الفصل الخامس من رواية : معاظلات الطهطاوي
الفصل الخامس من رواية : معاظلات الطهطاوي
المجموعة الثانية من روايات الاعمال الكاملة للكاتب مصعب الرمادي : عن وادي القدسيين
عاد السيد مسرود عبد الحكم أقطاي، زوج السيدة الجليلة رابحة حنتوب مرجان، إلى ود مدني مع عائلته، لا كمن يعود إلى بيت، بل كمن يعود إلى جرحٍ تركه مفتوحًا ثم وجده قد تعلّم الكلام.
كان حي المنيرة واقفًا في مكانه، لكن المكان نفسه بدا كأنه هُزم في معركة لم يعرف أحد أين بدأت ولا أين انتهت.
الحصاحيصا كانت وراء الزجاج المكسور في عينيه، ورفاعة تسعل في ذاكرته، والكاملين تمشي بعكاز من غبار، والمسعودية تحمل على ظهرها أسماء الذين لم يعودوا.
الهلالية وأبي عشر وتمبول وود راوة وود النورة والشريف يعقوب والمسيد لم تكن عنده أسماءً على خريطة، بل شظايا تتدافع داخل جملة واحدة.
قالت رابحة: «عدنا»، فرد عليها مسرود: «نحن لم نعد، الذي عاد هو السؤال».
وفي تلك اللحظة ظهرت معاظلات الطهطاوي عند باب البيت، ستة رجال بوجوه مختلفة ووجه واحد، يتجادلون حول معنى العودة حتى بدا الباب نفسه مترددًا في فتح مصراعيه.
كانوا يقولون إن المدينة لا تستقبل أبناءها إلا بعد أن تفتشهم عن ذاكرتهم، وكان مسرود يعرف أن التفتيش الحقيقي سيبدأ داخل الروح.
في الصباح خرج قطمير منقوش إلى الشارع يحمل كرسيًا مكسورًا ويعامله كأنه منبر جمهوري، ثم نصبه أمام دكان مغلق وبدأ يسأل الناس عن الأشياء التي مُنعوا من السؤال عنها.
اقترب منه قطز شاه التبريزي، ولم يسلّم عليه، بل قال: «كم عدد الكلمات التي ماتت هنا؟»
ضحك قطمير وقال: «أقل من عدد الذين صاروا يخافون من استعمالها».
كان صراعهما قديمًا: قطمير يريد الكلام حتى لو كسر الباب، وقطز يريد الوصول إلى الصمت الذي تخفيه الأبواب بعد كسرها.
وحين مرّ مسرود بينهما، أوقفه قطز وأمسكه من كتفه: «أنت عائد من أين؟ من المكان أم من الرواية التي كتبها الخوف عن المكان؟»
لم يجب مسرود، لأن السؤال انغرس فيه مثل مسمار صدئ، بينما راحت معاظلات الطهطاوي في الخلفية تتشاجر حول ما إذا كان السؤال نفسه يحتاج إلى إذن.
ومنذ ذلك الصباح صار الشارع مسرحًا لصراع لا يعرف المتفرج فيه أين تنتهي الحكاية وأين يبدأ الاتهام.
كانت ست الجيل الزنكلوني تدير مكتب مراسلات صغيرًا في بيتها، وقد علّقت على الحائط خريطة للجزيرة لا تشبه أي خريطة أخرى.
كانت تصلها الرسائل من خولة العيثمي، ومن عبير ميرغني جادة أبي الريش، ومن مكارم بشير ود الجنة، ومن عدن باسطرمة الكواكبي، وكل رسالة تفتح نافذة ثم تغلق نافذة أخرى.
خولة كانت تصر على أن ما جرى يجب أن يُروى بأسماء أصحابه، بينما كانت عبير تخاف أن تتحول الأسماء إلى قبور جديدة.
مكارم كانت تبحث عن الخيط الاقتصادي الذي سبق الخراب، وعدن كانت تسأل السؤال الأكثر إزعاجًا: من الذي يستفيد حين يصبح المجتمع عاجزًا عن تذكر نفسه؟
ست الجيل جمعت الرسائل في ملف واحد، ثم مزقتها نصفين، لأنها اكتشفت أن الحقيقة نفسها كانت تنقسم قبل أن تصل إلى القارئ.
دخل مسرود المكتب فوجد أربع نساء يتجادلن حول ورقة واحدة، وكل واحدة ترى فيها مدينة مختلفة.
عندها قالت ست الجيل: «هذه ليست مراسلات، يا مسرود؛ هذه محكمة لا قاضٍ لها، وكل منا متهمة وشاهدة في الوقت نفسه».
أما مملوك الشنكوتي فقد اختار أن يحاكم المدينة بالطريقة التي يحاكم بها السجين سجّانه، فأخذ يطرق أبواب المؤسسات واحدًا واحدًا ويسأل عن الملفات التي اختفت.
كان عمورية الكخندار يطارده محاولًا إقناعه بأن الملفات لا تختفي، بل تتعلم الاختباء حين تخاف من أصحابها.
كان الصراع بينهما يتحول كل يوم إلى مطاردة ساخرة: مملوك يبحث عن الورقة، وعمورية يبحث عن اليد التي أخفت الورقة.
وفي المساء كان قمبور الأشرمي يجلس بينهما ويعرض صفقة غريبة: أن يعيد كل واحد للآخر شيئًا من ذاكرته مقابل أن يتوقفا عن اتهام بعضهما.
لكن مملوك رفض، وقال إن الذاكرة ليست عملة.
فرد قمبور: «كل شيء يصبح عملة حين يجوع الناس».
وكانت معاظلات الطهطاوي تسجل الواقعة على جدار قريب، ثم تختلف حول السؤال الأخطر: هل الجوع يبرر السرقة، أم أن السرقة هي التي تجعل الجوع أكثر قسوة؟
ظهر أوريّاط التفكنجي في السوق وهو يحمل ميزانًا بلا كفتين، ويطلب من التجار أن يزنوا به خسائرهم.
سخر منه سيف الدين الملثم وقال إن الميزان بلا كفتين أكثر صدقًا من ميزان الحرب، لأن الكفتين كانتا دائمًا منحازتين.
تدخل سيف الدولة التغلبي فحوّل النقاش إلى مبارزة كلامية، واتهم الاثنين بأنهما يهربان من السؤال إلى البلاغة.
اشتعل الخلاف، لا بالسيوف، بل بالجمل؛ وكل جملة كانت تصيب تاريخًا كاملًا في موضع حساس.
مسرود وقف بينهم، فرأى السوق يتحول إلى خريطة سياسية مصغرة، كل متجر فيها جمهورية، وكل بائع فيها مؤرخ، وكل مشترٍ فيها لاجئ من ذاكرته.
ثم انقلب الميزان في يد أوريّاط وسقطت كفتاه الوهميتان، فضحك الجميع للمرة الأولى منذ عودتهم.
لكن الضحكة سرعان ما ماتت حين قال سيف الدولة: «حتى الضحك هنا يحتاج إلى شاهد».
كان عصام بانقا قد عاد من أطراف المدينة وهو يحمل بابًا خشبيًا محترقًا، وقال إنه وجده واقفًا وحده في مكان لم يبق فيه بيت.
إبراهيم كبوشيه لم يصدقه، واتهمه بأنه يصنع الرموز من الخشب حتى لا يواجه حقيقة الرماد.
نشب بينهما صراع حاد، دفع فيه عصام الباب إلى صدر إبراهيم، لا ليؤذيه، بل ليجبره على رؤية ما خلفه.
خلف الباب لم يكن هناك شيء سوى جدار أسود وعصفورة ميتة وقطعة قماش معلقة في الهواء.
قال إبراهيم: «هذا مسرحك، لا تاريخنا».
أجابه عصام: «وأنت تريد تاريخًا بلا مسرح لأنك تخاف أن ترى نفسك ممثلًا فيه».
وصل مسرود متأخرًا، فوجد الاثنين واقفين أمام الباب كأنهما يتيمان يتشاجران حول أب لم يعرفه أحد.
أما معاظلات الطهطاوي فجلست على الرصيف وقالت: «حين يحترق البيت، يبدأ الناس في الاختلاف حول معنى السقف».
دخل ظاظا السكندراني إلى الحكاية من باب السخرية، لكنه لم يكن ساخرًا كما ظنه الناس؛ كان يخفي خوفه داخل النكتة مثلما يخفي الفقير آخر نقوده في جوربه.
اصطدم برمزي العبيدي من شفوت الكلالكة الستة، لأن رمزي أراد أن يتحدث عن الحرب بلغة صارمة، بينما أصر ظاظا على أن المأساة التي لا تسمح بالضحك تتحول إلى صنم.
قال رمزي إن الضحك في زمن الخراب خيانة للضحايا، فرد ظاظا بأن منع الضحك خيانة للأحياء.
ارتفعت الأصوات، وتجمع الناس حولهما، وصار الخلاف محاكمة علنية للضحك نفسه.
مرّت رابحة حنتوب مرجان فسمعتهما، فقالت: «ليس كل ضحك فرحًا، وليس كل صمت احترامًا».
ساد الصمت بعد عبارتها، حتى ظن الجميع أن المعركة انتهت.
لكن ظاظا أخرج من جيبه صفارة صغيرة ونفخ فيها، فعاد الشارع إلى الفوضى، كأن المدينة نفسها رفضت أن تمنحهم خاتمة سهلة.
كان الأستاذ رابح حنتوب مرجان في مبنى المجلس الأعلى للثقافة والفنون، يفتح الملفات التي تراكمت فوق مكتبه حتى صار المكتب يبدو كجزيرة محاصرة بالورق.
زادت الحرب أعباءه الوظيفية، وكل ملف يحمل معه عائلة، وكل طلب يحمل معه مدينة، وكل توقيع يبدو كأنه مسؤولية عن مستقبل شخص لا يعرفه.
دخل عليه أحد الموظفين وقال إن رابحة اتصلت به من المنزل، ثم دخل آخر يطلب توقيعًا عاجلًا، ثم ثالث يحمل قائمة بأسماء النازحين.
ضرب رابح يده على المكتب وقال: «كيف أصنع ثقافة في بلد يطلب مني أولًا أن أصنع له غرفة آمنة؟»
لم يجبه أحد، لأن السؤال خرج من حدود الوظيفة إلى حدود الوجود.
حين عاد إلى البيت، وجد مسرود جالسًا مع رابحة، فوجد في وجه أخته شيئًا من التعب الذي لم تستطع أن تشرحه.
قال رابح لمسرود: «المثقف لا يستطيع أن يوقف الحرب بكتاب، لكنه يستطيع أن يمنع الحرب من احتكار تعريف الإنسان».
في تلك الليلة انفجرت معاظلات الطهطاوي في غرفة الجلوس، ولم يعد أصحابها مجرد شخصيات، بل صار كل واحد منهم احتمالًا فلسفيًا لمصير المدينة.
قال الأول إن السلطة تبدأ حين يخاف الناس من بعضهم، وقال الثاني إن الخوف لا يكفي ما لم يجد من ينظمه.
قال الثالث إن المجتمع المتماسك قد يكون مجرد قناع فوق صراعات قديمة، وقال الرابع إن انهيار القناع لا يعني أن الوجه صار حرًا.
قال الخامس إن الحرب لم تصنع كل الشقوق، وإنما كشفت شقوقًا كانت موجودة تحت البلاط، وقال السادس إن هذا الكلام نفسه قد يتحول إلى ذريعة لتبرئة من أشعل النار.
تدخل مسرود وقال إن الحقيقة ليست غرفة واحدة لها مفتاح، بل ممر طويل تتغير أبوابه كلما اقتربنا من نهايته.
ضحكت رابحة وقالت: «أخيرًا تكلمت مثل رجل عاد فعلًا».
لكن معاظلات الطهطاوي صرخت في وقت واحد: «بل تكلمت مثل رجل لم يعد بعد».
في الخارج كانت المدينة تستعيد أصواتها ببطء، لكن أصواتها لم تعد متفقة على النغمة نفسها.
الحصاحيصا كانت تصل في الحكايات على هيئة امرأة تحمل مفتاحًا، ورفاعة تظهر كشيخ فقد اتجاه القبلة، والكاملين كطفل يسأل عن أبيه دون أن يعرف اسمه.
تمبول كانت تدخل المجلس كل مساء في هيئة بائع ملح، وود النورة تظهر في صمت امرأة لا تريد أن تشرح شيئًا.
أما المسيد والشريف يعقوب وأبي عشر والهلالية والمسعودية فكانوا يجيئون كضيوف لا يجلسون طويلًا، يضعون أوجاعهم على الطاولة ثم يغادرون قبل أن يسألهم أحد عن التفاصيل.
كان مسرود يسمع كل ذلك ولا يعرف هل المدينة تتذكر أم تهذي.
قال قطز شاه إن الهذيان أحيانًا آخر طريقة للذاكرة كي تنجو.
فرد قطمير: «والنسيان أول طريقة للخوف كي ينتصر».
ذات فجر، خرج مملوك الشنكوتي يبحث عن مسرود، فوجده قرب النيل يحدق في الماء.
قال له إن شخصًا مجهولًا ترك رسالة تتهم الجميع، فرد مسرود بأن الرسالة التي تتهم الجميع غالبًا تخفي متهمًا واحدًا.
ظهر عمورية الكخندار من خلف شجرة، واتهم مملوك بأنه هو صاحب الرسالة، فاندفع مملوك نحوه.
قبل أن يتحول الاشتباك إلى عراك، ظهر سيف الدين الملثم وألقى الرسالة في الماء.
صرخ مملوك: «لماذا فعلت ذلك؟»
قال سيف الدين: «لأنكم تتقاتلون على الورقة، بينما الجريمة التي فيها أكبر من الورقة».
وعندما نظروا إلى الماء، كانت الرسالة تطفو للحظات ثم تغيب، بينما ظلت الكلمات في رؤوسهم، كأن الورق كان أقل قدرة على النجاة من الذاكرة.
في اليوم التالي أقامت ست الجيل مجلسًا علنيًا في الحي، ودعت إليه بنات الجزيرة، وحضرته خولة وعبير ومكارم وعدن، وجلس رجال معاظلات الطهطاوي في الصف الأول كأنهم لجنة تحقيق جاءت للتحقيق مع نفسها.
قالت خولة إن المجتمع لا يستطيع أن يعيد بناء نفسه إذا خاف من تسمية ما حدث.
قالت عبير إن تسمية الجرح لا تعني امتلاك الحقيقة كلها.
قالت مكارم إن الاقتصاد حين ينهار يتحول إلى سياسة في السوق، والسياسة حين تنهار تتحول إلى عنف في الشارع.
أما عدن فقالت إن كل تفسير يترك الإنسان خارج الصورة هو تفسير ناقص.
احتدم النقاش، وانقسم الحضور إلى دوائر صغيرة، كل دائرة تتحدث عن جزء من الكارثة وتظن أنه الكل.
عندها وقفت رابحة وقالت: «ربما ليست المشكلة أننا لا نعرف الحقيقة، بل أننا نريد حقيقة واحدة تكفينا عن تحمل تعقيد الحقيقة».
لم يصفق أحد، لأن الجملة كانت أثقل من التصفيق.
وصل الخبر إلى رابح حنتوب مرجان في المجلس الأعلى للثقافة والفنون، فترك الملفات للحظة وكتب على ورقة صغيرة: «الثقافة بعد الحرب ليست زينة، إنها إعادة تركيب للمعنى».
لكن الموظف الذي أخذ الورقة لم يفهمها، فسأل: «هل نحولها إلى قرار؟»
ابتسم رابح ابتسامة متعبة وقال: «إذا حولنا كل فكرة إلى قرار فقدنا قدرتها على التفكير».
في تلك اللحظة دخلت رابحة عليه، وكان بينهما ذلك الصمت القديم الذي لا يحتاج إلى شرح.
قالت له إن مسرود عاد، وإن البيت صار ممتلئًا بالغرباء الذين يعرفون بعضهم أكثر مما يعرفون أنفسهم.
قال رابح: «هذا ليس بيتًا إذن، هذه مدينة صغيرة».
قالت: «بل هذه هي ود مدني كلها».
وخارج النافذة كان دخان بعيد يتلاشى، بينما كانت المدينة تحاول أن تتذكر شكل سمائها.
وفي المساء اجتمع الجميع في حي المنيرة: مسرود، رابحة، قطمير، قطز، ست الجيل، مملوك، عمورية، قمبور، أوريّاط، سيف الدين، سيف الدولة، عصام، إبراهيم، ظاظا، رمزي، وبنات الجزيرة.
لم يجلسوا حول مائدة واحدة؛ كانت المسافات بينهم جزءًا من المشهد، وكل مسافة تحمل خصومة لا تزال تبحث عن لغة.
بدأت معاظلات الطهطاوي من جديد، لكن هذه المرة لم يتفق رجالها على شيء، حتى في تعريف كلمة «عودة».
قال أحدهم إن العودة جغرافيا، وقال آخر إنها اعتراف، وثالث إنها استعادة للكرامة، ورابع إنها وهم يصنعه الحنين.
مسرود ظل صامتًا، ثم نهض وقال: «أنا لم أعد لأجد المدينة كما كانت؛ عدت لأرى ماذا فعلت بها الأيام، وماذا فعلت هي بنا».
رابحة نظرت إليه طويلًا، وكأنها تريد أن تسأله إن كان مستعدًا لما سيكتشفه.
فقالت فقط: «إذن افتح الباب».
فتح الباب، فلم يكن وراءه الشارع وحده، بل كل الأماكن التي مرت في الحكاية دفعة واحدة.
رأى مسرود ود مدني، ورأى معها الحصاحيصا ورفاعة والكاملين والمسعودية والهلالية وأبي عشر وتمبول وود راوة وود النورة والشريف يعقوب والمسيد، لا كأطراف منفصلة بل كأجزاء من جرح واحد متعدد الأصوات.
رأى قطمير يصرخ في وجه الخوف، وقطز يفاوض الصمت، وست الجيل تجمع الرسائل، ومملوك يطارد الورقة، وعمورية يطارد اليد، وقمبور يساوم الذاكرة.
رأى أوريّاط يحمل ميزانه المكسور، وسيف الدين يمحو رسالة من الماء، وسيف الدولة يخاصم البلاغة، وعصام يحمل الباب المحترق، وإبراهيم يرفض أن يسمي الرماد تاريخًا.
ورأى ظاظا يضحك كي لا ينهار، ورمزي يمنع الضحك كي لا تضيع المأساة، وبنات الجزيرة يكتبن من خلف الشاشات كأن الشبكة العنكبوتية صارت مدينة أخرى للمنفى.
ثم رأى رابح حنتوب مرجان عائدًا من المجلس الأعلى للثقافة والفنون يحمل ملفات لا تنتهي، ورأى رابحة واقفة عند العتبة كأنها الحارسة الأخيرة للبيت.
عندها فهم أن مسرود عبد الحكم أقطاي لم يعد إلى ود مدني وحدها؛ لقد عاد إلى مجتمع فقد تماسكه، لكي يعيش داخله الصراع لا لكي يحسمه، ولكي تبدأ الحكاية من جديد، في زمن حلزوني لا يعيد الماضي كما كان، بل يعيده وهو يحمل وجهًا آخر من وجه المستقبل.
***
عاد مسرود عبد الحكم أقطاي إلى حي المنيرة، لكنه لم يعد كما خرج منه، ولم يكن البيت هو البيت الذي تركه، ولا الرجل الذي وقف عند بابه هو الرجل الذي كان يسكنه.
جلس وحيدًا فوق قطعة خشب نجت من غرفة الجلوس، وأخذ يتحسس بيده شقًا أسود في الجدار، كأنه يبحث عن عصب مقطوع في جسد المدينة.
كان الخراب حوله صامتًا، لكن الصمت لم يكن فراغًا؛ كان مزدحمًا بأصوات ربيع عبد الرازق المريود، وأسامة النفيدي، وندى إلياس أبي شبكة، وراويجان القندهاري، وإياد البغدادي، وأبي مؤيد البغدادي، ومهيد البليك، وعواد المليك.
تذكر ربيع الذي فر بجلده وعائلته وزوجته الكونغولية الجميلة إلى كينشاسا، فتخيل الطائرة وهي تعبر فوق البلاد كسمكة معدنية تحمل معها رجلًا لا يعرف هل هرب من الموت أم من نفسه.
ثم تذكر المستثمرين فيصل الباقر الدوسري وفهد الكبيسي، وما صار إليه الاستثمار حين صارت الأرض نفسها عاجزة عن تقديم وعد واضح بالغد، فتداخلت عنده المزرعة بالمصنع بالسوق بالخوف.
رفع رأسه وقال للبيت: «كل شيء غادر، إلا ما لا أستطيع طرده من رأسي».
وفي اللحظة التي قال فيها ذلك، سمع طرقًا ثلاثيًا على الباب؛ وحين فتحه لم يجد أحدًا، بل وجد حذاءً موحلًا يتجه وحده نحو الشارع، كأن شخصًا مجهولًا كان قد خرج من ذاكرته قبل لحظات.
كان الحذاء يقود إلى قصة ربيع عبد الرازق المريود، المهندس الزراعي الذي صار بعد الحرب خبيرًا في النجاة بدل أن يكون خبيرًا في الزراعة.
في كينشاسا كان يستيقظ كل فجر قبل زوجته، يفتح النافذة، ويتخيل أن الأشجار الإفريقية امتداد لحقول الجزيرة، ثم يغلقها سريعًا عندما يدرك أنه كذب على نفسه.
كانت زوجته الكونغولية تراقبه من السرير وتعرف أن الرجل الذي أمامها لا يزال يعيش في بلد آخر، حتى وهو واقف في مطبخ بيتها.
في أحد الأيام فتحت حقيبته فوجدت حفنة تراب ملفوفة في منديل، فسألته عنها، فقال إنها من الأرض التي تركها.
أخذت التراب ووضعته في أصيص صغير وزرعت فيه بذرة غريبة جاءت بها من الكونغو.
صرخ ربيع في وجهها، لأن الأرض عنده لم تكن تحتمل خلطًا كهذا.
قالت له: «أنت هربت من الأرض، وأنا أحاول أن أجعل الأرض تهرب معك».
ومنذ ذلك اليوم صار الأصيص الصغير مسرح حرب بينهما؛ هو يريد أن تنبت فيه الجزيرة، وهي تريد أن تثبت له أن الإنسان لا ينجو إلا إذا قبل بأن يحمل أكثر من وطن داخل جسده.
كان مسرود يتابع القصة في نومه، وكلما حاول أن يقترب من ربيع وجد نفسه في مطار كينشاسا.
كان ربيع يركض خلف حقيبة سوداء، وزوجته تركض خلفه، والمطار يتحول فجأة إلى سوق في ود مدني، ثم إلى حقل ذرة، ثم إلى ممر مستشفى، ثم إلى مكتب استثمار.
ظهر فيصل الباقر الدوسري عند بوابة السفر، يحمل ملفًا عن مشروع لم يكتمل، بينما كان فهد الكبيسي يقف في الطرف الآخر من الصالة وهو يمزق خريطة الجزيرة والقضارف إلى مربعات صغيرة.
قال فيصل: «الأرض تحتاج إلى أمان».
قال فهد: «والأمان يحتاج إلى دولة».
ظهر عواد المليك من بين المسافرين وقال: «والدولة تحتاج إلى سوق يصدقها».
ضحك مهيد البليك من خلفه: «والسوق يحتاج إلى إنسان لا يخاف من الغد».
عندها فهم مسرود أن كل شخصية في الحكاية ليست مستقلة، بل عقدة في حبل واحد؛ إذا شد أحدهم الحبل تحرك الآخرون، وإذا انقطع عند طرف سقط الجميع.
ظهر أسامة النفيدي بعد ذلك، وفي يده دفتر أزرق، لكنه هذه المرة لم يكن يكتب ما حدث، بل ما كان يمكن أن يحدث لو لم تقع الحرب.
كان يكتب مدينة بديلة، مدينة لم تهرب منها العائلات، ولم تتوقف فيها المصانع، ولم تصبح الطرق خرائط للخوف.
ندى إلياس أبي شبكة كانت تقف خلفه وتمزق الصفحات واحدة بعد أخرى.
صرخ أسامة: «لماذا تفعلين ذلك؟»
قالت: «لأنك تصنع وطنًا من الورق كي لا تنظر إلى الوطن الذي انهار».
تشاجرا، ثم تحولت الصفحات الممزقة إلى طيور بيضاء طارت من النافذة، لكن أحدها سقط عند قدمي مسرود يحمل في منقاره قطعة من خريطة.
قرأ مسرود الاسم المكتوب عليها: «المفرح».
لم يعرف لماذا ارتجف.
فقط أحس أن هناك مكانًا وراء هذا الاسم تنتهي عنده الجزيرة، وتبدأ منطقة لا تستطيع الخرائط العادية الدخول إليها.
سار مسرود نحو المفرح في الحلم، وكان الطريق ينسحب من تحته كلما تقدم.
بعد آخر بيت بدأت الأشياء تفقد أسماءها: شجرة بلا اسم، حجر بلا تاريخ، ماء بلا مجرى، ورجل بلا وجه.
ظهر راويجان القندهاري وقال له إن الحدود الحقيقية ليست بين الولايات، بل بين ما يستطيع الإنسان تصديقه وما يعجز عن تصديقه.
ثم أشار إلى الأمام، فظهر وادٍ طويل تحيط به جبال زرقاء لا يعرفها في السودان ولا في أي مكان آخر.
كان هناك دخان يرتفع من الماء، وطيور سوداء تحلق بلا أجنحة، وأصوات بشرية تأتي من تحت الأرض.
قال راويجان: «هنا يبدأ وادي القديسين».
سأله مسرود: «ومن أين جاء الاسم؟»
أجابه: «كل مكان يعجز الناس عن تفسيره يحتاج إلى قديسين أو مجانين أو مؤرخين».
ثم دفعه نحو الوادي واختفى، بينما بقي مسرود وحده أمام الماء.
عند مدخل الوادي وجد إياد البغدادي وأبا مؤيد البغدادي يتشاجران فوق صخرة تشبه منصة حكم.
كان إياد يقول إن السلطة التي تفقد المجتمع تفقد شرعيتها، وكان أبو مؤيد يقول إن المجتمع الذي يفقد السلطة يتحول إلى جماعات متناحرة.
لم يكن أي منهما ينتبه إلى أن الصخرة تحتهما بدأت تتحرك.
قال مسرود: «أنتم تتشاجرون على الدولة بينما الأرض نفسها تتحرك».
نظر الاثنان إلى أقدامهما، لكنهما واصلا الجدال.
وفجأة انشقت الصخرة وسقطت بينهما، فوجد كل واحد نفسه في جهة من الوادي.
صار إياد يرى مجتمعًا بلا دولة، بينما رأى أبو مؤيد دولة بلا مجتمع.
أما مسرود فظل في المنتصف، ورأى أن الاثنين ليسا عالمين منفصلين، بل صورتين لكارثة واحدة.
ظهر مهيد البليك من الماء وهو يحمل دفتر الحساب، لكن الأرقام كانت تتحرك على الصفحات مثل حشرات صغيرة.
كلما حاول الإمساك برقم هرب منه رقم آخر.
قال إن الزراعة والصناعة والتجارة لم تُدمّر فقط بالأضرار المباشرة، بل لأن الناس فقدوا القدرة على تخيل المستقبل الاقتصادي.
أخرج من جيبه فاتورة قديمة، فوجد فيها أسماء قرى ومدن ومصانع ومخازن، ثم بدأت الأسماء تتحول إلى أسماء أشخاص.
قال مهيد: «حين يتحول الاقتصاد إلى جوع، يصبح كل رقم له وجه».
كان مسرود يريد أن يسأله عن فيصل وفهد، لكنه وجد الرجلين واقفين خلف مهيد.
لم يتحدثا؛ كان كل واحد يحمل مفتاحًا.
قال مهيد: «أحدهما يفتح أبواب الاستثمار، والآخر يفتح أبواب الخوف، ولا أحد يعرف أي مفتاح سيبقى في يد الغد».
كان عواد المليك أول من وصل إلى السوق الغريب في الوادي.
لم يكن سوقًا للبضائع، بل سوقًا للثقة؛ رجل يبيع وعدًا، وامرأة تشتري سرًا، وطفل يساوم على ذاكرة أبيه، وشيخ يعرض تاريخ مدينة مقابل رغيف.
دخل عواد السوق، فطلب منه البائع أن يشتري كيلوغرامًا من المستقبل.
قال عواد: «كم ثمنه؟»
أجابه البائع: «يتوقف على من سيحكم غدًا».
ضحك عواد، ثم أمسك الرجل من ثوبه وقال: «لا تبيع للناس ما لا تملك».
فرد البائع: «وأنت؟ ألم تكن تبيعهم البضاعة اعتمادًا على أنهم سيعودون غدًا؟»
تركه عواد، لأنه أدرك أن الاتهام أصابه.
ومنذ ذلك الحين صار السوق يطارده، وكلما عاد إلى مدني رأى في وجه كل بائع نسخة من ذلك الرجل.
عند الغروب ظهر هدهود زول الله البهرزي، وكان يحمل فانوسًا لا يضيء إلا عندما يكذب أحد.
دخل به بين الشخصيات، فاشتعل الضوء في وجه راويجان، ثم في وجه إياد، ثم في وجه أبي مؤيد، ثم انطفأ فجأة عندما اقترب من مسرود.
قال هدهود: «أنت أخطرنا».
غضب مسرود: «لماذا؟»
قال: «لأن فانوسي لم يضئ عندك، وهذا يعني أنك لا تعرف حتى أين تكذب على نفسك».
كانت الجملة أقسى من الضوء.
جلس مسرود على الأرض، وشعر أن الحرب لم تسلبه بيتًا أو مدينة فقط، بل سلبته القدرة على معرفة أي جزء من ذاكرته حقيقي وأي جزء اخترعه كي يستطيع النوم.
ظهر شنبور جاد الله المعيلقي من خلف الفانوس، يحمل وثيقة طويلة بلا ختم.
قال إنها وثيقة تأسيس وادي القديسين، لكنها لم تكن تحمل اسم مؤسس ولا تاريخًا.
قرأ مسرود فيها عبارة واحدة: «حين تعجز السلطة عن حماية الحقيقة، تبدأ الحقيقة في صناعة سلطات بديلة».
قال شنبور إن الوادي لم يكن مقدسًا لأن نبيًا مر به، بل لأن كل جماعة جاءت إليه اعتقدت أنها تستطيع امتلاك معناه.
ثم مزق الوثيقة، وأعطى كل شخصية قطعة منها.
كانت قطعة مسرود تحمل كلمة «المواجهة».
قطعة ربيع تحمل «الهروب».
قطعة أسامة «الذاكرة».
قطعة ندى «المساءلة».
قطعة راويجان «السلطة».
قطعة إياد «المجتمع».
قطعة أبي مؤيد «الخوف».
قطعة مهيد «السوق».
وقطعة عواد «الثقة».
فهم مسرود أن الرواية كلها ليست سوى محاولة لجمع هذه الكلمات دون أن تقتل إحداها الأخرى.
ظهر حسكول عز الله العيدجي وهو يسحب عربة صغيرة مليئة بأبواب مكسورة.
قال إن كل باب يمثل بيتًا خرج منه أهله ولم يعودوا.
طلب من مسرود مساعدته في حملها، ففعلا.
كلما وضعا بابًا على الأرض انفتح وحده، وخرجت منه شخصية جديدة.
خرجت امرأة تحمل قدرًا، ورجل يحمل مفتاحًا، وطفل يحمل كتابًا، وشاب يحمل جهازًا مكسورًا، وشيخ يحمل صورة لا يظهر فيها وجه أحد.
قال حسكول: «هذه هي السياسة عندما تدخل البيوت».
سأل مسرود: «كيف؟»
قال: «لا تدخل بخطاب سياسي، تدخل في هيئة باب لا يغلق، وطعام ناقص، ونوم مقطوع، وطفل يسأل لماذا لم يعد أبوه».
أما زرقان ود دفع الله الصفيتاني فقد كان ينتظرهم عند جسر معلق فوق الوادي.
كان الجسر من الحبال، وكل حبل يحمل اسم مؤسسة: الشرطة، القضاء، السوق، الثقافة، الزراعة، الإدارة، التعليم، الإعلام.
قال زرقان إن أي دولة تستطيع أن تبدو قوية إذا أخفت هشاشة حبالها.
ثم قطع حبلًا واحدًا.
لم يسقط الجسر، لكنه بدأ يهتز.
قال: «هكذا تبدأ السلطة في الانهيار؛ ليس بسقوطها، بل بفقدان الناس ثقتهم بأنها لن تسقط».
اقترب مسرود منه وقال: «ولماذا تقطع الحبال؟»
أجاب: «كي ترى بنفسك أنك كنت تعبر فوقها وأنت تظنها صخرًا».
ثم أعطاه السكين.
رفض مسرود أخذها، لكنه ظل ينظر إليها طويلًا، لأنه عرف أن السكين ستعود إليه في وقت آخر.
جاء درواس أهل الله اللعوتي ومعه قطمير النيسابوري وقطز التبريزي.
كان الثلاثة يمثلون ثلاث طرق لفهم العالم: درواس يشك، قطمير يسخر، وقطز يفعل.
قال درواس إن المجتمع يحتاج إلى الشك كي لا يتحول إلى قطيع.
قال قطمير إن السخرية تحمي الإنسان من عبادة السلطة.
قال قطز إن الشك والسخرية لا يكفيان إذا لم يتحولا إلى فعل.
اشتد الجدال، ثم تحول إلى عراك حقيقي عندما حاول قطز انتزاع السكين من يد زرقان.
أمسكه مسرود، فدفعه قطز بقوة.
سقط مسرود، ونهض وهو غاضب، وضرب قطز لأول مرة.
ساد الوادي صمت مفاجئ.
لم يكن أحد مصدومًا من الضربة بقدر صدمته من اكتشاف أن مسرود نفسه بدأ يتحول إلى أحد الذين يخافهم.
دخل بارجغل الهافي ومشكوم التازي ومنقور الحاتي إلى المشهد بعد العراك، يحملون صندوقًا خشبيًا.
قال بارجغل إن الصندوق يحتوي على «الحكاية الأصلية».
ضحك مشكوم وقال إنه لا توجد حكاية أصلية، فكل حكاية تبدأ بعد أن يختار شخص ما ماذا يحذف منها.
أما منقور فحفر في الصندوق ثقبًا ونظر داخله.
قال: «فارغ».
احتج بارجغل، لكن منقور قال إن الفراغ هو أكثر الأشياء امتلاءً عندما يتعلق الأمر بالسلطة.
اقترب مسرود، فنظر في الصندوق، فرأى نفسه طفلًا في حي المنيرة، ثم رأى نفسه رجلًا عائدًا من الحرب، ثم رأى نفسه واقفًا أمام الوادي.
قال مشكوم: «هذه ليست حكايتك».
قال مسرود: «إذن لمن هي؟»
أجاب: «لكل شخص سرق منها جزءًا».
ظهرت راوية الطمباري وسمي جدو وحسنية النعيمية الهاتي، وكان حضورهن مثل انفتاح باب شعبي داخل عالم الرجال المتخاصمين.
راوية كانت تحمل دفترًا، سمي جدو تحمل مفتاحًا، وحسنية تحمل كيسًا من القمح.
قالت راوية إن الرجال ظلوا يتحدثون عن الدولة حتى نسوا النساء اللواتي يحملن آثار الدولة في أجسادهن اليومية.
قالت سمي جدو إن المفتاح الذي تحمله ليس مفتاح بيت، بل مفتاح باب لم تعد تعرف أين يوجد.
أما حسنية فوضعت القمح أمام الجميع وقالت: «كل هذه الفلسفة لا تطعم طفلًا».
ساد الصمت.
ثم بدأت الشخصيات تتنازع القمح، فتدخلت راوية وصاحت: «ها أنتم تعيدون الحرب في أول حفنة».
ترك الجميع القمح، وبقيت الحبوب على الأرض مثل نجوم صغيرة سقطت من سماء لا تعرف كيف تعود إلى مكانها.
دخل ناجي المقدسي وأبو قراط أبي نعيم القوصي، وكان ناجي يحمل خريطة للقدس، بينما يحمل أبو قراط أدوات تشبه أدوات طبيب قديم.
قال ناجي إن وادي القديسين ليس مكانًا واحدًا، وإن كل مدينة محاصرة تصنع قدسها الخاصة.
أما أبو قراط فراح يفحص نبض مسرود.
قال: «أنت حي، لكنك تتصرف كمن ينتظر تشريح نفسه».
ضحك مسرود.
قال الطبيب: «ضحكتك متأخرة».
ثم وضع أذنه على صدره وقال إن القلب لا يخاف من الحرب، بل من أن تصبح الحرب تفسيرًا لكل شيء.
عندها أدرك مسرود أن أعطابه لم تعد مجرد ذكريات مؤلمة؛ صارت طريقة تفكير، وأن أخطر ما يفعله الخراب هو تحويل نفسه إلى عقل داخل الإنسان.
كان زنطريت الحكاوتي آخر من وصل، راكبًا حمارًا أبيض له عينان مختلفتان.
قال إن الحمار يعرف الطريق إلى طوى، لكن لا يعرف أي طوى يقصد الناس.
ضحك الجميع، إلا مسرود.
سأل زنطريت: «أين نحن؟»
قال: «في اللحظة التي يصبح فيها التاريخ حلمًا، والحلم تاريخًا».
ثم ضرب الحمار برفق، فتحرك الحيوان نحو جبل بعيد.
بدأت الأرض تتغير، وظهرت أمامهم شجرة وحيدة، ثم نار لا تحرق، ثم طريق يؤدي إلى وادٍ أضيق من أن يمر فيه جيش وأوسع من أن يمر فيه إنسان واحد دون أن يتغير.
قال درواس: «هنا يبدأ الاختبار».
فقال قطز: «بل هنا يبدأ الفعل».
أما مسرود فلم يقل شيئًا.
عند طرف الوادي رأى مسرود المشهد الذي كان يبحث عنه دون أن يعرفه: جبل، ونار، وطريق، ومدينة بعيدة، وظل سلطة يقف خلف كل شيء.
لم يكن المشهد إعادة حرفية لقصة موسى والفرعون، بل صار في مخيلته استعارة للعودة إلى مواجهة السلطة بعد أن يكتشف الإنسان أنه يحمل جزءًا منها في داخله.
قال مسرود: «ربما لا يكون الفرعون رجلًا واحدًا».
قال راويجان: «ولا المجتمع بريئًا بالكامل».
قالت ندى: «ولا الذاكرة محكمة عادلة».
قال ربيع: «ولا الأرض ملكًا لمن يظن أنه يملكها».
قال مهيد: «ولا السوق محايدًا».
قال عواد: «ولا الثقة شيئًا يمكن شراؤه».
وقال قطز: «إذن ماذا بقي؟»
أجاب مسرود: «بقي أن نواجه ما صنعناه في أنفسنا قبل أن نواجه من صنعه في الخارج».
عاد مسرود إلى بيته عند الفجر، لكن لم يعد البيت كما كان.
كانت الأبواب المكسورة قد عادت إلى أماكنها، والحائط المشقوق ظل مشقوقًا، لكن الشق صار بالنسبة إليه خريطة لا جرحًا فقط.
وضع حفنة تراب على النافذة، ووضع بجانبها ورقة كتب عليها أسماء ربيع، وأسامة، وندى، وراويجان، وإياد، وأبي مؤيد، ومهيد، وعواد، وفيصل، وفهد، ثم أضاف هدهود وشنبور وحسكول وزرقان ودرواس وبارجغل ومشكوم ومنقور ومنقول وراوية وسمي جدو وحسنية وناجي وأبا قراط وزنطريت وقطمير وقطز.
لم يكن يجمع الشخصيات؛ كان يجمع الشظايا التي صنعت طريقه إلى الوادي.
ثم كتب تحت الأسماء: «لم يحدث شيء منفردًا».
وحين انتهى، سمع طرقًا على الباب.
فتح فلم يجد أحدًا، لكن أمام العتبة كان هناك مفتاح مبلل بالطين، وعلى رأسه ورقة صغيرة تقول: «المفرح انتهى؛ الآن تبدأ معاظلات الطهطاوي».
وفي اللحظة التي أمسك فيها مسرود بالمفتاح، تغير الزمن مرة أخرى.
لم يعد يعرف هل هو في ود مدني، أم في المفرح، أم عند وادي القديسين، أم عند طوى، أم في غرفة مهجورة داخل رأسه.
سمع أصوات الجميع تتداخل: ربيع يطالب بالأرض، زوجته تطالب بالاعتراف بالغربة، أسامة يكتب، ندى تمزق، راويجان يحذر، إياد يجادل، أبو مؤيد يخاف، مهيد يحسب، عواد يساوم، فيصل يبحث عن الاستقرار، فهد يبحث عن الطريق، هدهود يكشف الأكاذيب، شنبور يبعثر الوثائق، حسكول يحمل الأبواب، زرقان يقطع الحبال، درواس يشك، قطمير يسخر، قطز يطالب بالفعل.
وكان مسرود في المركز، لا بوصفه بطلًا منتصرًا، بل بوصفه الرجل الذي اكتشف أن عليه أن يعيش وسط كل هذه الأصوات دون أن يسمح لأي صوت منها بأن يصبح إلهًا.
فتح الباب مرة أخرى، فوجد وادي القديسين أمامه، لكن الوادي هذه المرة لم يكن في الخارج.
كان في صدره.
ومن هناك بدأت الرواية الثالثة فعلًا: معاظلات الطهطاوي؛ لا بوصفها معاظلة كلامية، وإنما بوصفها صراعًا مفتوحًا بين مجتمع يريد أن يولد، وسلطة تخاف أن تفقد صورتها، وذاكرة ترفض أن تُدفن، وإنسان يحاول أن يستعيد نفسه من بين أنقاض العالم.
***
كان النيل يركض تحت كوبري حنتوب، لكنه لم يكن يعرف إلى أين يذهب، وكانت السيارة تعرف أنها ذاهبة إلى الخرطوم، مع أن الخرطوم كانت قد غادرت السيارة قبل أن تصل إليها.
فتح خطاب علي بابا حبيب الله البابلي النافذة، فدخل النهر إلالسيارة، لا ماءً، بل رائحة طين قديم، وصوت مجداف مكسور، ووجوه رجال لم يعرف إن كانوا أحياء أم أنهم ظلوا عالقين في الماء منذ زمن لا تقيسه الساعات.
قال للنيل: هل كانوا هنا حقاً؟
لم يقصد الجنجويد وحدهم، بل كل ما يجعل المدينة تستيقظ ذات صباح فلا تجد صورتها في المرآة.
هل مرّوا من حي المدنيين، بانت، الزمالك، حنتوب، ود أزرق، الدباغة، مكي، عووضة، التضامن، الواحة، الفردوس، الرياض، حي الجامعة، ومحيط جامعة الجزيرة؟
هل دخلوا الامتدادات الجنوبية والشرقية والغربية كما يدخل الدخان من شق صغير في باب مغلق؟
أم أن الحرب، مثل النيل، لا تدخل من مكان واحد، وإنما تجد دائماً ضفةً مستعدة لاستقبالها؟
وحين سأل مرة ثانية، كان الكوبري قد صار أطول، والسيارة أصغر، والنهر يمر من داخل صدره لا من تحت العجلات.
لم يرَ خطاب المدينة من نافذة السيارة؛ رأى طبقاتها.
طبقة لبيوت لم تسقط، وطبقة لبيوت سقطت ولم يعترف أحد بسقوطها، وطبقة ثالثة لبيوت لم تُبنَ بعد لكنها كانت تسكن ذاكرة الأطفال.
كان الحي يخرج من الحي، والشارع يخرج من الشارع، والبيت يلد بيتاً في الجهة الأخرى من الزمن.
كلما عبرت السيارة اسماً من أسماء الأحياء، انفتح في رأسه باب.
المدنيين باب.
بانت باب.
الزمالك باب.
حنتوب باب.
ود أزرق باب.
وكان أخطر الأبواب ذلك الذي لم يكن له اسم.
عند الباب الأخير سمع خطاب صوتاً يقول: لا تسأل أين كانوا؛ اسأل ماذا فعل الخوف بعد أن غادروا.
التفت فلم يجد أحداً.
لكن المقعد الخلفي كان مبتلاً بماء النيل.
في الحقيبة كانت هناك خريطة للجزيرة،
وخريطة أخرى لا يعرف من رسمها،
وصورة للنيل وقد انعكس فيها كوبري حنتوب كأنه سلّم نازل إلى قاع العالم.
كان الخطاب يقلب الخرائط، فتتغير الأمكنة.
ود مدني تذهب إلى صوفيا.
صوفيا تظهر داخل ود أزرق.
الخرطوم تنبت في زغرب.
الدوحة تصبح محطة قطار في القضارف.
والقضارف، فجأة، تصير نافذة صغيرة في مقهى أوروبي.
أغلق الخريطة فسمعها تضحك.
قال لها: الخرائط لا تضحك.
قالت الخريطة: إلا حين يصدق الناس أنها تعرف الطريق.
ثم انطوت وحدها، وظهرت على ظهرها كلمة واحدة: المفرح.
في صوفيا كان رفاعة مكرم سيف النصر الوزير يجلس إلى لينا عكرمة عبد الرافع الطهطاوي.
كانت المدينة البلغارية تمطر خارج المقهى، لكن المطر كان ينزل في دفتر رفاعة على هيئة نخيل.
قالت لينا: الغربة تجعل الوطن أكبر.
قال رفاعة: بل تجعله أكثر قسوة.
قالت: لأنك تراه من بعيد.
قال: لأنك لا تستطيع لمس ما تراه.
ثم صمتا طويلاً، حتى صار الصمت ثالثاً يجلس بينهما ويطلب قهوة.
كانا يراجعان الجامعة، الوطن، أوروبا، المعرفة، فكرة العودة، وخوف العودة.
لكن الحديث كان يدور حول شيء آخر لا يريد أن يسمي نفسه: كيف يعود الإنسان إلى مكان غادره، إذا كان المكان نفسه قد غادره أيضاً؟
قال رفاعة إنهم في العالم الثالث استوردوا المعرفة كما يستوردون الأجهزة: صندوق مغلق، دليل استخدام بلغة أخرى، ثم دهشة حين لا يعمل الجهاز في بيت مختلف.
قالت لينا إن المعرفة لا تدخل البلدان من الموانئ وحدها، بل تدخل من الجروح.
قال رفاعة إن صدمة الحضارة جعلتهم يرون أنفسهم من الخارج.
قالت: وهذه هي المصيبة؛ من يرى نفسه من الخارج قد يكره ما كان يحبه، وقد يحب ما كان يجهله.
ثم وضعت إصبعها على الطاولة.
تحركت حبة سكر وحدها، ورسمت دائرة صغيرة.
قالت: هذه هي أوروبا في ذاكرتنا.
هز رفاعة رأسه.
قال: لا، هذه هي ذاكرتنا حين تحاول أن تصنع أوروبا من نفسها.
كانت تفاؤل عبد البديع الجمل تستعد للعودة إلى صوفيا مع مكرم سيف النصر الوزير.
كان الموعد بعد أسبوعين.
لكن الأسبوعين كانا في كل صباح يتحولان إلى شهر، وفي كل مساء يعودان إلى يوم واحد.
كان مكرم يحسب الوقت بالساعات الإلكترونية، بينما كانت تفاؤل تحسبه بأحوال القلب.
قال لها: سنصل في الموعد.
قالت: لا أحد يصل في الموعد إلى مدينة تغيّرت أثناء غيابه.
سألها: ماذا تخافين؟
قالت: أخاف أن يصل رفاعة قبلنا إلى نفسه.
لم يفهم.
وعندما فتح حقيبته وجد داخلها تراباً رطباً لا يعرف كيف دخل إليها.
في حي الميرغنية كان عكير البليناوي يطوي آخر قميص.
كانت أوديت أبي الفضل سناي تراقب يده لا القميص.
قالت: لا تطوِ الملابس هكذا، فالبيوت حين تتعرض للحرب لا تحتاج إلى ملابس مرتبة، تحتاج إلى أناس يعرفون كيف يفتحون النوافذ.
قال عكير: سنعود إلى أركويت.
قالت: إلى أركويت التي نعرفها أم إلى أركويت التي بقيت بعدنا؟
لم يجب.
كان الصندوق أمامهما يشبه تابوتاً صغيراً، لكنهما وضعا فيه مفاتيح وأكواباً وصوراً وأسماء جيران.
وفي القاع وضع عكير حجراً من فناء البيت القديم.
وحين أغلق الصندوق سمع الحجر يقول: لم تعودوا بعد.
كانت العنقاء البليناوي في قطر ترسم لابنها غابي خريطة السودان.
لم ترسم الحدود.
رسمت شجرة، وبيتاً، ونهراً، وملعباً، ومدرسة، وامرأة تشبه جدته.
سألها أدهم السلحدار: أين العاصمة؟
قالت: هنا.
وأشار إلى قلب الطفل.
قال أدهم إن الوطن يحتاج إلى مؤسسات، لا إلى رسوم.
قالت: والمؤسسات تحتاج إلى بشر حتى لا تصبح جدراناً تتقن إصدار الأوامر.
دخل غابي بينهما وقال: أريد وطناً له بابان.
سألاه: لماذا بابان؟
قال: لأنني لا أريد أن أخرج من أحدهما حتى أجد الآخر مغلقاً.
في زغرب كان عقاب البليناوي يتعلم الصمت بالسلافية.
كانت لوسيا بوغدان تراقب الحرب الروسية على أوكرانيا كما لو أنها تراقب عاصفة تتشكل في ذاكرة عائلتهما.
كانت تقول إن الحرب لا تسافر بالطائرات وحدها.
تسافر في الأخبار، وفي أسعار الخبز، وفي خوف الأطفال، وفي طريقة إغلاق الأبواب.
قال عقاب: نحن بعيدون.
قالت: البعد جغرافيا، وليس حصانة.
وفي تلك الليلة رأت في نومها كوبري حنتوب.
لم تكن تعرف أين يقع.
رأت خطاباً واقفاً عليه، والنيل تحت قدميه، وصوتاً يقول: أخبري عقاب أن السنوات الثلاث ليست ثلاث سنوات.
استيقظت.
كان عقاب واقفاً عند النافذة، وقد سمع الجملة نفسها.
أما راجا سكومكة مخلص سوكولكو الجبلاوي فكانت تعيش داخل ثلاثة أخبار في وقت واحد: الحرب الروسية على أوكرانيا، الصراع الأمريكي الإيراني حول مضيق هرمز، وحرب لا تظهر في نشرات الأخبار تدور داخل الإنسان حين يعجز عن تصديق العالم.
كانت تكتب أسماء الدول على قصاصات صغيرة.
كلما كتبت اسماً احترقت القصاصة دون نار.
وحين كتبت «السودان» لم تحترق.
كتبت «ود مدني» فلم تحترق.
كتبت «المفرح» فانطفأت الغرفة كلها.
ومن الظلام خرج صوت طفولي: هناك أماكن لا تُكتب، لأنها هي التي تكتبنا.
في فداسي الحليماب كان أكرم سيف النصر الوزير يدير الكافتريا والداخلية كمن يدير سفينة فوق أرض زراعية.
كل وجه يدخل يترك وراءه قصة، وكل قصة تترك وراءها كأساً، وكل كأس يصبح شاهداً.
كانت شهزاد تمر هندي تأتي بجهاز التسجيل.
تسأل عن الوطن، الحرب، الهجرة، الزراعة، التجارة، الجامعة، الخوف.
لكن أكرم كان يعرف أن بعض الناس يقولون الحقيقة فقط بعد أن يغلق جهاز التسجيل.
قال لها ذات مرة: الحكاية التي لا تصلح للبث هي التي قد تنقذ مدينة.
قالت: ولماذا؟
قال: لأن الحقيقة حين تصبح خبراً قد تفقد قدرتها على تغيير أحد.
ثم أعطاها ورقة كتب عليها: «ابدئي الرواية من المفرح».
كانت سيدة الفداسي تقول إن الجزيرة ليست أرضاً، بل ذاكرة للماء.
الترع تعرف أسماء المزارعين.
الحقول تعرف أقدام الهاربين.
والقمح يعرف عدد المرات التي خاف فيها الإنسان من الغد.
كانت تقول إن الحرب إذا ضربت الزراعة فإنها لا تضرب السنابل وحدها، بل تضرب علاقة الإنسان بالمستقبل.
وإذا ضربت الصناعة، فإنها تكسر يد المجتمع.
وإذا ضربت التجارة، فإنها تقطع شرايين الثقة.
لهذا كانت ود مدني في الحكاية مريضاً لا يظهر مرضه في جسده.
كانت تمشي، لكنها تمشي وهي تحمل مدينة أخرى داخلها.
في حي الدرجة كانت ناجية عبد الفضيل تروي لأحفادها عن ود مدني الكبرى.
لكنها لم تكن تحكي تاريخ البلدية، بل تاريخ التفاصيل التي لا تدخل عادة في الكتب.
قالت إن المدينة تبدأ حين يعرف البائع زبونه، والطبيب مريضه، والطفل طريق المدرسة، والجار صوت جاره.
قال حفيدها: ومتى تنتهي المدينة؟
قالت: حين يصبح الجار سؤالاً أمنياً.
ثم سكتت.
أخرجت مفتاحاً قديماً من ثوبها.
قالت: هذا ليس مفتاح بيت.
هذا مفتاح الزمن الذي كان البيت فيه بيتاً.
وصلت أنعام أبي عريف الهابي إلى مكتب فائزة الأمين عبد القادر أبي جلابية تحمل سبع رسائل.
كانت كل رسالة تبدأ من مدينة وتنتهي في مدينة أخرى.
واحدة من صوفيا، واحدة من زغرب، واحدة من الدوحة، واحدة من الخرطوم، واحدة من ود مدني، واحدة من القضارف، وواحدة بلا عنوان.
قالت فائزة: الرسالة بلا عنوان هي الأخطر.
قالت أنعام: لأنها تصل إلى الجميع.
دخلت زنجبيلة عبد البصير المر، وكانت تحمل مقصاً صغيراً.
قصت الرسائل السبع من منتصفها.
احتجت أنعام.
قالت زنجبيلة: كنت أبحث عن الجزء الذي لا يقوله الناس.
وعندما فتحت القصاصات ظهرت في كل واحدة كلمة واحدة: العودة.
في الأمانة العامة لاتحاد كتاب البحر الأحمر كانت الخرائط تتكاثر.
فائزة ترسم خطاً.
زنجبيلة تمحوه.
أنعام تعيد رسمه من الذاكرة.
تسنيم مختار نافع البصاولي تضيف إليه فرعاً يصل إلى الجنائن بالقضارف.
ثم يأتي شخص لا يعرفه أحد ويرسم خطاً إلى المفرح.
قالت فائزة: من رسم هذا؟
قالت تسنيم: ربما الطريق نفسه.
قالت زنجبيلة: الطريق لا يرسم نفسه.
فردت تسنيم: إلا إذا كان الطريق يعرف أن الذين يمشون عليه لا يعرفون إلى أين يذهبون.
ثم بدأ المفرح يختفي.
لم تختفِ القرية دفعة واحدة.
اختفت أولاً اللافتة.
ثم الطريق المؤدي إليها.
ثم أسماء الحقول.
ثم الذاكرة التي تقول إنها كانت هناك.
بقيت شجرة وحيدة.
تحتها جلس خطاب.
قال للنيل الذي لم يكن موجوداً: هل انتهت الجزيرة؟
قال النيل: الجزيرة لا تنتهي، لكنها تتوقف عن كونها جزيرة عندما تعجز عن حماية حكاياتها.
رفع خطاب رأسه.
كان خلف الشجرة وادٍ لم ترسمه الخرائط.
فهم أن المفرح لم يكن نهاية الطريق، بل ثقباً في جدار الجغرافيا.
دخل وادي القديسين كما يدخل المرء حلماً يعرف أنه حلم، لكنه لا يستطيع الاستيقاظ منه.
كانت الصخور تتنفس.
والأشجار تحمل أسماء رجال ماتوا قبل أن يولدوا.
والريح تأتي من الأمام ثم تعود من الخلف حاملة الجملة نفسها.
«المفرح انتهى».
«المفرح لم ينته».
«المفرح هو البداية».
كل جملة كانت صحيحة في زمن مختلف.
وهنا بدأ الزمن الحلزوني: الماضي أمامهم، المستقبل خلفهم، والحاضر حفرة ضيقة تتسع كلما سقط فيها أحد.
ظهر رفاعة ولينا هناك، رغم أنهما لم يغادرا صوفيا.
ظهر عكير وأوديت، رغم أنهما كانا في طريق أركويت.
ظهرت العنقاء وأدهم وغابي، رغم أنهم كانوا في قطر.
ظهر عقاب ولوسيا، وراجا، وشهزاد، وأكرم، وناجية، وأنعام، وفائزة، وزنجبيلة، وتسنيم.
لم يسأل أحد كيف وصلوا.
في وادي القديسين لا تصل الشخصيات؛ تصل آثارها.
كل شخص كان يجر وراءه فعلاً قديماً.
وكل فعل كان يجر وراءه شخصاً آخر.
وكل شخص كان يكتشف أن ما ظنه قراراً شخصياً كان في الحقيقة حلقة في قرار جماعي لم يتخذه أحد.
كان رفاعة يحمل دفتره.
فتح صفحة وجد فيها خطاباً يعبر كوبري حنتوب.
فتح صفحة ثانية وجد نفسه واقفاً خلف خطاب.
فتح الثالثة فرأى لينا تكتب الصفحة الأولى.
قال: من كتب هذا؟
قالت لينا: أنت.
قال: لكنني لم أكتبه بعد.
قالت: الزمن هنا لا ينتظر الكاتب.
ثم أخذت القلم من يده وكتبت: «كل عودة هي شكل متأخر من المغادرة».
وعندما انتهت، بدأت الجملة تتحرك على الورق كدودة بيضاء، ثم خرجت من الدفتر، ومشت نحو الوادي.
عندها بدأت «معاظلات الطهطاوي».
لم يكن الطهطاوي حاضراً بشخصه، بل كان حاضراً كمرآة.
مرآة للرحلة، والتعليم، والترجمة، والاحتكاك بالحضارات، والعودة إلى مجتمع لا يريد أن يسمع كل ما جاء به العائد.
قال رفاعة إن المعرفة يمكن أن تكون جسراً.
قالت لينا إن الجسر قد يكون أيضاً أداة لعبور السلطة.
قال عكير إن الأمن يحمي الجسر.
قالت أوديت إن الأمن قد يهدمه باسم الحماية.
قال أدهم إن الدولة تحتاج إلى القوة.
قالت العنقاء إن القوة بلا عدالة تجعل العودة مستحيلة.
قالت ناجية إن المجتمع لا يحتاج إلى خطب جديدة، بل إلى استعادة الثقة في التفاصيل.
وفجأة ظهر رجل بلا وجه يحمل ميزاناً.
وضع في كفته الأولى «الدولة».
وفي الثانية «المجتمع».
مال الميزان نحو الدولة.
ثم أضاف خطاب «الخوف» إلى كفة المجتمع.
استوى الميزان لحظة.
ثم وضع رفاعة «المعرفة» في الكفة الأخرى.
اختل الميزان من جديد.
قالت لينا: المعرفة لا توازن شيئاً إذا لم تغيّر طريقة استعمال القوة.
عندها انكسر الميزان، وتحول إلى جسر.
قال غابي: الآن نستطيع العبور.
لكن أحداً لم يتحرك.
لأنهم رأوا على الضفة الأخرى صورة فرعون.
لم يكن تاجاً ولا قصراً ولا جسداً محدداً.
كان صوتاً.
كان يقول: أنا الدولة.
ثم قال: أنا الأمن.
ثم قال: أنا النظام.
ثم قال: أنا التاريخ.
ثم قال: أنا الحقيقة.
وفي كل مرة كان وجه من وجوه المجموعة يظهر على جسده لحظة ثم يختفي.
قالت لينا: الفرعون ليس شخصاً فقط.
قال رفاعة: إنه اللحظة التي يعتقد فيها الإنسان أن سلطته أكبر من العالم.
قال خطاب: وربما هو أيضاً المجتمع حين يسلم خوفه لشخص آخر كي يفكر نيابة عنه.
وفي الضفة الأخرى ظهر موسى لا كصورة مكتملة، بل كعصا من نور تسير وحدها.
ضربت الأرض.
لم ينشق البحر.
انشق الزمن.
ظهر كوبري حنتوب في الماضي.
وظهر المفرح في المستقبل.
وظهرت صوفيا في قلب الجزيرة.
وظهر وادي القديسين في غرفة خطاب.
كان كل مكان داخل الآخر.
وكان كل شخص يعيش اللحظة نفسها مرات متعددة.
قالت لينا: هذه ليست عودة إلى التاريخ.
قال رفاعة: إنها عودة التاريخ إلينا.
أخرج خطاب المفتاح.
لم يعد صدئاً.
كان ساخناً كأنه خرج للتو من يد شخص آخر.
وضعه في صخرة الوادي.
انفتح باب.
خلف الباب كانت أحياء ود مدني كلها، لكن لا أحد فيها كان يسير في الاتجاه نفسه.
بعضهم يعود.
بعضهم يهاجر.
بعضهم يولد.
بعضهم يودع شخصاً لم يلتقِ به بعد.
بعضهم يبحث عن بيت، وبعضهم يبحث عن اسم بيت.
رأى خطاب نفسه طفلاً يركض في شارع لم يكن موجوداً بعد.
ورأى نفسه شيخاً يقف على الجسر نفسه ويسأل السؤال نفسه.
أدرك أن حياته لم تكن خطاً.
كانت لولباً يمر كل مرة بالنقطة نفسها، لكنه لا يتركها كما كانت.
عادوا إلى كوبري حنتوب.
أو هكذا بدا لهم.
كان النيل تحتهم، لكن الماء يجري إلى الوراء.
قالت أوديت: لقد عدنا.
قال عكير: لم نعد.
قالت: لماذا؟
قال: لأن الجسر خلفنا أيضاً.
ضحك غابي.
كان يحمل الرسم نفسه: بيت ذو بابين.
لكن الرسم صار فيه باب ثالث.
سأله رفاعة: إلى أين يؤدي؟
قال غابي: إلى المكان الذي لا نعرفه بعد.
فهم الجميع أن الطفل لم يكن يرسم بيتاً، بل كان يرسم الرواية التالية.
وفي الخرطوم كان البيت ينتظر عودة العائلة.
وفي صوفيا كان المقهى ينتظر رفاعة ولينا.
وفي زغرب كانت لوسيا تطوي خريطة أوروبا.
وفي الدوحة كان أدهم يبحث عن مدرسة لغابي.
وفي ود مدني كانت ناجية تخبئ المفتاح.
وفي القضارف كانت تسنيم تعيد رسم الخريطة.
وفي فداسي كان أكرم يغسل أكواب الكافتريا.
وفي اتحاد كتاب البحر الأحمر كانت زنجبيلة تضع القصاصات السبع في ملف واحد.
وفي مكان لا يعرفه أحد كان المفرح يعود إلى الوجود.
وكان وادي القديسين يبتعد خطوة كلما اقترب منه أحد.
هكذا لم تنته الحكاية؛ فقط غيرت موقعها.
وفي آخر دورة للزمن، وجد خطاب نفسه داخل السيارة مرة أخرى.
النافذة مفتوحة.
كوبري حنتوب تحت العجلات.
النيل يلمع.
والسؤال القديم يجلس إلى جواره.
قال له خطاب: هل كانوا هنا حقاً؟
قال السؤال: ومن قال إنهم هم وحدهم كانوا هنا؟
نظر خطاب إلى الماء.
رأى الجنجويد، ورأى الخوف، ورأى السلطة، ورأى الهجرة، ورأى الصمت، ورأى الذين قاوموا، ورأى الذين رحلوا، ورأى الذين عادوا، ورأى الذين لم يستطيعوا العودة.
ثم رأى نفسه.
كان أصغر من السؤال وأكبر من الإجابة.
وعندما تجاوزت السيارة الجسر، لم يعد المفرح خلفه ولا وادي القديسين أمامه.
كان كلاهما داخله.
عندها فهم أن «معاظلات الطهطاوي» ليست رواية تبدأ بعد المفرح،
بل هي الرواية التي تجعل المفرح نفسه يتكرر كلما ظن الإنسان أنه وصل إلى النهاية.
هي صراع المعرفة حين تعود من رحلتها، وصراع المجتمع حين يحاول استعادة صوته، وصراع السلطة حين تخاف أن تتحول صورتها إلى مرآة مكسورة.
هي رفاعة ولينا في صوفيا، وعكير وأوديت في أركويت، والعنقاء وأدهم وغابي بين قطر والوطن، وعقاب ولوسيا في زغرب، وراجا أمام خرائط الحروب، وشهزاد وأكرم بين الخبر والحكاية، وناجية بين الذاكرة والمدينة، وأنعام وفائزة وزنجبيلة وتسنيم بين الوثيقة وما لم تستطع الوثيقة قوله.
وهي خطاب، قبل الجميع وبعد الجميع، يعبر كوبري حنتوب مرة أولى، ثم ثانية، ثم ثالثة، ولا يعرف في أي عبور حدثت الحرب، وفي أي عبور انتهت، وفي أي عبور بدأ هو نفسه.
كان النيل يركض تحت الجسر.
وكان الجسر يركض فوق الزمن.
وكان الزمن يلتف حول المدينة مثل حلزون لا يريد الوصول إلى مركزه.
ومن مكان بعيد، عند طوى المتخيلة، ارتفع صوت لا نعرف إن كان صوت موسى، أم صوت المدينة، أم صوت الإنسان حين يقرر للمرة الأولى ألا يخاف من السؤال:
ليس المهم أن تعرف من مرّ من هنا، بل أن تعرف ماذا ستفعل أنت بعد أن تعرف.
ثم انطفأت الخرائط.
وبقي الباب الثالث مفتوحاً.


تعليقات
إرسال تعليق