قصص وحكايات وطرائف المضيفين و المضيفات الجويات في العالم السردي للاعمال الروائية الكاملة
الوحدة السردية الكبرى لعالم التي جعلت تلك الحكايات و القصص و الطرائف المنتقاة بدقة كأنها خيوط سردية عابرة للروايات الخمس والثلاثين: تبدأ من لحظة العودة إلى الخرطوم في 21 أبريل 1985، ثم تتشعب في المطارات والموانئ والطرق البرية، بحيث لا يكون السفر انتقالاً جغرافياً فقط، بل انتقالاً بين الذاكرة والتاريخ والأسطورة والمستقبل. وحدة سردية فائقة مزجت بين خشونة السرد الشعبي، واتساع المعجم الجغرافي، والواقعية السحرية، والزمن اللولبي المفتوح. .
حين هبطت الطائرة في مطار الخرطوم صباح الحادي والعشرين من أبريل عام 1985، لم يكن المطار يعرف أن عائلة المربي الجليل مطر التجاني سلام التلمساني تحمل في حقائبها شيئاً أثقل من الملابس والهدايا العمانية؛ كانت تحمل رائحة نزوى، وملح بحر عمان، وغبار الطرق التي عبرتها الحافلات بين نزوى والرستاق وعبري وإزكي وبهلاء، وكانت المضيفة التي وقفت عند باب الطائرة تبتسم للركاب كأنها تعرف أسماءهم قبل أن ينطقوا بها. قالت لها امرأة من العائلة إن الخرطوم تبدو من النافذة كمدينة خرجت لتوها من حلم طويل، فضحكت المضيفة وقالت: «كل المطارات مدن صغيرة، لكن بعضها ينسى أنه مطار». وفي تلك اللحظة رأى مطر التجاني سلام التلمساني في أرض المدرج بحراً أسود يتحرك ببطء، مع أن الخرطوم لا بحر لها. اقترب طفل من النافذة وأشار إلى الماء، فقال أبوه: «ذلك ليس ماءً، تلك ذاكرة الطائرة». ومنذ ذلك الصباح صار كل مطار في الروايات اللاحقة باباً إلى مكان آخر، وباباً أيضاً إلى زمن آخر، حتى أصبح الوصول نفسه نوعاً من الرحيل.
كان مضيف الطائرة العجوز يحتفظ بدفتر أزرق لا يكتب فيه أسماء المسافرين، وإنما المدن التي ماتت أثناء الرحلات. كتب: الإسكندرية، عدن، مومباسا، مسقط، جدة، البندقية، البصرة، سلا، أنطاكية، إسطنبول، ثم ترك صفحات بيضاء لمدن لم تمت بعد. وفي إحدى الرحلات ظهر رجل غريب بعمامة رمادية وقال للمضيف: «لماذا تكتب المدن ولا تكتب البشر؟» فأجابه: «لأن الإنسان يستطيع أن يغير اسمه، أما المدينة فتظل تحمل ندبة المكان». بعد ذلك اختفى الرجل عند الهبوط، ولم يعثروا على مقعده، لكنهم وجدوا على الطاولة ورقة عليها خريطة لطشقند مرسومة بخط اليد، وفي وسطها نقطة سوداء كتب تحتها: «هنا نام حصان تيمورلنك». وفي الليلة نفسها حلمت إحدى المضيفات بأنها تطير فوق الخرطوم، فرأت البيوت تتحول إلى مقاعد طائرة، والأسواق إلى ممرات، والنيل إلى جناح فضي هائل. وحين استيقظت كانت الطائرة قد وصلت إلى مدينة أخرى، لكنها ظلت تسمع صوتاً يقول: «الرحلة لم تبدأ بعد».
أما المضيفة القادمة من مدينة ساحلية، فقد كانت تعرف البحار كما يعرف الفلاح أسماء مواسم المطر؛ كانت تفرق بين رائحة ميناء جدة ورائحة بورسعيد، وبين ملح مسقط ورطوبة مومباسا، وبين الموج الذي يصل إلى طنجة والموج الذي يضرب سواحل عدن. قالت ذات مرة لمطر التجاني إن المضيفات لا يخدمن الركاب وحدهم، بل يخدمن الزمن أيضاً، لأنهن يحملن المسافر من ساعة إلى ساعة، ومن قارة إلى قارة، دون أن يطلبن منه تفسيراً لما تركه وراءه. وفي رواية «مطر التجاني سلام التلمساني» ظهر دفترها مرة أخرى بعد عقود، داخل صندوق في مدينة لا يعرفها أحد، وكانت صفحاته تسجل أسماء المطارات كما لو كانت أسماء أفراد العائلة. كلما وصل أحد الأبناء إلى مطار جديد وجد اسمه مكتوباً مسبقاً، وتحت الاسم جملة قصيرة: «هنا ستفقد شيئاً، وستعثر على شيء لا تعرف أنك فقدته». ولذلك لم يعد المطار في الروايات مكاناً للانتظار، بل صار شخصية كاملة، لها مزاجها وذاكرتها وحزنها وأسرارها.
في ميناء بعيد كانت السفينة تصعد من الماء كأنها مدينة معدنية فقدت طريقها إلى اليابسة، وعلى سطحها رجل من «عند وادي القديسين» يراقب الحاويات وهي تدخل جوف السفينة مثل قبور مستطيلة للأشياء. قال القبطان إن البحر لا يحفظ أسماء السفن، لكنه يحفظ أخطاءها، وإن الموانئ لا تنام لأنها تعرف أن كل سفينة تحمل معها مدينة غير مرئية. كان البحارة من السودان وعمان واليمن والهند وشرق أفريقيا يتحدثون بلهجات متجاورة، حتى بدا أن البحر اخترع لغة لا تحتاج إلى قاموس. وفي الليل ظهرت جزيرة صغيرة في الأفق لم تكن موجودة على الخرائط، فنزل إليها رجل واحد، ثم عاد بعد ساعة يحمل حجراً عليه كتابة بلغة قديمة. وعندما فُحص الحجر في مدينة أوروبية، قال الخبير إن الكتابة لا تنتمي إلى أي حضارة معروفة. لكن الشيخ مبشر الشفيع الكردوسي، في رواية أخرى، عرفها فوراً وقال: «هذه كتابة الذين عبروا البحر ولم يصلوا». ثم انطفأت منارة الميناء، وظل الحجر يضيء وحده حتى الفجر.
وفي سوق الميناء كان بائع السمك العجوز يبيع سمكة لا تموت. كلما وضعها على الميزان تحركت وعادت إلى البحر، ثم رجعت في اليوم التالي أكبر من ذي قبل. قال أهل المدينة إن السمكة تعرف تاريخ الموانئ أكثر من المؤرخين، لأنها كانت حاضرة حين خرجت السفن الفينيقية، وحين عبرت القوافل البحرية القديمة، وحين بدأت الخرائط الأوروبية تضع أسماء جديدة على الشواطئ القديمة. وفي ليلة ممطرة اشترى أحد أبطال «حواكير التين الشوكي» السمكة بدينار واحد، وحين فتح بطنها وجد داخله مفتاحاً صدئاً وخريطة لمدينة غارقة. كانت الخريطة تشير إلى ميناء لم يعد موجوداً، لكنها كانت تضع علامة حمراء فوق بيت صغير على الساحل. ذهب الرجل يبحث عنه، فوجد بيتاً يشبه بيت طفولته في السودان، مع أن البحر يفصل بين المكانين آلاف الكيلومترات. طرَق الباب، ففتحت له امرأة مسنة وقالت: «تأخرت كثيراً، لقد انتظرناك منذ الرحلة الأولى». وعندما التفت إلى البحر وجد السفينة التي أقلته قد تحولت إلى شجرة تين.
كان الطريق البري يبدأ دائماً من نقطة لا يتفق عليها أحد؛ يقول أهل القرية إنه يبدأ من آخر بيت، ويقول سائقو الشاحنات إنه يبدأ من أول محطة وقود، بينما يقول الجغرافيون إنه يبدأ من الإحداثيات. أما بطل «رجل من أقصى المدينة» فكان يؤكد أن الطريق يبدأ عندما يفكر الإنسان في المغادرة. لذلك سار ذات صباح في طريق ترابي يمتد بين قرى مجهولة، فرأى عربات تجرها الجمال، وشاحنات حديثة تحمل حديداً، وحافلة مدرسية صفراء، وعجوزاً يدفع دراجة بلا عجلات. سأل العجوز عن الطريق، فقال له: «إذا كنت ذاهباً إلى المستقبل، اتبع آثار الذين عادوا». تابع السير حتى وصل إلى مفترق طرق، وعلى كل طريق لوحة باسم مدينة بعيدة: القضارف، مسقط، صنعاء، بغداد، طشقند، إسطنبول، سلا. اختار الطريق الذي لم تكن عليه لوحة، فكان ذلك الطريق الوحيد الذي أوصله إلى المدينة التي يبحث عنها.
وفي القلابات كان المساء يهبط على الحدود مثل ستارة مسرح خشنة، تتداخل فيها أصوات التجار والمسافرين والماشية والمحركات وأبواق الشاحنات. كان الحدوديون يعرفون الوجوه أكثر مما يعرفون الأوراق، ولذلك أوقفوا رجلاً يحمل جواز سفر بلا صورة، فلما سألوه عن هويته قال: «أنا ابن الطريق». ضحك أحدهم، لكن الضحكة توقفت حين وجدوا أن جوازه يحتوي على أختام لمدن لم تُبنَ بعد. في الصفحة الأخيرة ختم دائري يحمل تاريخاً في المستقبل، وتحت الختم اسم مدينة سودانية لم يكن أحد قد سمع بها. أخذ الرجل جوازه ومشى، لكن أحد الجنود تبعه حتى آخر الطريق، وهناك اختفى الاثنان معاً. بعد سنوات ظهر الجندي في إحدى روايات «جمهورية ما بعد الحكاية» شيخاً طاعناً في السن، وكان لا يزال يبحث عن النقطة التي اختفى عندها الطريق. كلما اقترب منها وجد نفسه في مطار، ثم في ميناء، ثم في قرية، ثم يعود إلى الحدود نفسها.
وفي مدينة جبلية كان أهلها يعتقدون أن الطرق لا تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الذكريات التي تسقط من المسافر أثناء عبورها. جاءت حافلة تحمل مسافرين من جهات مختلفة، وكان بينهم معلم سوداني، وامرأة من الأناضول، وتاجر من المغرب، وبحار يمني، وطفل لا يعرف اسم أبيه. عندما توقفت الحافلة قرب قرية حجرية، نزل الجميع إلا الطفل. قال السائق: «إنه ينتظر والده». أجابه المعلم: «ربما ينتظر المستقبل». وعندما تحركت الحافلة بدأ الطفل يكبر أمام أعين الركاب، حتى صار في المحطة التالية شاباً، وفي الثالثة رجلاً، وفي الرابعة شيخاً. وحين وصلت الحافلة إلى المدينة الأخيرة كان الطفل قد عاد صغيراً كما كان. سأله المعلم: «من أنت؟» فقال: «أنا الطريق عندما يتعب من الوصول». وفي تلك اللحظة أدرك الركاب أنهم لم يسافروا من مدينة إلى مدينة، وإنما عبروا أعمارهم دفعة واحدة.
في مطار أوروبي شديد البرودة، وصل أحد أبطال «جمهورية ما بعد الحكاية» يحمل حقيبة مليئة بالتراب السوداني. لم يفهم موظف الجمارك لماذا يحمل مسافراً تراباً في حقيبته، فقال الرجل: «هذه ليست تربة، هذه خريطة». فتح الموظف الحقيبة، فارتفع منها غبار تحول في الهواء إلى خطوط وأنهار وجبال وطرق. ظهرت القضارف أولاً، ثم البحر الأحمر، ثم بحر عمان، ثم المتوسط، ثم مدن لا تزال قيد التخيل. تجمع الناس حول المشهد، بينما ظلت امرأة مسنة تردد بلغة مجهولة أسماء مطارات قديمة. وفي وسط الغبار ظهرت طائرة صغيرة، وعلى جناحها اسم مطر التجاني سلام التلمساني. اقترب الرجل منها، فسمع صوت المضيفة الأولى التي ظهرت في مطار الخرطوم عام 1985 تقول: «لقد وصلت أخيراً». أجابها: «إلى أين؟» فقالت: «إلى المكان الذي كنت تغادره كل مرة».
وعندما انتهت الرحلة الأخيرة، لم ينته الطريق؛ فالطرق في هذه الروايات لا تنتهي، والموانئ لا تغلق أبوابها، والمطارات لا تتقاعد، والشخصيات لا تعرف إن كانت تعيش حياتها أم تعيد كتابة حياة سابقة. اجتمعت الشخصيات القادمة من الروايات الخمس والثلاثين في محطة لا تقع على أي خريطة، وكان في القاعة مضيفون ومضيفات وبحارة وسائقو شاحنات وفلاحون وجغرافيون ومؤرخون وأطفال ونساء يحملن حقائب صغيرة. على الجدار خريطة ضخمة للعالم، لكنها كانت تتحرك كلما اقترب منها أحد؛ تتقدم أفريقيا قليلاً، وتنحني آسيا، وتقترب أوروبا من البحر، وتظهر مدينة جديدة في الصحراء. قال رجل من آخر الصف: «هذه ليست خريطة العالم». فقال آخر: «بل العالم حين يتذكر نفسه». ثم انفتح باب المحطة على مطار، والمطار على ميناء، والميناء على طريق بري، والطريق على بيت قديم في القضارف. وهناك، عند الفجر، سُمع صوت عجلات طائرة فوق المدينة، مع أن السماء كانت خالية. ولم يسأل أحد عن مصدر الصوت، لأن الجميع عرف أن الحكاية التي بدأت في 21 أبريل 1985 لم تصل إلى نهايتها بعد.

تعليقات
إرسال تعليق