يد امرأة تحمل سلة.
وفي مساء اليوم نفسه، ظهرت منظمة العمل الدولية في هيئة رجل نحيل يدعى «صانع الساعات». كان يحمل ساعة بلا عقارب، ويضع في جيبه مطرقة صغيرة. قال إن مهمته أن يسأل الناس عن الوقت الذي يضيعونه في العمل. رأيت عمال الميناء، وبائعي الشاي، والحدادين، والنجارين، والنساء اللواتي يخبزن الخبز قبل الفجر، جميعهم يلتفون حوله. سمعت حداداً يقول: نحن لا نبيع ساعاتنا، نحن نبيع أعمارنا. تكلمتُ: وهل يمكن استرداد العمر؟ أجاب: لا، لكن يمكن منع الآخرين من سرقته. تحسست يد عامل شاب فوجدتها خشنة مثل صخر بركاني. تنشقت رائحة الحديد المحترق والعرق والشاي، ورأيت الساعة بلا عقارب تبدأ فجأة في الدوران إلى الخلف.
وعندما جاء الليل، دخلت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى الرواية على هيئة امرأة ترتدي معطفاً بلون الغبار. كانت تحمل مفاتيح كثيرة، لكنها لم تكن تعرف أي باب تفتح. قالت إن كل لاجئ يحمل في جيبه مفتاحاً لوطن لا يستطيع العودة إليه. رأيت خياماً تنبت من الأرض مثل الفطر بعد المطر، ورأيت رجالاً ونساء وأطفالاً يسيرون بين السنط والهشاب وهم يحملون حقائب صغيرة وذاكرة كبيرة. سمعت طفلاً يسأل أمه: هل الوطن مكان أم رائحة؟ تكلمتُ: الوطن ربما صوت شخص ينادي اسمك. تحسست طرف خيمة، فإذا به يتحول إلى ستارة بيت قديم في قرية بعيدة. تنشقت رائحة الصابون والدقيق والحطب، وفجأة رأيت حامد السرة واقفاً بين اللاجئين، يقول إن العجوز أيضاً لاجئ من شبابه.
بعدها وصل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لكنه في مدينتنا كان رجلاً قصيراً يحمل سبع خرائط وثلاثة هواتف ودفتر شكاوى لا ينتهي. كان اسمه «منسق المصائب». يركض من سوق إلى مستشفى، ومن مدرسة إلى بئر، ومن بئر إلى دار مسنين. رأيتني أركض وراءه حتى وصلنا إلى ساحة عامة اجتمع فيها أهل ديم حمد وديم بكر والناظر. قال الرجل: لدينا مشكلة واحدة فقط، لكنها موزعة على ألف مشكلة. سمعت امرأة تقول إن الماء قليل، ورجلاً يقول إن العمل قليل، وشاباً يقول إن المستقبل قليل، وعجوزاً يقول إن الناس صاروا كثيرين على قلوبهم. تكلمتُ: ومن ينسق كل هذا؟ أجاب: أنتم، إذا تعلمتم الإصغاء إلى بعضكم. تحسست الخرائط، فوجدت خطوطها تتحرك مثل الثعابين. تنشقت رائحة المطر الأول، ورأيت المدينة كلها تتحول إلى جسد إنساني يبحث عن طبيب.
وفي صباح الخميس، ظهرت المنظمة الدولية للهجرة في عربة قديمة تجرها بغلتان بيضاوان. كان الموظف المسؤول عنها يسمى «سالم الطريق»، يحمل جوازات سفر بلا أسماء. قال إن الإنسان الحديث صار نصفه مسافراً ونصفه حنيناً. رأيتني أصعد معه من القضارف نحو كسلا، ثم وجدت الطريق ينحرف فجأة إلى ميناء سواكن، ومن هناك إلى البحر الأحمر، ثم إلى جدة، ثم إلى مرسيليا، ثم يعود بنا إلى سوق القضارف. سمعت هدير البحر داخل أصداف صغيرة. تكلمتُ إلى سالم: لماذا يسافر الناس؟ قال: لأن بعض الأماكن تضيق على الإنسان حتى لو كانت واسعة. تحسست بوصلة في يده، فكانت تشير دائماً إلى قلب امرأة مجهولة. تنشقت ملح البحر، ورأيت طيور النورس تحلق فوق جبل كسلا، كأن البحر قرر أن يزور الجبل دون إذن.
أما صندوق الأمم المتحدة للسكان فقد جاء في صورة قابلة عجوز تدعى «الست وردة العالم». كانت تعرف أسماء الأطفال قبل ولادتهم، لكنها لا تعرف عددهم. كانت تقول إن كل طفل يولد ومعه سؤال جديد للبشرية. رأيتني أجلس إلى جوارها في غرفة صغيرة مضاءة بمصباح زيت، وخارج النافذة كان القمر مستديراً مثل بطن أم تنتظر الفجر. سمعت نبضاً يشبه طرقاً على باب بعيد. تكلمتُ: هل الحياة عادلة؟ قالت: الحياة لا تعرف العدالة، ولذلك يحتاج البشر إلى أن يصنعوها. تحسست يدها، فكانت دافئة مثل خبز خرج من التنور. تنشقت رائحة الياسمين واللبن والريحان، وشعرت أن العالم كله كان جنيناً صغيراً في رحم ليلة واحدة.
وفي الظهيرة اجتمعت المنظمات التسع في دار العجزة، لكن أحداً لم يعرف من دعاها. جلس طبيب بلا حدود بجوار مزارع الأمم المتحدة، وجلست امرأة اليونسكو بجوار قابلة السكان، ووضع عامل الهجرة خريطته فوق دفتر العمل، بينما جلس اللاجئ الرمزي على الأرض ولم يجد أحد له كرسياً. رأيتني واقفاً بينهم مثل شاهد لا يعرف هل هو كاتب أم متهم. سمعت أصواتاً متقاطعة: الغذاء أولاً، الصحة أولاً، الأرض أولاً، الإنسان أولاً، الذاكرة أولاً. تكلمتُ: ومن هو الأول؟ فسكت الجميع. تحسست الطاولة، فإذا بها تنبض كصدر حيوان ضخم. تنشقت رائحة القهوة والسجائر والعرق والكتب، وعرفت أن الصراع الحقيقي قد بدأ.
قالت الصبية الزرقاء إن كل منظمة تريد أن تنقذ الإنسان بطريقتها، وإن الإنسان لا يريد أن يُنقذ إذا كان ثمن النجاة أن يفقد نفسه. رأيتها تقف وسط القاعة، وشعرها يتحرك مع الهواء، بينما كانت عيناها تلمعان مثل بحيرتين بعد العاصفة. سمعت حامد السرة يصفق ببطء. تكلمتُ إليها: من أنت؟ قالت: أنا المرأة التي ستظهر كلما نسي الرجال أن الرحمة ليست مؤسسة. تحسست طرف ثوبها، فوجدت فيه رائحة الورد والبارود معاً. تنشقت عطرها، فشعرت بقلبي يخرج من مكانه ويمشي وراءها مثل طفل لا يعرف أمه. في تلك اللحظة أدركت أن الرومانسية نفسها قد تصبح شكلاً من أشكال الإغاثة.
ثم انطفأت الكهرباء، وظهرت شجرة الحور الهائلة في قلب سدرة المشتهى. لم تكن الشجرة في مكانها المعتاد؛ كانت جذورها في ديم حمد، وساقها في القلابات، وأغصانها في قونية ومرسيليا والإسكندرية ونيروبي وبوينس آيرس. رأيت آلاف الطيور تسكنها: هدهد سليمان، الوروار، السنونو، الكروان، أبو منجل، الرهو، اللقلق، وحتى طائر أسطوري برأس حصان وجناحين من قماش الخيام. سمعت الشجرة تقول: كل مؤسسة تبدأ بحكاية إنسان واحد. تكلمتُ: ومن ينقذ الحكاية؟ قالت: من يرفض أن يضحك على ألم الآخرين. تحسست لحاءها فوجدت أسماء الموتى محفورة فيه. تنشقت رائحة صمغ الصنوبر والطمأنينة، وشعرت بأن الزمن أصبح حلزوناً يمشي إلى الأمام والخلف في آن واحد.
رأيتني أعود إلى منتدى شروق الثقافي بحي ديم النور، وكان أعضاء اتحاد الكتاب القضارف قد اجتمعوا في قاعة ضيقة تفيض منها أصوات المراوح. كان منتدى عوض مشاوي للموسيقى حاضراً أيضاً، يحمل عوده وطبوله وناياته. قال أحدهم إننا يجب أن نتابع أسبوعياً أخبار المنظمات، لا لكي نكون موظفين عندها، بل لكي نعرف كيف يتحول العالم من حولنا. سمعت العود يعزف مقاماً لم أعرفه، ثم تكلمت امرأة من آخر القاعة: ربما تكون الموسيقى منظمة إنسانية لا تحمل ختم الأمم المتحدة. تحسست أوتار العود، فارتجفت أصابعي. تنشقت رائحة الخشب القديم والعرق والعطر. رأيتني أكتب في دفتري: «الرأي العام لا يولد من البيانات وحدها؛ يولد حين تصبح الفكرة خبزاً وحكاية وأغنية.»
لكن رجلاً غريباً دخل المنتدى، كان يرتدي معطفاً أسود ويحمل ملفاً قرمزي . قال إنه يمثل «المجلس الأعلى لتنسيق النجاة». لم يسمع به أحد. قال إن المدينة يجب أن تختار منظمة واحدة فقط، لأن كثرة الرحمة تؤدي إلى الفوضى. رأيت العيون تتغير. سمعت الهمس في المقاعد الخلفية. تكلمتُ: لماذا واحدة؟ قال: لأن الإنسان يحب النظام. أجابه حامد السرة: بل يحب أن يختار من يساعده. تحسست الملف الأحمر، فوجدت داخله أسماء الناس لا أسماء المنظمات. تنشقت رائحة الورق المحروق، وشعرت بأن شيئاً مظلماً بدأ يتسلل إلى المدينة.
في الخارج كانت السماء منخفضة حتى إن الأولاد حاولوا لمسها بعصي النخيل. رأيت موظفي المنظمات التسع يخرجون من المنتدى واحداً بعد الآخر، لكن كل واحد منهم صار يشبه مهنة أخرى. الطبيب صار مزارعاً، والمزارع صار شاعراً، والشاعر صار قابلة، والقابلة صارت مهاجرة، والمهاجر صار عجوزاً. سمعت ضحكة الصبية الزرقاء. تكلمتُ: لماذا تغيرتم؟ قال الطبيب: لأن الإنسان ليس تخصصاً واحداً. تحسست كتف المزارع، فإذا به مغطى بريش الطيور. تنشقت رائحة المطر، وشعرت بأن حدود المهن قد ذابت مثل ملح في فنجان شاي.
في تلك الليلة، حلمتُ أن القضارف أصبحت جزيرة وسط محيط من سنابل الذرة البيضاء . رأيت جبل توتيل يسبح بعيداً، وسلاسل البحر الأحمر تتحول إلى حيتان حجرية. سمعت هدير جبل، وصرير شجرة، وبكاء طفل، وغناء امرأة، ونهيق حمار، كلها في نغمة واحدة. تكلمتُ إلى حوت حجري: هل تعرف طريق العالم؟ قال: الطريق هو المكان الذي يترك أثراً في قدميك. تحسست جلده فوجدت عليه نقوشاً من ممالك أكسوم ومروي وسبأ وقرطاج. تنشقت رائحة البحر والذهب والغبار، وعرفت أن شرق السودان ليس هامش العالم، بل إحدى الطرق التي نسي العالم أنه مر بها.
استيقظتُ على يد الصبية الزرقاء وهي تضع زهرة حمراء في جيبي. قالت إن الحب لا يستطيع إطعام الجائع، لكنه يستطيع أن يمنع الجائع من أن يتحول إلى حجر. رأيت عينيها قريبتين مني إلى درجة أنني نسيت أين تنتهي عيناي وأين تبدأان. سمعت أنفاسها، وسمعت معها خرير جدول بعيد. تكلمتُ: أخاف أن أحبك في زمن الحرب. قالت: أخاف ألا تحبني في زمن السلام. تحسست أصابعها، فكانت ترتجف. تنشقت رائحة الياسمين والجلد والمطر، وشعرت أن الرغبة نفسها قد تصبح سؤالاً أخلاقياً: كيف نحيا الجسد دون أن ننسى أرواح الآخرين؟
وفي اليوم التالي انتشرت الشائعة: المنظمة التي ستنجح في إنقاذ المدينة ستصبح صاحبة القرار فيها. رأيت الناس ينقسمون. بعضهم يريد الطعام، بعضهم العمل، بعضهم الأرض، بعضهم المدرسة، بعضهم العودة، وبعضهم يريد فقط أن ينام دون أن يخاف. سمعت خطباء السوق يتجادلون حتى صارت أصواتهم مثل اصطدام الملاعق في قدر كبير. تكلمتُ: ليست المشكلة في تعدد الحاجات، بل في تحويل الحاجة إلى سلاح. تحسست جدار السوق، فوجدت خلفه أذناً عملاقة تسمع كل شيء. تنشقت رائحة البهارات والجلود والسمك المجفف، وشعرت أن المدينة نفسها بدأت تتجسس على قلبها.
خرجت منظمة العمل الدولية إلى السوق وأعلنت يوم «العمل بلا خوف». خرجت الزراعة إلى الحقول. خرجت الصحة إلى البيوت. خرجت الهجرة إلى الطرق. خرجت المفوضية إلى الخيام. خرجت اليونسكو إلى المدارس والحكايات. خرجت التنمية الزراعية إلى الآبار. خرج التنسيق الإنساني إلى الساحات. خرج السكان إلى غرف الولادة. ورأيتني أمشي بينهم كمن يمشي داخل جسد هائل. سمعت كل مهنة تقول: أنا القلب. تكلمتُ: بل أنتم أعضاء القلب. تحسست كتف عامل يضحك، فوجدت تحته جناحاً. تنشقت رائحة العرق والخبز، وقلت في سري: ربما تكون الكرامة أول مشروع تنموي في التاريخ.
لكن الرجل صاحب الملف القرمزي عاد، ومعه رجال يحملون أقفالاً. قال إن كل شيء يجب أن يخضع لتصريح. رأيت أبواب المدارس تقفل، وأبواب المخازن تقفل، وأبواب دار المسنين تقفل. سمعت حامد السرة يصرخ: لا تغلقوا الباب على من يحتاج إلى باب! تكلمتُ مع الرجل: ماذا تريد؟ قال: السيطرة على الفوضى. تحسست القفل في يده، فكان دافئاً كأنه خرج من نار. تنشقت رائحة الحديد، وفهمت أن الصراع لم يعد بين المنظمات، بل بين فكرة الإنسان الحر وفكرة الإنسان الذي يحتاج إذناً كي يُنقذ.
جاءت الصبية الزرقاء وحدها إلى دار العجزة. رأيتها تفتح النوافذ كلها. دخل الهواء كجيش من الفراشات. سمعت العجائز يغنون أغنية قديمة عن المطر والسنابل. تكلمت إليهم: ماذا تريدون؟ قال أحدهم: نريد أن نُترك أحياء حتى آخر دقيقة. تحسست وجه حامد السرة، فوجدت دمعة صغيرة عند عينه. تنشقت رائحة النعناع، وشعرت بأن أجمل ثورة في العالم قد تكون نافذة مفتوحة.
في منتصف الليل، انقسمت شجرة الحور إلى سبع شجرات، ثم إلى سبعين، ثم إلى سبعمائة. رأيت في كل غصن منظمة، وفي كل ورقة إنساناً، وفي كل ثمرة مشكلة، وفي كل جذر ذاكرة. سمعت الأشجار تتناقش بلغة الريح. تكلمتُ: أيها العالم، هل تستطيع أن تنقذ نفسك؟ أجابت الأشجار: لا، لكننا نستطيع أن نمنع بعضنا من السقوط. تحسست جذعاً ضخماً، فخرجت منه يد طفلة. تنشقت رائحة التراب، وشعرت أن العالم كله كان يحلم بأن يولد من جديد.
وعند الفجر وصلت قافلة من القرى المحيطة بالقضارف. جاءت نساء يحملن الجرار، ورجال يحملون الفؤوس، وأطفال يحملون دفاتر مدرسية، ورعاة يحملون عصيهم، وموسيقيون يحملون طبولهم. رأيتني بينهم، وسمعت صوتاً يقول: لا تنتظروا المنظمات كي تصنعوا المجتمع. تكلمتُ: ولكننا نحتاج إلى العالم. أجابت امرأة: نحتاج إليه شريكاً لا سيداً. تحسست جرّة ماء، فكانت باردة كنبع جبلي. تنشقت رائحة النعناع والدخان، وشعرت بأن شرق السودان كله قد نهض من نوم طويل.
أصبحت المتابعة الأسبوعية في اتحاد الكتاب القضارف طقساً شعبياً. كل أسبوع يقرأ كاتب تقريراً، ويقرأ شاعر قصيدة، ويعرض موسيقي لحناً، ويحكي مزارع تجربته، وتتحدث امرأة عن القرية، ويعرض طفل رسماً عن المستقبل. رأيتني أكتب أسماء المنظمات على سبورة، ثم أمحوها وأكتب أسماء الناس. سمعت اعتراضاً. تكلمتُ: المؤسسة مهمة، لكن الإنسان هو النص الأصلي. تحسست الطباشير، فترك على يدي غباراً أبيض يشبه رماد نجمة. تنشقت رائحة القاعة، ورأيت أن الرأي العام بدأ يتشكل لا من الخطب، بل من الأسئلة التي تعلم الناس أن يطرحوها.
ثم ظهرت شخصية «أم الملف الأخضر»، امرأة لم يعرف أحد عمرها. كانت تجلس قرب محطة برنجي وتبيع الشاي. قالت إنها عملت في كل المنظمات ولم تعمل في أي منها. رأيتني أجلس أمامها. سمعت صوت الملاعق. تكلمتُ: كيف ذلك؟ قالت: كنت أشتغل في الإنسان نفسه. تحسست الكوب، فإذا كان ساخناً جداً. تنشقت رائحة الزنجبيل والقرفة، فأخبرتني أن المنظمة التي لا تعرف كيف تشرب الشاي مع الفقراء لن تفهم الفقر مهما قرأت من التقارير.
في المساء، أخذتني الصبية الزرقاء إلى زريبة البهائم بحي الناظر. كانت الأبقار نائمة، والماعز تتثاءب، وحمار أبيض يراقب القمر. رأيتني أقترب منها، وكانت عيناها في ضوء القمر أكثر اتساعاً. سمعت قلبها. تكلمتُ: هل يمكن للإنسان أن يحب العالم كله؟ قالت: لا، لكنه يستطيع أن يبدأ بكائن واحد. تحسست شعرها، ثم تراجعت بخجل، كأن بين الرغبة والاحترام ممراً ضيقاً لا يجوز عبوره إلا برفق. تنشقت رائحة الحيوان والعشب وعطرها، وشعرت أن الجمال ليس تملكاً، بل قدرة على رؤية ما لا نملك حق امتلاكه.
وفجأة هربت الأبقار من الزريبة، وركضت في شارع الأنبياء. رأيت الناس يطاردونها، بينما كانت المنظمة المتخيلة للرفق بالحيوان تصرخ عبر مكبر صوت: لا تطاردوا البقرة، دعوها تختار طريقها! سمعت ضحك الأطفال. تكلمتُ: حتى الحيوان يريد حقه في الضياع. تحسست قرن بقرة سوداء، فحدقت في عيني وقالت بصوت لم يسمعه غيري: أنتم البشر تضلون أكثر منا. تنشقت رائحة الحليب والتراب، وفهمت أن الحيوان في هذه الرواية لم يعد حيواناً؛ صار مرآة للإنسان.
في صباح آخر، وصلت أخبار من أفريقيا كلها. نهر النيجر يرسل رسالة إلى عطبرة. بحيرة تشاد تبعث برقية إلى القلابات. جبل كليمنجارو يطلب شجرة من القضارف. صحراء ناميب ترسل حفنة رمل إلى البحر الأحمر. رأيتني أقرأ الرسائل في منتدى شروق. سمعت القارة الإفريقية تتنفس في الخارج. تكلمتُ: هل القارة وطن واحد؟ قال شيخ من الحضور: القارة ليست وطناً واحداً، لكنها جرح واحد في أكثر من مكان. تحسست الرمل القادم من ناميب، فكان دافئاً. تنشقت رائحة بعيدة لا أعرفها، وشعرت أن الجغرافيا تستطيع أن تصبح نوعاً من القرابة.
عندها أعلن الرجل صاحب الملف القرمزي أن شجرة الحور «مخالفة للنظام» لأنها لا تحمل تصريحاً بالبقاء. رأيت رجالاً يقتربون منها بالفؤوس. سمعت الصبية الزرقاء تصرخ. تكلمتُ: إذا قطعتم الشجرة، قطعتم ذاكرة المدينة. تحسست جذعها، وكان ينبض بسرعة. تنشقت رائحة الصمغ والدم. رأيت العجائز يخرجون من دارهم، والمزارعين يتركون حقولهم، والعمال يتركون ورشهم، والنساء يحملن أطفالهن، والموسيقيين يحملون طبولهم. للمرة الأولى اتحد الجميع حول شيء لا يملك صوتاً بشرياً.
بدأت المعركة، لكنها لم تكن بالسلاح. كانت بالذاكرة. قرأت اليونسكو أسماء الأجداد. وزع المزارعون البذور. فتح الأطباء عياداتهم. أطلق العمال صفاراتهم. أعاد المهاجرون قصص الطرق. فتحت المفوضية خيامها. سجل المنسق الإنساني حاجات الناس. غنت النساء. عزف عوض مشاوي. كتب الأدباء. رأيتني أصرخ حتى فقدت صوتي. سمعت المدينة كلها تغني. تكلمتُ بلا صوت. تحسست الأرض بيدي. تنشقت التراب. ثم رأيت الجذور تتحرك تحتنا مثل أصابع عملاقة.
سقط الرجل صاحب الملف القرمزي على ركبتيه. لم يمت. لم يُسجن. فقط جلس. رأيته يبكي للمرة الأولى. سمعت بكاءه كطفل ضائع. تكلمتُ إليه: لماذا أردت السيطرة؟ قال: لأنني كنت أخاف من الفوضى. تحسست كتفه، فوجدته خفيفاً ككتف طفل. تنشقت رائحة الخوف الذي كان يسكنه، وعرفت أن بعض الطغاة الصغار ليسوا شياطين؛ إنهم أناس أفسدهم خوفهم حين لم يجدوا من يجلس بجوارهم.
ثم جاء حامد السرة ببطء، ووضع يده على رأس الرجل. قال: اجلس معنا. لم يسأله عن الماضي. رأيت الرجل يرفع وجهه. سمعت الصمت. تكلمتُ: هل يمكن أن يغفر الإنسان لمن حاول السيطرة عليه؟ قال حامد: المغفرة ليست نسياناً، إنها رفض أن تحمل خصمك داخل قلبك إلى الأبد. تحسست يده. تنشقت رائحة التراب بعد المطر. وفي تلك اللحظة سقطت ورقة واحدة من شجرة الحور، لكنها لم تصل إلى الأرض؛ حملتها ريح خفيفة إلى السماء.
رأيتني والصبية الزرقاء نسير بعد ذلك في شارع الأنبياء. لم تكن هناك موسيقى، ولا منظمة، ولا مؤتمر، ولا خطب. كان هناك فقط مطر خفيف، وخيول بعيدة، ومصابيح صفراء، وامرأة تمشي إلى جواري. سمعت خطواتها. تكلمتُ: ماذا سيحدث غداً؟ قالت: لا أعرف. تحسست يدها للحظة ثم تركتها. تنشقت رائحة المطر والشعر والياسمين. شعرت أن الرومانسية ليست خاتمة الحكاية، بل طريقة أخرى للاعتراف بأننا هشون.
وفي آخر النهار، عدنا إلى دار العجزة. كان حامد السرة نائماً تحت شجرة الحور، والطيور حوله. رأيتني أجلس إلى جواره. سمعت تنفسه. تكلمتُ مع نفسي: ربما لا يوجد خلاص نهائي. تحسست التراب. تنشقت رائحة الحطب والورد والمطر. ثم فتح العجوز عينيه وقال: لا تكتب عن الذين أنقذوا العالم؛ اكتب عن الذين منعوا العالم من أن يصبح أكثر قسوة.
في تلك اللحظة رأيت المدينة من فوق، كأنني طائر كوندور يحلق فوق جبال البحر الأحمر. رأيت القضارف، وكسلا، وسواكن، وطوكر، والقريشة، والقلابات، والوديان والسهول والحقول. رأيت النيل الأزرق بعيداً، ونهر عطبرة، والسنط والهشاب والدوم والتبلدي والحور والسدر، ورأيت القطط والحمير والجمال والخيول والماعز والطيور البرية. سمعت القارة الإفريقية كلها تتنفس. تكلمتُ: نحن لسنا جزيرة. تحسست الهواء. تنشقت رائحة العالم. ورأيت الزمن الحلزوني يعود إلى نقطة البداية.
رأيت العجوز من جديد تحت الأشجار، كما رأيته أول مرة، لكنني لم أعد أراه عجوزاً. رأيته طفلاً يحمل طائرة ورقية، وشاباً يحب امرأة، ورجلاً يزرع حقلًا، وأباً يودع ابنه، ومهاجراً يحمل حقيبة، ولاجئاً يحمل مفتاحاً، وكاتباً يبحث عن جملة، وموسيقيًا يبحث عن نغمة، وطبيباً يبحث عن نبض، ومزارعاً يبحث عن المطر. سمعت كل هذه الحيوات في صوته. تكلمتُ: هل هذه أنت؟ قال: هذه كل الأسماء التي نسيتها في الطريق. تحسست وجهه. تنشقت رائحة الزمن. وعرفت أن الإنسان ليس سيرة واحدة، بل قافلة من الأشخاص الذين كانوا يمكن أن يكونهم.
ثم رأيتني أكتب في سجل المتابعة الأسبوعية لاتحاد الكتاب القضارف ومنتدى شروق ومنتدى عوض مشاوي: «المؤسسات التسع وصلت إلى المدينة، لكنها اكتشفت أن المدينة كانت مؤسسة قبلها؛ مؤسسة بلا لائحة، بلا ختم، بلا ميزانية، لكنها تعرف أسماء الجائعين.» سمعت الورق يتحرك تحت أصابعي. تكلمتُ إلى القاعة الخالية. تحسست الطاولة. تنشقت رائحة الحبر. ولم يجبني أحد.
إلا أن شجرة الحور أجابت.
قالت: لا تكتب النهاية.
رأيتني أرفع رأسي.
كانت السماء ممتلئة بالطيور.
سمعت جناحاً يضرب جناحاً.
تكلمتُ: وماذا أكتب؟
قالت الشجرة:
اكتب أن غداً سيأتي شخص آخر، يحمل حاجة أخرى، وحكاية أخرى، وجرحاً آخر، وأن العالم سيحتاج إلى منظمة جديدة لا يعرف اسمها أحد.
تحسست جذورها.
تنشقت رائحة المطر.
ثم رأيتني أمشي نحو دوار نمرة 2، بينما كانت العجوز والصبية والطبيب والمزارع واللاجئ والعامل والمهاجر والقابلة والعازف والقط ذو العين الواحدة يسيرون خلفي، وكل واحد منهم يحمل جزءاً من العالم.
ومضينا.
لا إلى النهاية.
بل إلى ظهيرة أخرى، لم تأتِ بعد.

تعليقات
إرسال تعليق