افكار خاطئة عن الاسلام

 

 كان المخبز قد استيقظ قبل  القضارف ، أو لعل القضارف هي التي نامت في داخله، ولم يعد أحد يعرف أين يبدأ المكان وأين ينتهي الرغيف.
كان محرز رياض النشمي يضع  مخبز أدونيس للخبز البلدي الفاخر   على الرفوف، بينما كانت فينوس فيردي شلولخ الأرنؤطي ترسم عشر دوائر على ورقة صفراء.
قالت: «هذه ليست موضوعات، إنها أبواب، وكل باب يفتح على سبعة أبواب أخرى».
أشار محرز إلى الدائرة الأولى وقال: «الجهل المقدس».
ثم أشار إلى الثانية: «الخوف».
وفي اللحظة التي انتهى فيها من عد الدوائر، ظهر أنس البهلون عند الباب، وقال: «لقد بدأنا من النهاية مرة أخرى».

في الناحية الأخرى من المدينة كان محمود المجناني يسير حافيًا فوق طريق لا يوجد على الخرائط، يحمل مسبحة من سبع خرزات، وكلما وصل إلى خرزة نسي اسم مدينة.
قال له طفل: «إلى أين تذهب؟»
قال: «إلى المكان الذي تسبق فيه الشائعة الحقيقة بثلاثة أيام».
قال الطفل: «وهل تعرف الطريق؟»
قال محمود: «لا، ولهذا أسير».
وكان خلفه ظل طويل يشبه رجلًا يحمل منبرًا، لكنه كلما اقترب من الظل وجده مجرد نخلة تمشي في الاتجاه المعاكس.

في مجلس صغير من مجالس الدعوة، قال مسيلمة أبي جديري النقرابي إن أخطر ما يفعله الإنسان بالدين أن يحول اجتهاده إلى وحي.
لم يعترض أحد، لكن رجلًا في آخر الصف رفع إصبعه وقال: «وهل كل ما ورثناه خطأ؟»
أجاب: «ليس كل موروث خطأ، وليس كل موروث مقدسًا».
كانت الجملة تسقط ببطء مثل مطر فوق أرض عطشى.
وفجأة دخلت امرأة تحمل كتابًا بلا عنوان، وقالت: «المشكلة ليست في أن نرث، بل في أن ننسى أننا ورثنا».
ثم أغلقت الكتاب، فاختفى المجلس وبقيت المقاعد في العراء.

في سوق ديم النور، كانت ليلى التهامي تستمع إلى امرأة تقول إن الدين يمكن أن يُعرف من هيئة الثوب وحدها.
ابتسمت ليلى وقالت: «الثوب علامة اجتماعية في سياقات كثيرة، لكنه ليس جهازًا لقياس القلب».
قالت امرأة أخرى: «لكن الناس يريدون علامات واضحة».
أجابت: «لأن الإنسان يخاف من الأشياء التي لا يستطيع قياسها».
ثم وضعت على الطاولة ميزانًا صغيرًا، وقالت: «ضعوا عليه النية».
ضحك الجميع.
أما الميزان فبقي ساكنًا، كأنه فهم النكتة قبلهم.

في تلك الليلة خرجت من مجمع مكة المكرمة لمستلزمات المرأة العصرية ورقة طويلة طارت فوق السوق، كتب عليها أحدهم: «الحجاب هو الإسلام».
التقطها محرز، ثم مزقها نصفين.
في النصف الأول كتب: «الإسلام أوسع من مظهر واحد».
وفي النصف الثاني كتب: «والمظهر لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للسخرية أو الإكراه».
قالت فينوس: «ها أنت تحاول أن تجعل الورقة عادلة».
قال محرز: «لأن المدينة غير عادلة بما يكفي».
ثم هبت الريح، فمزقت الورقة الثالثة التي لم تكن موجودة أصلًا.

في رواية أخرى من روايات رجل من أقصى المدينة، كان شاب يرعى قطيعًا عند سفح جبل، فسمع من مذياع قديم أن رجلًا في مدينة بعيدة قال إن كل من يخالفه في الدين عدو.
لم يترك الشاب القطيع، ولم يرفع سلاحًا، لكنه ظل يفكر في العبارة طوال النهار.
قال له عمه: «لا تجعل صوت المذياع شيخًا في رأسك».
قال الشاب: «لكنه يتحدث بثقة».
ضحك العم: «الثقة ليست دليلًا».
وفي المساء كان القطيع كله يمر من حولهما مثل جملة طويلة لا تعرف أين تضع نقطة النهاية.

في سوق الماشية، لم يكن الناس يتحدثون عن «المجتمع الرعوي» كما يفعل الباحثون في الكتب، بل عن المطر والعشب والسعر والمرض والطريق والآبار والديون.
لكن راويًا غريبًا دخل بينهم وقال: «إن الطاعة المطلقة قد تكون خطرة في أي مجتمع».
سأله أحد الرعاة: «ولماذا ربطتها بنا؟»
قال الراوي: «أنا لا أربطها بكم، بل أسأل عن الطاعة حين تتحول إلى عادة».
قال الرجل: «الطاعة أحيانًا تحفظ الجماعة».
أجابه: «وأحيانًا يحتاج حفظ الجماعة إلى رجل يستطيع أن يقول: لا».
وفي تلك اللحظة، مر جمل وحيد، فبدا كأنه قالها نيابة عن الجميع.

كان أنس البهلون يكتب على سبورة المسجد: «الإسلام، المسلم، الفقه، العرف، الدولة».
ثم محا الكلمات كلها وكتب: «لا تخلطوا».
دخل طفل وسأله: «لماذا؟»
قال: «لأن خلطها يجعل فعل الإنسان نصًا، ورأي الفقيه وحيًا، وعادة القبيلة شريعة، وقرار الدولة دينًا».
قال الطفل: «وهل يمكن فصلها دائمًا؟»
توقف أنس طويلًا.
ثم قال: «لا، لكنها تستطيع أن تتحاور من غير أن تنتحل أسماء بعضها».

في حواكير التين الشوكي، كانت فينوس تمشي بين البيوت القديمة وتسمع نساء يتحدثن عن الزواج والطلاق والعمل والحجاب.
كل امرأة كانت تحمل نسخة مختلفة من الإسلام، لا لأنها اخترعت دينًا جديدًا، بل لأنها عاشت تاريخًا مختلفًا.
قالت امرأة: «أنا أريد أن أكون متدينة ومتعلمة في الوقت نفسه».
قالت أخرى: «وأنا أريد أن أعمل دون أن يقال إن عملي نقص في أنوثتي».
وقالت ثالثة: «وأنا أريد فقط أن أُسأل عن رأيي».
كتبت فينوس الجمل الثلاث على جدار قديم.
وفي الصباح وجدت تحتها عبارة: «المرأة ليست سؤالًا فقهيًا فقط».

في مجلس الرجال، بدأ نقاش عن الولاية الأسرية.
قال أحدهم: «الأسرة تحتاج إلى قائد».
قالت ليلى: «لكن القيادة ليست ملكية».
قال آخر: «وإذا اختلف الزوجان؟»
قالت: «يحتاجان إلى تفاوض، لا إلى تحويل أحدهما إلى قاصر دائم».
تدخل أنس وقال: «الدين حين يدخل البيت لا ينبغي أن يخرج منه الإنسان».
فهم البعض العبارة، وفهمها البعض خطأ، ثم بدأت الحكاية من جديد.
كان الخطأ نفسه يسير بين المقاعد مرتديًا جلباب الحكمة.

في جمهورية ما بعد الحكاية، ظهرت شاشة عملاقة تعرض مقاطع قصيرة من خطب دينية مبتورة.
كل مقطع عشر ثوانٍ، وكل عشرة مقاطع تصنع غضبًا كاملًا.
قال أبو الشوش الجقجلي: «هذه ليست خطبًا، هذه شظايا».
قال أيمن جنقبلي: «لكن الشظية قد تجرح أكثر من السيف».
قال ود القمر البلال: «خصوصًا عندما تنتشر أسرع من التفكير».
أما دنجل حانون فقال: «كان الناس قديمًا يحتاجون إلى منبر، والآن يحتاجون إلى هاتف».
ثم انطفأت الشاشة، وبقيت أصوات لا نعرف أصحابها تصرخ في الظلام.

في تعاليم شرقستان الوسطى، استيقظ رجل من حلم رأى فيه مدينة كلها أبواب ولا أحد يعرف خلف أي باب توجد الحقيقة.
كان يفتح بابًا فيجد شيخًا.
يفتح الثاني فيجد فيلسوفًا.
الثالث يجد فيه امرأة.
الرابع يجد فيه عاملًا.
الخامس يجد فيه رجلًا سابقًا في جماعة متطرفة يقول: «كنت أبحث عن اليقين، فوجدت نفسي في قفص».
سأله الحالم: «كيف خرجت؟»
قال الرجل: «بدأت أشك في الذين قالوا لي إن الشك كفر».

في إحدى الليالي، جمع محمود المجناني عشرة أشياء على الأرض: مسبحة، رغيفًا، هاتفًا، حجابًا، سكينًا، كتابًا، مفتاحًا، جرسًا، مرآة، وحجرًا.
قال: «كل واحد من هذه الأشياء يمكن أن يصبح رمزًا للنجاة أو أداة للسيطرة».
سأله محرز: «كيف؟»
قال: «المشكلة ليست دائمًا في الشيء، بل في اليد التي تعطيه معنى واحدًا».
رفع الهاتف فقال: «يمكن أن ينقذ إنسانًا».
ثم رفع السكين وقال: «ويمكن أن يقتل».
ثم رفع الكتاب: «وهذا أيضًا يمكن أن يفتح عقلًا أو يغلقه إذا حُوّل إلى ختم».

في رواية عند وادي القديسين، كان الجهاد يسير على قدمين.
مرة ظهر شيخًا يحمل سبحة، ومرة ظهر جنديًا يحمل سيفًا، ومرة ظهر أمًا تجاهد لتطعم أبناءها، ومرة ظهر طالبًا يجاهد جهله.
قال أنس: «الكلمة أوسع من صورتها المعاصرة».
قال مسيلمة: «لكن لا يجوز أن نمحو تاريخها العسكري».
قالت فينوس: «ولا أن نجعل تاريخها العسكري معناها الوحيد».
ثم مر الجهاد بينهم كمسافر لا يريد أن يعرّف نفسه.
وعندما التفتوا، وجدوا على الأرض آثار أقدام متعددة.

في قرية على تخوم الهضبة، كان شاب فقير يسمع كل يوم خطابًا يعده بمجد سريع.
كان عاطلًا، غاضبًا، يشعر أن المدينة لا تراه.
قال له رجل مجهول: «نحن نعرف قيمتك».
لم يقل له: «نحن نحتاج إلى طاقتك»، بل قال: «أنت من المختارين».
كانت الكلمة أخطر من السلاح.
لأن الشاب الذي يبحث عن معنى قد يمنح حياته لمن يمنحه هوية جاهزة.
وفي آخر الليل سأل نفسه للمرة الأولى: «هل اختاروني لأنهم يحبونني، أم لأنهم يحتاجونني؟»

في طريق كسلا، ظهرت جبال البحر الأحمر كأنها كتب عملاقة أغلقتها يد غاضبة.
قالت مروة عجباني: «كل جبل يحمل حكاية عن جماعة قالت إنها تملك الحقيقة».
قال درش الكنوني: «وهل يوجد جبل للحقيقة؟»
قالت: «ربما، لكنه لم يكتشف بعد».
قال عبد الناصر الحنش: «إذن نحن نبحث عن شيء غير موجود».
قال شكوكو النمس: «بل نبحث عن شيء لا يجوز لأحد أن يملكه وحده».
فأجابهم الجبل بصدى طويل لم يقرر إن كان موافقًا أم ساخرًا.

في أحد المقاهي، كان الحديث عن التطرف قد تحول إلى مباراة في إطلاق الأحكام.
قال رجل: «المتطرفون مجانين».
قال آخر: «بل مجرمون».
قال ثالث: «بل ضحايا».
تدخل محمود المجناني: «قد يكون في الحالات المختلفة شيء من هذه الأشياء، لكن التفسير لا يلغي المسؤولية».
ساد الصمت.
كان من السهل أن يكره الناس الشرير، لكن الأصعب أن يفهموا كيف صار الشرير ممكنًا.
وعندما فهموا ذلك، لم يصبح الشر أقل قبحًا، لكنه صار أكثر قابلية للمقاومة.

في مخبز أدونيس، جاء رجل يسأل عن الفلسفة.
قال: «سمعت أن الفلسفة تفسد الدين».
قالت فينوس: «الفلسفة لا تفسد الإنسان وحدها، كما أن الجهل لا يصلحه».
قال محرز: «لدينا في المخبز نوعان من العجين: واحد يتخمر ببطء، وآخر يفسد إذا استعجلناه».
ضحك الرجل.
ثم سألته فينوس: «هل تريد جوابًا دينيًا أم تاريخيًا؟»
قال: «أريد الحقيقة».
قالت: «إذن ستحتاج إلى أكثر من جواب».

في ليلة أخرى، دخل أبو الشوش الجقجلي إلى سوق القضارف وهو يرتدي قناعًا نصفه مبتسم ونصفه غاضب.
قال: «هذه السياسة».
ضحك الناس.
قال: «تبيعكم الغضب صباحًا، والخوف مساءً، ثم تطلب منكم أن تنسوا السعر».
صرخ رجل: «والدين؟»
قال أبو الشوش: «الدين ليس سلعة السياسة».
ثم خلع القناع، فظهر وجه عادي جدًا.
وكانت المفاجأة أن الناس لم تعرف أيهما كان القناع: الوجه أم الابتسامة.

في مجلس ليلى، سألت امرأة: «هل الوهابية مذهب واحد لا يتغير؟»
قالت ليلى: «كل تقليد ديني له تاريخ وتيارات وتطورات، ولا ينبغي اختزال ملايين البشر في صورة واحدة».
قالت فينوس: «لكن يمكن نقد أفكار محددة».
قالت ليلى: «وهذا هو الطريق الصحيح: نقد الفكرة لا إهانة الإنسان».
تدخل أنس: «التعميم يجعل الحوار حربًا قبل أن يبدأ».
ثم كتبت ليلى على دفترها: «الاختلاف ليس جريمة، لكن تحويل الاختلاف إلى عداوة هو بداية الطريق إلى العنف».
وأغلقت الدفتر دون نقطة.

في إحدى قرى الجنوب القضارفي، كانت المقاومة الشعبية المسلحة موضوعًا لا يستطيع أحد أن يتحدث عنه بلغة واحدة.
كان بعض الناس يتحدثون عن الخوف، وبعضهم عن الدفاع، وبعضهم عن الحرب، وبعضهم عن الثأر، وبعضهم عن السلطة.
لم يكن محمود المجناني يملك إجابة جاهزة.
قال فقط: «حين تدخل البندقية إلى القرية، يتغير معنى الكلمات كلها».
صار الدفاع ثأرًا عند رجل، وصار الثأر دفاعًا عند آخر.
أما الطفل الذي لا يعرف شيئًا من هذه المصطلحات، فقد كان يسأل: «متى يعود أبي؟»

في جمهورية ما بعد الحكاية، أصبح الخوف صناعة.
كل خبر يحتاج إلى عدو.
وكل عدو يحتاج إلى صورة.
وكل صورة تحتاج إلى تعليق.
وكل تعليق يحتاج إلى جمهور.
وكان الجمهور يزداد كلما ازدادت الكذبة إثارة.
قالت مروة: «ربما لم يعد الإرهاب يحتاج إلى منبر؛ يكفيه أن يجد خوارزمية».
ثم انطفأت الشاشات، لكن الخوارزمية بقيت تعمل في رؤوس الناس.

في سوق الماشية، جلس راعٍ مسن مع أستاذ جامعي.
قال الأستاذ: «المجتمع التقليدي يحتاج إلى تحديث».
قال الراعي: «وماذا تعني بالتحديث؟»
قال الأستاذ: «التعليم، النقد، المؤسسات».
قال الراعي: «نحن أيضًا نتعلم من المطر والسوق والمرض والطريق».
سكت الأستاذ.
ثم قال: «أنا لا أقصد أن خبرتكم لا قيمة لها».
ابتسم الراعي: «إذن لا تسمّ كل ما لا يشبه مكتبك تخلفًا».
وهكذا بدأت الرواية تراجع لغتها هي نفسها.

كان صديق اللكيب أبي ذلعة قد جمع الساعات القديمة ووضعها على الأرض في شكل دائرة.
كل ساعة تشير إلى وقت مختلف.
قال: «هذه هي الحقيقة حين يكتبها الناس».
قال دنجل: «لكن الزمن واحد».
قال صديق: «والذاكرة ليست واحدة».
قال أيمن: «وهنا تبدأ السياسة».
قال محمود: «وهنا يبدأ التاريخ».
ثم تحركت الساعات كلها فجأة، لا إلى الأمام، بل نحو طفولة رجل مجهول.

في حواكير التين الشوكي، جلست فتاة تقرأ عن الحجاب، ثم وضعت الكتاب جانبًا ونظرت إلى أمها.
قالت: «أريد أن أفهم قبل أن أطيع».
قالت الأم: «وأنا أخاف أن يجعلك الفهم مختلفة».
قالت الفتاة: «ربما الاختلاف ليس عيبًا».
قالت الأم: «لكن المجتمع لا يرحم المختلف».
أجابتها فينوس من نافذة البيت المجاور: «ولهذا يحتاج المجتمع إلى التعليم».
وفي الليل كانت الفتاة تقرأ تحت ضوء ضعيف، بينما كانت المدينة كلها تخاف من سؤال صغير.

عاد أنس البهلون إلى السبورة، لكنه هذه المرة كتب: «التكفير».
ثم رسم حول الكلمة دائرة.
قال: «حين تكفّر إنسانًا، أنت لا تنهي النقاش؛ أنت تلغي إمكانية النقاش».
قال مسيلمة: «وقد يتحول الإلغاء إلى عزلة، والعزلة إلى كراهية».
قالت ليلى: «والكراهية إذا دخلت السياسة قد تصبح قانونًا».
قال دنجل: «وإذا دخلت السلاح تصبح مقبرة».
كانت الكلمات تتسلسل مثل سلالم، لكن أحدًا لم يعرف أين توجد الدرجة الأخيرة.

في مكان ما بين الجزيرة والقضارف، ظهرت مدينة من القش اسمها «مدينة اليقين».
كان ممنوعًا فيها أن تقول «ربما».
ممنوع أن تقول «لا أعرف».
ممنوع أن تقول «اختلف العلماء».
كل سؤال يجب أن ينتهي بإجابة واحدة.
وصل إليها محمود، فسأله الحارس: «هل أنت متأكد أنك من أهل اليقين؟»
قال: «لا».
طرده الحارس فورًا.
فابتسم محمود، لأنه للمرة الأولى عرف أنه خرج من المكان الصحيح.

في مشهد آخر، كانت ليلى ترتب حسابات المجمع التجاري، بينما جاءها رجل يقول: «الدعوة تحتاج إلى المال».
قالت: «صحيح».
قال: «والمال يحتاج إلى نفوذ».
قالت: «ليس بالضرورة».
قال: «والنفوذ يحتاج إلى رجال».
قالت: «هذه هي السلسلة التي ينبغي الحذر منها».
ثم أغلقت دفتر الحسابات.
كانت تعرف أن الدعوة حين تصبح مشروع سلطة يمكن أن تفقد قدرتها على نقد السلطة.

في رواية عند وادي القديسين، وجدوا مسجدًا مهجورًا لا إمام له، لكن الجدران كانت مليئة بعبارات متناقضة.
على الجدار الأول: «لا إكراه في الدين».
وعلى الثاني: «قاتلوا».
وعلى الثالث: «ارحموا».
وعلى الرابع: «احذروا».
قال محرز: «القراءة تحتاج إلى سياق».
قالت فينوس: «والتاريخ يحتاج إلى أمانة».
قال أنس: «والدين يحتاج إلى ألا نضع في فمه ما لم يقل».
ثم بدأت العبارات تتساقط من الجدران، وبقيت الأسئلة.

في صباح آخر، دخلت مروة مطارًا لا يوجد في أي مدينة، وكان موظف الجوازات هو سيدنا أخنوش ابن الغولة.
قال لها: «إلى أين؟»
قالت: «إلى الحقيقة».
قال: «التذكرة؟»
قالت: «لا توجد».
قال: «إذن اذهبي إلى الخرافة».
قالت: «وأين الخرافة؟»
أجاب: «في المكان الذي يصدق فيه الناس القصة لأنها جميلة، لا لأنها صحيحة».
ثم ختم جوازها بختم على شكل عين.

كان سلواد ثروت يسأل في مقهى امتداد ناصر: «لماذا نحب القصص التي تخيفنا؟»
قال حسنين القصري: «لأن الخوف يجعل العالم مفهومًا».
قال كاريوكا العلال: «والحقيقة أكثر تعقيدًا».
قال شكوكو: «إذن نحن نفضل الكذبة المريحة».
قال درش: «أحيانًا».
ثم دخل عبد الناصر الحنش وقال: «لكن هناك كذبة لا تريح أحدًا؛ كذبة الحرب».
ساد الصمت.
وفي الخارج مرت سيارة إسعاف، فبدت المدينة للحظة كأنها تصغي إلى نفسها.

في نهاية القوس الأول، أو بدايته، جمع أنس البهلون وفينوس وليلى ومحرز ومحمود ومسيلمة حول طاولة واحدة.
وضعوا عليها الأوراق العشر: الجهل، التكفير، الفقر، الذكورية، الخرافة، الهوية، العنف، السياسة، التفاهة، وانهيار التفكير النقدي.
قالت فينوس: «ليست هذه أسبابًا منفردة».
قال محمود: «إنها دوائر تتغذى بعضها من بعض».
قال محرز: «كالخبز؛ الماء وحده لا يصنعه».
قال أنس: «والتطرف كذلك».
ثم أضاف: «لا يولد من نص واحد، ولا من مجتمع واحد، ولا من إنسان واحد؛ إنه أحيانًا نتيجة تراكمات تجد لحظة مناسبة لتشتعل».

وفي آخر مقطع، لم يكن هناك آخر.
كانت القضارف تعود إلى نفسها من جهة لم تعرفها الخرائط، وكانت الجزيرة تلمع تحت مطر بعيد، وكانت كسلا تستمع إلى جبالها، وكان البحر الأحمر يفتح صفحته القديمة ثم يغلقها.
مشى محمود المجناني في الطريق الحلزوني، وخلفه شفوت حي امتداد ناصر الستة، وكل واحد منهم يحمل سؤالًا بدل السلاح.
كانت مروة عائدة من نيويورك إلى الخرطوم، لكنها وصلت إلى ديم النور قبل أن تغادر الطائرة.
وكان محرز يخبز الرغيف، وفينوس تكتب، وليلى تحسب، وأنس يراجع، ومسيلمة يسأل، ودنجل يضرب الحديد.
وفي مكان بعيد كان شاب يوشك أن يصدق شائعة جديدة، فرفع رأسه وسأل لأول مرة: «من قال ذلك؟»
توقفت المدينة كلها لحظة، كأنها سمعت مفتاحًا يدور في قفل قديم.
ثم عاد الزمن إلى الوراء خطوة، لا ليعيد الماضي، بل ليمنح الإنسان فرصة أخرى كي لا يكرره.

 

 

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة